لم تمنع الميزانية العسكرية
السعودية الضخمة، ولا ترسانة
الأسلحة الأمريكية المتطورة التي تمتلكها المملكة، وصول الهجمات الحوثية إلى منشآت حيوية داخل أراضيها، في تطور أعاد فتح النقاش حول كفاءة منظومات الدفاع الجوي وقدرتها على حماية المطارات ومرافق الطاقة والمدن الكبرى.
فمع تصاعد الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة، تواجه الرياض اختبارا يتجاوز عدد الأسلحة التي تملكها إلى كيفية تشغيلها وتوزيعها، ومدى جاهزيتها للتعامل مع هجمات متزامنة ومنخفضة الكلفة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على مخزونات الصواريخ الاعتراضية بفعل اتساع المواجهة الإقليمية.
وتكشف هذه التطورات مفارقة لافتة٬ فالسعودية واحدة من أكبر الدول إنفاقا على التسلح في العالم، وتعتمد بدرجة كبيرة على منظومات أمريكية متقدمة، كما تستضيف
الولايات المتحدة قوات ومنشآت عسكرية في المنطقة ضمن شراكة أمنية ممتدة.
ومع ذلك، لا توفر هذه القدرات ضمانة مطلقة لمنع وصول الصواريخ والطائرات المسيرة إلى أهدافها، ولا تعني الشراكة العسكرية أن واشنطن ستتولى تلقائيا اعتراض كل هجوم أو الدخول في مواجهة مباشرة مع الجهة التي تقف وراءه.
وفي
تقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس في 13 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، أشار خبراء إلى أن السعودية تواجه صعوبات في التصدي لموجة من الهجمات الحوثية المتطورة، رغم امتلاكها طائرات مقاتلة أمريكية ومنظومات باتريوت ورادارات متقدمة.
ولفت التقرير إلى اتساع مساحة المملكة وتباعد منشآتها المدنية والعسكرية والاقتصادية، وهي عوامل تجعل توفير حماية متواصلة لجميع الأهداف أمرا بالغ التعقيد.
اظهار أخبار متعلقة
إنفاق عسكري ضخم لا يضمن الحماية
وفقا لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “
سيبري”، بلغ الإنفاق العسكري السعودي 83.2 مليار دولار عام 2025، بزيادة 1.4 بالمئة عن العام السابق، ما وضع المملكة في المرتبة الثامنة عالميا بين أكبر الدول إنفاقا على القوات المسلحة. كما تجاوز الإنفاق السعودي مستواه المسجل عام 2016 بنحو 12 بالمئة.
وتعكس هذه الأرقام حجم الموارد التي تخصصها الرياض للدفاع والتسلح، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على كفاءة القوات المسلحة أو قدرتها على التصدي لكل التهديدات.
فالإنفاق العسكري يشمل بنودا متعددة، من شراء الطائرات والسفن والصواريخ إلى الرواتب والصيانة والتدريب والبنية التحتية، ولا يتحول بالضرورة إلى قدرة عملياتية متكاملة بمجرد توقيع العقود أو تسلم المعدات. وتوضح بيانات المعهد أن السعودية كانت ثالث أكبر مستورد للأسلحة عالميا خلال الفترة بين 2021 و2025، بحصة بلغت 6.8 بالمئة من إجمالي واردات السلاح العالمية.
وجاءت الولايات المتحدة في صدارة
مورديها، مستحوذة على نحو 77 بالمئة من واردات المملكة من الأسلحة خلال الفترة نفسها، تلتها إسبانيا بنسبة 9.5 بالمئة، ثم فرنسا بنسبة 4.6 بالمئة.
وتشير هذه الأرقام إلى اعتماد كبير على الخارج في بناء القدرات العسكرية السعودية، ولا سيما على الولايات المتحدة التي تزود المملكة بطائرات مقاتلة ومنظومات دفاع جوي ومعدات أخرى. لكن الاعتماد على السلاح المستورد يطرح أسئلة تتعلق بمدى توافر الذخائر وقطع الغيار، وسرعة الصيانة، واستقلالية التشغيل، وقدرة القوات على تحديث المنظومات ودمجها ضمن شبكة دفاعية موحدة.
وتظهر بيانات «
سيبري» أيضا أن واردات السعودية من الأسلحة الرئيسية تراجعت بنسبة 31 بالمئة بين فترتي 2016-2020 و2021-2025. ولا يعني هذا التراجع بالضرورة انخفاضا مماثلا في الإنفاق أو القدرات، إذ يفسره المعهد جزئيا بدورة المشتريات العسكرية، حيث تستغرق الصفقات الكبرى سنوات بين توقيع العقود والتسليم والدمج في القوات المسلحة.
