"اللاءات الثلاث".. المعارضة الموريتانية تحشد أنصارها ضد تعديل الدستور

تجمعات احتجاجية في كافة ولايات موريتانيا- عربي21
تجمعات احتجاجية في كافة ولايات موريتانيا- عربي21
شارك الخبر
شهدت العاصمة الموريتانية نواكشوط وعواصم جميع ولايات البلاد اليوم الأربعاء وقفات احتجاجية متزامنة نظمها حزب "التجمع الوطني للإصلاح والتنمية" (تواصل)، وهو أكبر الأحزاب السياسية المعارضة وثاني أكبر الكتل النيابية في البرلمان الموريتاني.

ورفع أنصار الحزب في الوقفات شعارات تتمحور حول "اللاءات الثلاث" التي أعلنتها قيادة الحزب عنوانا لمرحلتها السياسية الحالية: “لا للتمديد والدوس على الدستور، لا لتجذّر الفساد ونهب المال العام، ولا لارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات الأساسية".

رسائل رفض التمديد 


في كلمته أمام الجماهير في إحدى وقفات نواكشوط، أكد رئيس الحزب وزعيم المعارضة الديمقراطية، حمادي ولد سيد المختار، أن حزبه اختار النزول إلى الشارع ليكون صوتا لكل المواطنين وليؤكد أن "آلامهم ليست غائبة بل هي حاضر دائما في خطاباته وبياناته ووقفاته ومهرجاناته".

وشدد ولد سيد المختار على أن خيار الحزب صريح وغير قابل للتردد أو المساومة في رفض أي محاولة للالتفاف على النصوص الدستورية أو التهيئة لخيار الولاية الرئاسية الثالثة، واصفا ذلك بأنه "يهدد الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، ولا يخدم الوطن ولا المواطن ولا حتى الاستقرار السياسي".

اظهار أخبار متعلقة



وأوضح زعيم المعارضة أن التداول السلمي على السلطة يمثل المكسب الأبرز للتجربة الديمقراطية الموريتانية، قائلا: "إن عشر سنوات في الحكم كافية لأي رئيس لتقديم ما لديه لخدمة بلده، ثم الاستراحة وإفساح المجال لغيره لمواصلة البناء، المأمورية الثالثة تفتقر لأي مسوغ أو مصلحة وطنية".

مطالبات بإجراءات رادعة 


ولم يقتصر الحراك الاحتجاجي على الحراك الدستوري والسياسي، بل فتح ملف إدارة المال العام وما وصفه الحزب بتفشي الفساد في المنظومة الحكومية.

وانتقد ولد سيد المختار ما اعتبره غياب الجدية والإرادة السياسية في محاسبة المتورطين في نهب الثروات، مطالبا بالحزم وعدم الانتقائية في التعاطي مع قضايا الفساد.

واعتبر أن الاكتفاء بالشعارات أو الإجراءات الشكليات يفرغ الجهود الرسمية من محتواها ويحيلها إلى مجرد "سياسة إعلامية".

وشدد على ضرورة اتخاذ خطوات عملية حاسمة تضمن كف يد المفسدين، واسترداد الأموال المنهوبة لصالح الخزينة العامة، مع توقيع الجزاءات القانونية الرادعة بحق المتورطين دون إبطاء.

غلاء الأسعار


على الصعيد الاجتماعي والمعيشي، ركزت الوقفات الاحتجاجية على "التراجع الحاد في مستوى الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وبنية تحتية، فضلا عن الانخفاض المستمر للقدرة الشرائية للمواطنين تحت وطأة الارتفاع المتواصل لأسعار السلع الاستهلاكية".

وسلط ولد سيد المختار الضوء على ملف البيئة والسلامة الصحية، متطرقا إلى معاناة سكان مقاطعة "توجنين" بالعاصمة نواكشوط جراء التلوث والدخان الناجم عن المصانع المحاذية للأحياء السكنية. 

وأشار إلى أن صرخات السكان لم تجد آذانا صاغية لدى الجهات الحكومية، التي لم تتخذ خطوة ملموسة بنقل تلك المصانع بعيدا عن التجمعات السكانية لحماية أرواح المواطنين وصحتهم.

وفي تصريح خاص بـ"عربي21"، أكد نائب رئيس حزب "التجمع الوطني للإصلاح والتنمية" أحمدو ولد امباله، أن المشهد الحالي بلغت فيه المعاناة مستويات غير مسبوقة قائلا: "واقع البلد لم يعد يطاق، تراجع الخدمات، انتشار الفساد، والدوس على الدستور، كلها أمور غير مقبولة ولن نسكت عليها".

وأضاف ولد امباله: "المواطن الموريتاني يعاني اليوم الأمرين بين غلاء معيشي وتردٍ في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم" وتساءل مستنكرا: هل يعقل أن بلدا بثروات هائلة ومتنوعة أن ينحدر فيه مستوى الخدمات العمومية إلى هذا الحد؟.

