في منطقة آسني بإقليم الحوز، لم يكن مشهد السكان
وهم يسارعون إلى إنقاذ رجل ونعاجه بعدما حاصرتهم السّيول مجرد واقعة عابرة في يوم ممطر.
إذ أعاد المشهد إلى الواجهة واقع قرى مغربية تجد نفسها، مع كل تساقطات قوية، أمام اختبار
يتجاوز قدرة الطرق والمسالك على الصمود، ليطال قدرة السكان على الوصول إلى الخدمات
الأساسية، ناهيك عن مدى استعداد المؤسسات للتعامل مع المخاطر المتكرّرة.
ومع انحسار
السيول، تبدأ معركة أخرى لإزالة الأوحال
والأحجار وإعادة فتح الطرق، وسط مخاوف من استمرار العزلة وتعطل الدراسة وصعوبة الوصول
إلى المرافق الصحية. وبينما تعود القرى إلى واجهة الاهتمام مع كل كارثة، سرعان ما تتراجع
أخبارها بعد انحسار المياه، لتبقى أسئلة استعادة الحياة اليومية ومعالجة أسباب الهشاشة
معلّقة إلى حين موسم مطري جديد.
اظهار أخبار متعلقة
هنا تبدأ القصة في تجاوز حدود حادثة منفردة.
حين تتكرر مشاهد الانقطاع والعزلة في مناطق مختلفة، يصبح من الضروري النظر إلى ما يقع
بعد انحسار المياه: هل تعود الحياة إلى مسارها بمجرد إزالة الأتربة وفتح الطريق، أم
أن كل موسم مطري يعيد السكان إلى نقطة البداية، حيث تنتظر القرى تدخل الآليات قبل أن
تستعيد اتصالها بمحيطها؟
من الحوز إلى شيشاوة.. أضرار تتجاوز الطرق
في إقليم شيشاوة، اتخذت الفيضانات التي شهدتها
المنطقة يوم السبت 10 تشرين الأول/ أكتوبر منحى أكثر مأساوية؛ بعدما رصدت "عربي21"
وفاة أربعة أشخاص، بينهم طفلة تبلغ نحو عامين، وشابة في العشرين، وقاصران يبلغان
15 عاما. كما سجّلت مناطق متفرقة أضرارا طالت مساكن ومنشآت عمومية وطرقا وجسورا، فضلا
عن نفوق مواش وانجراف مركبات.
وشملت الأضرار جماعات أمزوضة وسيدي محمد دليل
وإدويران وسيدي غانم والزاوية النحلية. ففي منطقة آيت هادي، جرفت المياه جسرا على وادي
بوعنفر، وانقطعت الطريق الإقليمية التي تربط نزالة بسيدي محمد دليل. كما تضرر مقر جماعة
سيدي محمد دليل، فيما طالت الأضرار مساكن ومسجدا ومركزا صحيا كان قيد الإنشاء بدوار
السعيدات.
وفي قرية أكاوز، جرفت السيول جسرا، وسجّلت أضرار
في الطرق بمحيط سيدي غانم، بينما تأثرت مساكن في دواوير تابعة لإدويران، بينها المحاجات
والمسافور وتيخشت وتمازيرت. كما أبلغ عن أضرار في منازل بمناطق أمزوضة والزاوية النحلية،
ونفوق رؤوس من الماشية.
وفي مدينة إمنتانوت والمناطق الجبلية المحيطة
بها، شهدت المنطقة ليلة السبت تساقطات رعدية غزيرة تسببت في سيول غمرت عددا من المسالك،
وأعاقت حركة السير، من دون تسجيل خسائر بشرية في هذه المناطق، وفق المعطيات المتاحة.
وسجل وادي إمنتانوت ارتفاعا في منسوب المياه،
ما أثار مخاوف السكان المجاورين لمجراه، بالتزامن مع نشرة إنذارية برتقالية أصدرتها
المديرية العامة للأرصاد الجوية بشأن اضطرابات جوية شملت إقليم شيشاوة ومناطق مجاورة.
وعلى إثر ذلك، رفعت السلطات المحلية وعناصر الوقاية
المدنية مستوى التأهب، مع تكثيف مراقبة النقاط الطرقية المهددة بالفيضانات والتحذير
من عبورها. ورغم استمرار التدخلات لمواجهة آثار التساقطات، ظلت حركة التنقل في بعض
المسالك الرابطة بين مركز إمنتانوت والدواوير المجاورة متأثرة، وسط ترقب السكان والفلاحين
لاحتمال تجدد الأمطار وارتفاع منسوب المياه.
وتدخلت عناصر الوقاية المدنية والدرك الملكي
والقوات المساعدة والسلطات المحلية والترابية، بمشاركة السكان، لإجلاء أسر وفتح طرق
وإزالة الأوحال والأحجار. لكن حجم الأضرار المسجلة يثير ضرورة التمييز بين التدخل العاجل
لإنقاذ الأرواح وتأمين المناطق المتضررة، وبين العمل طويل الأمد الذي يتطلب تقييما
للبنية التحتية، وتحديد المنشآت الأكثر عرضة للانجراف، ومعرفة ما إذا كانت الإصلاحات
السابقة قد راعت مخاطر السيول.