وقال بيتر ويزمان، الباحث البارز في المعهد، إن تراجع الواردات يرتبط إلى حد كبير بطلبيات سعودية ضخمة سابقة لم تكتمل عمليات تسليمها أو دمجها في الترسانة العسكرية.
ويعني ذلك أن حجم الإنفاق أو قيمة العقود المعلنة لا يعكسان دائما القدرات المتاحة فعليا في الميدان خلال فترة زمنية محددة.
صفقات أمريكية بمليارات الدولارات.. أين نتائجها؟
تحتل الولايات المتحدة موقعا محوريا في منظومة الدفاع السعودية، سواء من حيث توريد الأسلحة أو التدريب والصيانة والدعم الفني. غير أن العلاقة العسكرية بين البلدين لا تعني أن جميع الإعلانات عن صفقات الأسلحة تتحول مباشرة إلى معدات جاهزة للاستخدام، أو أن كل عقد يفضي إلى قدرة دفاعية إضافية في وقت قصير.
وظهر هذا الفارق بوضوح في الجدل الذي رافق الإعلان عام 2017 عن حزمة أسلحة أمريكية للسعودية قُدرت قيمتها بنحو 110 مليارات دولار. فقد أشار بروس ريدل، الباحث في
معهد بروكينغز والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط، إلى أن الجزء الأكبر من الرقم المعلن كان يتصل بخطابات نوايا وترتيبات لم تكن جميعها صفقات نهائية مكتملة.
كما أشارت تقارير أمريكية إلى أن قيمة خطابات العرض والقبول الموقعة في تلك المرحلة كانت أقل بكثير من الرقم الإجمالي المعلن، وأن الحزمة تضمنت صفقات سبق أن وافقت عليها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما.
وتبرز هذه الحالة أهمية التمييز بين الإعلان السياسي عن حزمة تسليح، وتوقيع العقود، وتسليم المعدات، ثم إدخالها الخدمة بعد استكمال التدريب والتجهيز.
وفي مجال الدفاع الجوي، لا يقتصر الأمر على امتلاك بطاريات صواريخ متقدمة؛ إذ يتطلب التصدي لهجوم مركب شبكة متكاملة من الرادارات وأجهزة الاستشعار ومراكز القيادة والسيطرة، إلى جانب أطقم مدربة ومخزون كاف من الصواريخ الاعتراضية.
وقد يؤدي وجود خلل في أي حلقة من هذه السلسلة إلى تقليص فاعلية المنظومة بأكملها، حتى لو كانت المعدات المستخدمة متطورة تقنيا.
ومن هنا، فإن السؤال بشأن أداء الدفاعات السعودية لا يتعلق فقط بجودة الأسلحة الأمريكية، بل أيضا بمدى ملاءمة توزيعها للتهديدات الحالية، وقدرتها على تبادل المعلومات في الوقت الحقيقي، وسرعة اتخاذ القرار، ومدى توافر الذخائر اللازمة لمواجهة موجات متكررة من الهجمات.
اظهار أخبار متعلقة
القواعد الأمريكية لا تعني مظلة دفاعية شاملة
يستند جانب من النقاش الدائر حول أمن السعودية إلى وجود قوات ومنشآت عسكرية أمريكية في المنطقة، وإلى التعاون الدفاعي والاستخباري بين الرياض وواشنطن.
لكن وجود قواعد أمريكية أو قوات تابعة للولايات المتحدة لا يعني تلقائيا أن كل منشأة سعودية تقع تحت حماية مباشرة ومستمرة من القوات الأمريكية. وتتحدد طبيعة الدعم الأمريكي وفقا للاتفاقات القائمة، وتقدير التهديدات، والقرارات السياسية والعسكرية في واشنطن.
وقد يشمل التعاون تبادل المعلومات الاستخبارية، وتقديم الدعم الفني، والمساعدة في الإنذار المبكر، وتوفير المعدات والذخائر، أو المشاركة في عمليات دفاعية محددة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تولي القوات الأمريكية مهمة اعتراض كل صاروخ أو مسيرة تستهدف الأراضي السعودية.
وفي تشرين الأول/أكتوبر الجاري، أشار
تحليل لمشروع التهديدات الحرجة التابع لمعهد أمريكان إنتربرايز إلى أن الولايات المتحدة وشركاءها وسعوا أشكال المساعدة العسكرية المقدمة للسعودية خلال الأسابيع الأخيرة، بما في ذلك الدعم الاستخباري والاستهداف والمساندة في الدفاع الجوي.