وختم تصريحه لـ"عربي21" بالقول: "نقولها بوضوح وقوة: نرفض تعديل الدستور لتمديد الولاية الرئاسية، نرفض الفساد وتردي الخدمات، ونرفض التضييق على الحريات، هذا الواقع غير قابل للاستمرار، والشعب قال كلمته اليوم".

لغم التعديل الدستوري


تأتي هذه الوقفات الاحتجاجية المتزامنة في وقت تشهد فيه الساحة السياسية الموريتانية عودة سجال "الولاية الثالثة" إلى الواجهة.

فبعد أشهر من المبادرات والتصريحات المتفرقة التي أطلقها قياديون وأطر في حزب "الإنصاف" الحاكم للمطالبة بفتح المجال أمام ترشح جديد للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، جاء البيان الأخير للمكتب السياسي للحزب الحاكم ليتوج هذه التحركات بتبنٍّ حزبي رسمي، مما أثار غضب طيف واسع من المعارضة التي رأت فيه تمهيدا صريحا لتعديل الدستور.

وكان المكتب السياسي لحزب "الإنصاف" قد دعا لجنته الدائمة إلى "دراسة وتلبية المطالب التي عبر عنها المناضلون والأطر خلال الزيارات الميدانية"، والمتعلقة بالتمسك بشخص رئيس الجمهورية والدفع بالإصلاحات الكفيلة بتحقيق ذلك، وهي صياغة اعتبرتها المعارضة غطاء سياسيا للمساس بالمواد المحصنة في الدستور.

ويأتي هذا التصعيد ليزيد من تعقيد المشهد السياسي في البلاد، حيث حرص الرئيس الغزواني منذ وصوله إلى السلطة على إرساء مناخ من التهدئة السياسية عبر لقاءات دورية وتوافقية مع مختلف القوى الوطنية. 

غير أن الطرح الراهن حول التعديل الدستوري يهدد بنسف حالة الهدوء السياسي وتفجير لغم دستوري قد يعطل مسار التوافق، ويعيد صياغة أولويات الأطراف الوطنية من التركيز على الإصلاحات الانتخابية والتنمية المستدامة إلى معارك "حماية المكتسبات الديمقراطية".

مسار الحوار 


تأتي تحركات حزب "تواصل" في وقت يعيش فيه مسار الحوار السياسي حالة من الشلل رغم امتداد مرحلته التمهيدية لأكثر من عام ونصف تحت قيادة المنسق الوطني للحوار موسى فال.

وكان المسار قد شهد انفراجة جزئية عقب التوقيع على "الوثيقة المرجعية للحوار" بين الأغلبية والمعارضة بعد جولات شُرِط فيها تجريد الوثيقة تماما من أي بنود أو إيحاءات تتناول "المدد والمأموريات الرئاسية" لضمان جلوس الجميع على طاولة التفاوض. 

غير أن هذه الأرضية التوافقية ما لبثت أن تصدعت مجددا، إذ رأت المعارضة، وعلى رأسها حزب "تواصل"، أن البيانات والتحركات الميدانية الأخيرة لأطر حزب "الإنصاف" الحاكم الداعية للتمسك بشخص رئيس الجمهورية تمثل التفافا صريحا على التوافقات التمهيدية ومحاولة لإقحام تعديل الدستور من الباب الخلفي للحوار.

ولم تقتصر العقبات أمام انطلاق الجلسات الفعلية للحوار على لغم "المأمورية الثالثة"، بل امتدت لتشمل أزمة إجرائية حول تشكيل "لجنة الإشراف".

فقد فجر اعتماد الأغلبية المعيارَ النيابي والبلدي لترشيح ممثليها تجاذبات أسفرت عن تجميد "حزب جبهة المواطنة والعدالة" لعضويته في ائتلاف الأغلبية، اعتراضا على آلية الاختيار وتهميش القوى الناشئة.

اظهار أخبار متعلقة



وفي المقابل تتصاعد تحفظات أطراف معارضة بارزة تختبر جدية السلطة، مع استمرار مقاطعة قوى أخرى للمسار برمتهم مثل النائب بيرام الداه اعبيد وحزب الحركة من أجل إعادة التأسيس، بداعي الخشية من تحول الحوار إلى مجرد واجهة شكلية لإضفاء شرعية على ترتيبات السياسة الحاكمة.

وكانت المعارضة الموريتانية شككت في نزاهة الانتخابات الرئاسية الأخيرة والتي فاز فيها الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني بولاية رئاسية ثانية، ما تسبب في اندلاع احتجاجات لأنصار المرشح الذي حل ثانيا حينها في الانتخابات الرئاسية بيرام الداه اعبيد.

ورغم عودة الهدوء للبلاد عقب الانتخابات، إلا أن المعارضة ظلت تطالب بحوار سياسي لبحث قضايا تتعلق بالمنظومة الانتخابية لضمان شفافية أي عملية انتخابية في المستقبل.


Image1_10202621184214259871761.jpg
Image2_10202621184214259871761.jpg
Image3_10202621184214259871761.jpg
التعليقات (0)

خبر عاجل