خبير لـ"عربي21": احتجاجات فرنسا تتجاوز الغلاء وقد تنزلق إلى صراع أهلي (شاهد)

مسؤولية العنف موزعة بين الأجهزة الأمنية والجهات المنظمة للاحتجاجات - جيتي
مسؤولية العنف موزعة بين الأجهزة الأمنية والجهات المنظمة للاحتجاجات - جيتي
شارك الخبر
تتصاعد الاحتجاجات في فرنسا وعدد من الدول الأوروبية على خلفية الأوضاع المعيشية والمطالب الاجتماعية، وسط اتساع دائرة الغضب من تراجع القدرة الشرائية وأزمات الخدمات العامة، وانضمام فئات مختلفة إلى التحركات التي بدأت بمطالب طلابية.

 وفي فرنسا، تجاوزت الاحتجاجات المطالب المعيشية لتشهد أعمال نهب وتخريب ومواجهات مع الشرطة، فيما أقرت السلطات بوجود إخفاقات في الاستعداد الأمني، ورفض الرئيس إيمانويل ماكرون استقالة وزير الداخلية لوران نونيز.

 ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في 2027، تتداخل أبعاد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية مع حسابات القوى السياسية، وسط مخاوف من اتساع الاستقطاب بين اليمين المتطرف واليسار الراديكالي.

ومن جانبه حذر أستاذ العلاقات السياسية في باريس، خطار أبو دياب، من أن الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا وأجزاء من أوروبا تجاوزت المطالب المعيشية لتكشف عن أزمة بنيوية مركبة، تتداخل فيها الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية مع تراجع الثقة في المؤسسات السياسية وعجز الدولة عن احتواء الغضب الشعبي.

وقال أبو دياب، في مقابلة خاصة مع عربي21، إن الاحتجاجات الفرنسية بدأت بمطالب طلابية تتعلق بالتعليم والمباني المدرسية ونظام الانتقال من المرحلة الثانوية إلى الجامعات، قبل أن تنضم إليها قوى اجتماعية أخرى، من بينها نقابات ومجموعات سبق أن شاركت في احتجاجات "السترات الصفراء"، لتتسع دائرة الغضب وتتحول إلى مواجهة تتجاوز مسألة ارتفاع تكاليف المعيشة.

وأوضح أن المشهد الفرنسي بات محكومًا باستقطاب بين اليسار الراديكالي واليمين المتطرف، في ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في نيسان / أبريل 2027، محذرًا من أن الخطر لا يقتصر على التنافس السياسي بين التيارات المتشددة، بل يمتد إلى احتمال انتقال المواجهة من صناديق الاقتراع إلى الشارع.

وفيما يتعلق بأعمال النهب والعنف، حمل أبو دياب مسؤولية إدارة الأزمة لأكثر من طرف، مشيرًا إلى أخطاء في تقدير حجم الاحتجاجات والاستعداد الأمني، إلى جانب مسؤولية المجموعات التي لجأت إلى التخريب والعنف، ومؤكدًا أن استمرار تفاقم الأوضاع قد يهدد دور الدولة ويزيد احتمالات المواجهة المجتمعية.

وفي ما يلي نص المقابلة:

س: كيف تقرأون المشهد الاحتجاجي في أوروبا؟ وهل نحن أمام احتجاجات على الغلاء أم أزمة ثقة أعمق في النموذج الاقتصادي والاجتماعي الأوروبي؟


ما يحدث في فرنسا يمثل أزمة بنيوية مركبة، بدأت الاحتجاجات بمطالب طلابية مشروعة تتعلق بالمباني المدرسية، وأوضاع المعلمين، ونظام الانتقال من المرحلة الثانوية إلى الجامعات، وسط شكاوى من تراجع مستوى الخدمات التعليمية وعدم توجيه الميزانيات إلى المجالات التي تحتاج إليها.