ولفت التحليل إلى أن هذه المساعدة يمكن أن تدعم جهود الرياض في كشف منصات الإطلاق الحوثية وتعطيلها، إلى جانب حماية المنشآت المدنية من الصواريخ والطائرات المسيرة.
لكن هذه المساندة تظل مختلفة عن تولي واشنطن الحرب نيابة عن السعودية، كما أن وجود قوات أمريكية في المنطقة لا يلغي مسؤولية المملكة عن بناء منظومة دفاعية قادرة على العمل بكفاءة واستمرار، ولا يحسم مسبقا قرار الولايات المتحدة بشأن الانخراط في عمليات هجومية ضد
الحوثيين.
استنزاف الصواريخ الاعتراضية
من أبرز التحديات التي تواجه منظومات الدفاع الجوي في الحروب الحديثة، الفارق بين كلفة السلاح المهاجم وكلفة اعتراضه. فإطلاق صاروخ اعتراضي متقدم لمواجهة مسيرة أقل كلفة قد يكون ضروريا لحماية منشأة حساسة، لكن تكرار هذا السيناريو على نطاق واسع يمكن أن يستنزف المخزون الدفاعي بسرعة، خصوصا إذا تزامنت الهجمات أو استمرت على مدى أسابيع.
وتزداد المشكلة تعقيدا عندما تستخدم الجهة المهاجمة مزيجا من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة، لأن كل نوع يتطلب وسائل كشف واعتراض مناسبة، وقد يفرض على المدافعين توزيع مواردهم على أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.
وفي
تقرير نشرته صحيفة «ذا ناشيونال» في تشرين الأول/أكتوبر الجاري، أُشير إلى أن السعودية تواجه تحديا متزايدا في التعامل مع الهجمات المتكررة والمتزامنة، وسط تزايد الطلب على صواريخ باتريوت ومنظومات «ثاد» الدفاعية.
وأبرز التقرير أن امتلاك شبكة دفاع جوي متقدمة لا يمنع تعرضها للضغط عندما تتعدد الأهداف وتتكرر الهجمات. كما أوردت تقارير إعلامية تقديرات بشأن تراجع مخزونات بعض الصواريخ الاعتراضية الأمريكية المستخدمة في المنطقة، والحاجة إلى فترات طويلة لتعويض ما يُستهلك منها.
وينبغي التعامل مع هذه الأرقام بحذر، لاختلاف التقديرات بشأن المخزونات المتاحة ومعدلات الاستخدام والإمداد، ولأن التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالذخائر العسكرية لا تكون متاحة بالكامل في المصادر المفتوحة.
ومع ذلك، فإن الاتجاه العام واضح: قدرة أي دولة على الاستمرار في الدفاع الجوي لا تتوقف على عدد البطاريات التي تمتلكها، بل تعتمد أيضا على حجم مخزون الصواريخ، ومعدلات إعادة الإمداد، وسرعة نقل الذخائر، والقدرة الصناعية للدول الموردة على تلبية الطلب المتزايد.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ظل اتساع المواجهات الإقليمية وتعدد الجهات التي تحتاج إلى الذخائر نفسها. فإذا ارتفع الطلب على الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وحلفائها في أكثر من ساحة، فقد تواجه الدول المستوردة منافسة على الإمدادات، حتى عندما تكون لديها القدرة المالية على شراء مزيد من المعدات.
الحوثيون يراكمون خبرة في حرب غير متكافئة
لا يمكن تفسير التحديات السعودية من دون النظر إلى التحولات التي طرأت على القدرات العسكرية للحوثيين خلال سنوات الحرب في اليمن. فقد تطورت ترسانة الجماعة من الصواريخ والطائرات المسيرة، وأصبحت الهجمات بعيدة المدى جزءا من أدواتها العسكرية، ما أتاح لها استهداف منشآت مدنية واقتصادية وعسكرية داخل السعودية.
وفي
تقرير نشرته وكالة رويترز في 15 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، تناولت الوكالة كيفية تمكن الحوثيين من تنفيذ هجمات مؤثرة على أهداف سعودية، مشيرة إلى أن الجماعة استفادت على مدى أكثر من عقد من الدعم الإيراني، بما في ذلك الأسلحة والتمويل والتدريب.
كما أشار التقرير إلى تطور قدراتها على تجميع بعض الطائرات المسيرة والصواريخ، والاستفادة من شبكات توريد مكونات عسكرية.
وتعني هذه التطورات أن السعودية لم تعد تواجه تهديدا يمكن اختزاله في إطلاق صاروخ منفرد من منطقة حدودية، بل شبكة من القدرات تشمل منصات إطلاق متعددة، وأساليب تمويه، وهجمات متكررة، واستخدام أسلحة متفاوتة السرعة والارتفاع والمسار.
وتمنح الخبرة المتراكمة في الحرب الحوثيين قدرة على اختبار الثغرات والتكيف مع إجراءات الدفاع، بينما يفرض اتساع الأراضي السعودية وتباعد المنشآت الحيوية على الرياض حماية عدد كبير من الأهداف في آن واحد. ويجعل هذا التفاوت من الصعب تحقيق حماية كاملة باستخدام منظومات باهظة الثمن وحدها.
ولا يعني ذلك أن الحوثيين يمتلكون تفوقا عسكريا شاملا على السعودية، التي تتفوق عليهم من حيث الموارد والطائرات والأسلحة التقليدية. لكنه يشير إلى أن التفوق في حجم الترسانة لا يضمن تلقائيا منع الطرف الأقل كلفة من إلحاق أضرار مؤثرة، خصوصا عندما يعتمد على هجمات غير متكافئة تستهدف نقاط الضعف بدلا من مواجهة القوة العسكرية الأكبر مباشرة.
اظهار أخبار متعلقة
حماية المنشآت.. تحد جغرافي وعملياتي
تواجه السعودية تحديا جغرافيا لا يمكن تجاهله. فالمملكة واسعة المساحة، وتمتد حدودها مع اليمن لمسافة طويلة، فيما تتوزع منشآت الطاقة والمطارات والمرافق العسكرية والمدن الكبرى على مسافات بعيدة.
وتفرض هذه الجغرافيا على الدفاعات الجوية تغطية أهداف متعددة، تختلف في أهميتها وطبيعة المخاطر المحيطة بها.
وفي
تقرير أسوشيتد برس، نقل عن محللين أن حماية دولة بحجم السعودية من كل صاروخ أو طائرة مسيرة أمر غير واقعي، حتى مع امتلاك منظومات متقدمة.
ولا يعني ذلك أن الإخفاقات لا تستحق التحقيق أو أن تحسين الدفاعات غير ممكن، بل يوضح أن بناء شبكة دفاعية فعالة يتطلب تحديد الأولويات وتوزيع الرادارات والبطاريات بطريقة تراعي التهديدات المحتملة.
كما أن حماية المطارات تختلف عن حماية منشآت الطاقة أو المواقع العسكرية. فالمطار منشأة مدنية واسعة تضم صالات ومسارات ومناطق تشغيل، وقد يؤدي وصول مقذوف واحد إلى تعطيل الحركة أو إحداث خسائر بشرية ومادية، حتى إن لم يتسبب في تدمير شامل.
أما منشآت الطاقة، فتتطلب ترتيبات حماية متعددة المستويات نظرا إلى تأثير أي هجوم عليها في الإنتاج والتصدير والأسواق. ويفرض هذا الواقع على الرياض تطوير وسائل دفاع متعددة الطبقات، تجمع بين الكشف المبكر والاعتراض الصاروخي ومواجهة الطائرات المسيرة، مع تعزيز إجراءات الحماية المادية والإنذار والإخلاء.
كما يتطلب تقليل الاعتماد على اعتراض كل تهديد بصاروخ مرتفع الكلفة، عبر استخدام وسائل أقل كلفة عندما تسمح طبيعة الهدف والتهديد بذلك.
اختبار يتجاوز عدد الأسلحة
تكشف الهجمات الحوثية عن فجوة محتملة بين حجم الترسانة السعودية وقدرتها على توفير حماية شاملة للمنشآت الحيوية. لكن تفسير هذه الفجوة لا يمكن اختزاله في القول إن الإنفاق العسكري لم يحقق أهدافه، أو إن الأسلحة الأمريكية غير فعالة؛ فالمعطيات تشير إلى تداخل عوامل متعددة، من اتساع الجغرافيا وتعدد الأهداف إلى استنزاف الذخائر، وتطور أساليب الحوثيين، والتحديات المرتبطة بالجاهزية والتنسيق والاستقلال الصناعي.
كما أن وجود القواعد والقوات الأمريكية في المنطقة لا يضمن مظلة دفاعية مطلقة، إذ تحدد الاتفاقات والقرارات السياسية طبيعة المشاركة الأمريكية وحدودها. وتظل قدرة الرياض على حماية أراضيها مرتبطة بمدى استعداد قواتها للعمل بصورة متكاملة، وبقدرتها على مواصلة الإمداد والصيانة والتدريب، وبكفاءة استخدام الموارد المتاحة.