وتأتي هذه المطالب في وقت تواجه فيه دول أوروبية عدة عجزًا في المالية العامة، إلى جانب ضغوط على نموذج دولة الرعاية الاجتماعية، الذي يمثل أحد مرتكزات التجربة الأوروبية.

ومع اتساع الاحتجاجات، انضمت إلى الطلاب قوى أخرى، من بينها النقابات ومجموعات من المشاركين السابقين في احتجاجات "السترات الصفراء" التي شهدتها فرنسا في بداية عهد الرئيس إيمانويل ماكرون.

اظهار أخبار متعلقة


لذلك، لم يعد الغضب مقتصرًا على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، بل امتد إلى شعور أوسع بالحاجة إلى التغيير، خصوصًا لدى الشباب، من دون أن يكون واضحًا بالضرورة شكل هذا التغيير أو الوجهة التي يمكن أن يقود إليها.

وهنا يجب التمييز بين تغيير النظام السياسي وإسقاط الدولة، وبين المطالبة بتغيير السياسات وطريقة إدارة الشأن العام.

لقد تجاوزت الاحتجاجات في فرنسا حدود المطالب الأصلية، وظهرت أعمال عنف غير مبررة من بعض المشاركين، بالتوازي مع حالات من الاستخدام المفرط للقوة من جانب الشرطة. وفي تقديري، شهد الطرفان أخطاء في إدارة المشهد، بينما زادت الحسابات السياسية من تعقيد الأزمة.

ولا يمكن فصل ذلك عن التحديات التي تواجه النموذج الأوروبي نفسه؛ فأوروبا منطقة غنية، لكن هذه الثروة لا تتوزع بالضرورة بصورة عادلة بين الفئات الاجتماعية.

كما أن هناك مشكلات تتعلق بالاندماج والتمييز والعنصرية في بعض الحالات، إلى جانب مجموعات تنخرط في أعمال عنف، لكن اختزال الأزمة في ملف الهجرة أو في سلوك مجموعات بعينها يتجاهل جذورها الأوسع، المرتبطة أيضًا بجمود المؤسسات وصعوبة تنفيذ الإصلاحات.

ولا يمكن استبعاد وجود أبعاد خارجية تؤثر في البيئة التي تتحرك فيها أوروبا، في ظل الحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة المرتبطة بالتوترات الإقليمية. ومع ذلك، أرى أن البعد الداخلي يظل العامل الأهم في تفسير ما يجري، من دون أن يعني ذلك انتفاء التأثيرات الخارجية.

س: من المسؤول عن أعمال العنف والنهب في فرنسا؟ وكيف تفسرون رفض ماكرون استقالة وزير الداخلية رغم اعترافه بوجود إخفاقات أمنية؟


ج: تحدثت في البداية عن سوء إدارة الأزمة، ويمكنني أن أضيف إليه سوء التقدير، فهناك مشكلة حقيقية أمام المواطن الفرنسي العادي الذي يجد ممتلكاته ومتاجره عرضة للنهب والتخريب، وهو ما يطرح سؤالًا أساسيًا: ما علاقة الاحتجاجات على الأوضاع المعيشية بالاعتداء على ممتلكات المواطنين؟

لقد قصرت الشرطة في بعض الحالات، ويبدو أنها فضلت تجنب سقوط قتلى على حساب حماية ممتلكات الناس، وفي حالات أخرى، اتُخذت إجراءات أمنية عنيفة، من بينها استخدام المياه والقنابل المسيلة للدموع لمنع الوصول إلى بعض الساحات.



المشكلة الأساسية أن الدولة لم تكن مستعدة بصورة كافية لحجم التحركات. فقد تحدثت التقديرات الرسمية عن مشاركة نحو 450 ألف شخص يوم السبت، بينما كانت هناك توقعات بإمكان ارتفاع العدد إلى نحو 800 ألف في مختلف أنحاء فرنسا.

وشهدت بعض المدن خروج الأوضاع عن السيطرة، في ظل عدم إحكام الخطط الأمنية وعدم وضوح توزيع الأدوار بين الشرطة والدرك والقوات المكلفة بحفظ النظام.

في هذا السياق، قدم وزير الداخلية لوران نونيز استقالته، لكن ماكرون رفض قبولها. ويمكن تفسير ذلك بأن الوزير يُنظر إليه باعتباره مسؤولًا إداريًا وأمنيًا ذا خبرة، وليس شخصية سياسية تسعى إلى تحقيق طموحات انتخابية، وبالتالي قد ترى الرئاسة أنه قادر على تصحيح الأخطاء التي وقعت.

كما أن قبول الاستقالة كان يمكن أن يفتح الباب أمام تصعيد سياسي أوسع، وصولًا إلى المطالبة بتغيير الحكومة، في وقت لم يعد أمام ماكرون فيه سوى نحو ستة أشهر قبل الانتخابات الرئاسية، بحسب التوقيت الذي أُجريت فيه المقابلة.

ومع ذلك، فإن مسؤولية العنف لا تقع على طرف واحد. فهناك مسؤولية على الدولة والأجهزة الأمنية بسبب ضعف الاستعداد وعدم الاستباق، إلى جانب مسؤولية المجموعات التي لجأت إلى التخريب والعنف.

ومن الضروري أيضًا التمييز بين اليسار الراديكالي، الذي تقوده سياسيًا حركة جان لوك ميلانشون "فرنسا الأبية"، وبين مجموعات من أقصى اليسار تتبنى العنف الثوري، كما توجد مجموعات من أقصى اليمين تتبنى بدورها العنف ضد الآخرين.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، فالمشكلة لا تتعلق فقط بالتنافس بين أقطاب التطرف في الانتخابات، وإنما باحتمال انتقال الصدام بينهم إلى الشارع.

لقد وصل الأمر إلى أن بعض التجار يدعون إلى تشكيل مجموعات للحماية الذاتية، وهو تطور يثير القلق بشأن دور الدولة وقدرتها على احتكار مسؤولية حفظ الأمن.

ولا يكفي في هذه المرحلة إصدار بيانات تدين العنف، بل يجب تحديد الحدود الفاصلة بين التظاهر السلمي وأعمال التخريب، وضمان قدرة المواطنين على التعبير عن مطالبهم من دون أن يصبحوا هم أنفسهم ضحايا للاحتجاجات أو للعنف الأمني.

س: هل كان من الممكن احتواء الاحتجاجات بصورة أفضل لتجنب أعمال النهب والتخريب؟ وهل تتحمل الشرطة وحدها المسؤولية؟


ج: المسؤولية موزعة بين الأجهزة الأمنية والجهات المنظمة للاحتجاجات والمجموعات التي تستغل التحركات لإثارة الشغب. وهناك أيضًا طرف ثالث يدخل على خط الأحداث، وهو مجموعات لا تقتصر مشاركتها على التعبير عن مطالب اجتماعية، بل تنخرط في أعمال التكسير والتخريب.

وقد تحدث عمدة مرسيليا عن دخول نحو 30 ألف شخص من المشاغبين إلى المدينة، وهي أرقام ينبغي التعامل معها بتحفظ، لكنها تعكس حجم التحدي الذي واجهته الشرطة إذا صحت هذه التقديرات.

اظهار أخبار متعلقة


ومن الصعب على أي جهاز أمني السيطرة على مجموعات كبيرة بهذا الحجم من دون اللجوء إلى القوة، خصوصًا إذا كانت الدولة تسعى إلى تجنب سقوط قتلى. وهذا لا يبرر العنف أو التخريب، لكنه يوضح جانبًا من صعوبة إدارة المشهد.

أما تفسير هذه الأعمال بالفقر وحده، فهو تفسير غير كافٍ. ففرنسا ما زالت تمتلك نظام رعاية اجتماعية وضمان صحي، كما توفر خدمات للفئات التي لا تعمل، إلى جانب وجود مساكن شعبية وشبكات للحماية الاجتماعية.

هذا لا يعني أن العدالة الاجتماعية تحققت بصورة كاملة، أو أن الجميع يتمتعون بالفرص نفسها، لكنه يعني أن الأزمة لا يمكن تفسيرها بمجرد غياب الرعاية العامة.

فهناك مشكلات تتعلق بالتمييز وصعوبة الوصول إلى بعض فرص العمل، إلى جانب تجمعات سكنية تعاني من أزمات اجتماعية، وقد تسهم هذه الظروف في نشوء مجموعات تستغل الاضطرابات.

كما أن المشاركين في أعمال التخريب ليسوا بالضرورة من أصول مهاجرة فقط، بل تضم هذه المجموعات أشخاصًا من خلفيات مختلفة، ما يجعل اختزال الظاهرة في فئة بعينها غير دقيق.

نحن أمام أزمة مركبة لن تُحل بين ليلة وضحاها، لكن تركها تتفاقم قد يحول البلاد إلى ساحة لصراع أهلي، وهو احتمال يصعب القبول به في بلد بحجم فرنسا. وقد يدفع استمرار الاضطرابات السلطات إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزمًا.

س: كيف يمكن أن تؤثر الاحتجاجات في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة؟ ومن الأطراف الأكثر قدرة على الاستفادة سياسيًا من هذه الأزمة؟


ج: لا يمكن حتى الآن الجزم بتأثير الاحتجاجات في اتجاهات الناخبين، خصوصًا أنه لا تتوافر استطلاعات رأي تعكس بصورة واضحة أثر التطورات الأخيرة.

لكن من المتوقع أن يستفيد كل طرف من جوانب مختلفة في المشهد. فقد تمنح الاحتجاجات اليسار الراديكالي، بقيادة جان لوك ميلانشون، فرصة لتعزيز حضوره لدى قطاعات من الشباب، في حين قد تستفيد مارين لوبان من تصاعد المطالب باستعادة النظام العام ومواجهة الفوضى.

وفي الوقت نفسه، توجد شخصيات أخرى في ساحة التنافس، من بينها رئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب، إلى جانب تيارات اليسار الديمقراطي والاشتراكي المرتبطة برفائيل غلوكسمان.



وبذلك، تتشكل المنافسة من عدة أطراف، ولا يمكن القول إن الاحتجاجات ستصب بالضرورة في مصلحة تيار واحد.

فقد يستفيد ميلانشون من الشباب الذين يتبنون مطالب التغيير، بينما تجد لوبان صدى لدى قطاعات عمرية أكبر، ولا سيما من تجاوزوا الأربعين، وفق تقديري. لكن لا يوجد حتى الآن انعكاس انتخابي سريع يمكن نسبته مباشرة إلى الاحتجاجات، كما أن ميزان القوى لا يزال بحاجة إلى متابعة.

ومن المهم انتظار تطورات الأشهر المقبلة قبل استخلاص نتائج نهائية بشأن اتجاهات المنافسة.

إذا استمرت الأوضاع على حالها، فقد تواجه فرنسا مأزقًا سياسيًا، لأن صعود أي من الأقطاب المتشددة قد يثير ردود فعل واسعة لدى الأطراف الأخرى، بما يزيد حدة الاستقطاب.

ولهذا أرى أن الانتخابات الرئاسية المقبلة ستكون من أكثر الانتخابات مصيرية في تاريخ الجمهورية الخامسة، في ظل التحديات الاجتماعية والأمنية والسياسية التي تواجه البلاد.

وفي النهاية، فإن مستقبل الأزمة لن يتحدد فقط بقدرة الحكومة على استعادة الأمن، وإنما أيضًا بمدى قدرتها على معالجة أسباب الاحتقان، واستعادة الثقة في المؤسسات، ومنع انتقال المواجهة السياسية إلى صدام مباشر في الشارع.
التعليقات (0)