وفي إقليم زاكورة، أوردت المعطيات وفاة عامل
في قطاع المناجم بعدما جرفت السيول مركبة تابعة للشركة التي يعمل بها قرب وادي آيت
حماد بمنطقة آيت أحمد. كما سجلت حوادث أخرى مرتبطة بالفيضانات في مناطق مختلفة، بينها
انقلاب شاحنة على طريق شيشاوة، وجرف المياه حافلة من دون تسجيل وفيات بين ركابها، وفق
المعلومات التي وصلت "عربي21".
طرق مقطوعة.. المسافة إلى المدرسة والمستشفى
أطول
في إقليم الحوز، تسبّبت السيول والانجرافات الصخرية
في انقطاع عدد من الطرق والمسالك، بينها مقاطع من الطريق الوطنية رقم 7 الرابطة بين
مراكش وتارودانت، وطرق جهوية وإقليمية تربط جماعات ودواوير متفرقة. وشملت الأضرار مقاطع
في محيط أوريكة وأويركان وأسني، إلى جانب مسالك قروية في مناطق أخرى من الإقليم، حيث
أعاقت المياه والأوحال والأحجار حركة التنقل.
وأعلنت السلطات الإقليمية بالحوز، الأحد، إعادة
فتح عدد من الطرق والمسالك المتضررة بتنسيق مع مصالح التجهيز والجماعات الترابية، مضيفة
وفق قصاصة لوكالة
المغرب العربي للأنباء، أن الأشغال تتواصل لإزالة الأتربة والأحجار
من الطريق الإقليمية رقم 2030 الرابطة بين أسني وإمليل، فيما لم تتضمن المعطيات الرسمية
توضيحات بخصوص وضعية المسالك المؤدية إلى الدواوير التي تحدث سكانها عن استمرار عزلتها،
خاصة بإيجوكاك وتزارت.
أيضا، امتدت آثار الانقطاع إلى دواوير في جماعة
إجوكاك، بينها أتكّي وإنمزال وأنكزدام وتكنطافين وآيت أيوب، وفق المعطيات الواردة بخصوص
الأضرار. وفي مناطق أخرى، حالت السيول دون عبور تلاميذ إلى مدارسهم، بعدما قطعت المياه
مسالك تعبر مجاري الأودية، من بينها مسلك في إغيرفروان يرتبط بعبور وادي الحجر.
إلى ذلك، لا يتوقف أثر هذه الانقطاعات عند تأخر
رحلة أو تعطل حركة المركبات؛ فالطريق في المناطق القروية تعتبر حلقة تصل السكان بالمدرسة
والمركز الصحي والسوق ومصادر العمل. وحين تنقطع، تتعطل معها مصالح يومية، ويصبح الوصول
إلى الخدمات مرتبطا بظروف الطقس وبسرعة تدخل فرق إعادة فتح المسالك.
خمس سنوات من الوعود.. ماذا تغيّر في القرى؟
في بلد تشكّل فيه التنمية القروية وفك العزلة
عن التجمعات السكنية البعيدة أحد الملفات المتكررة في النقاش العام والبرامج الانتخابية،
بات التعبير عن الحاجة إلى طرق أفضل وخدمات أقرب لا ينطلق من أزمة موسمية وحدها؛ إذ
ترتبط هذه المطالب بقدرة السكان على الوصول إلى المدرسة والمستوصف والأسواق، وبمدى
انتظام هذه الخدمات حتى عندما تتغير الظروف الجوية.
وفيما يكتسب ملف النقل المدرسي أهمية في هذا
السياق. دعت النقابة الوطنية للتعليم إلى إحداث وكالة وطنية للنقل المدرسي تابعة للدولة،
مستندة إلى ملاحظات بشأن الحكامة والمراقبة وشفافية الدعم العمومي. ومع تعذر وصول تلاميذ
في بعض المناطق إلى مدارسهم بسبب انقطاع المسالك، يتقاطع النقاش حول تدبير النقل المدرسي
مع سؤال أوسع: كيف يمكن ضمان استمرارية التعليم في المناطق التي تتأثر طرقها بالسيول،
وما البدائل المتاحة عندما يصبح المسلك المعتاد غير قابل للعبور؟
ولا يكفي وفقا للنقابة، الاكتفاء بتسجيل غياب
التلاميذ أو تعذر وصولهم؛ إذ يتطلب تقييم الأثر معرفة عدد المؤسسات والتلاميذ المتضررين،
ومدة الانقطاع، ومدى توفر مسارات بديلة أو حلول مؤقتة.
ورصدت "عربي21" عددا من المنشورات
على مواقع التواصل الاجتماعي ومقاطع فيديو نشرها صناع محتوى ومؤثرون، عبّر أصحابها
عن غضبهم من تكرار معاناة سكان القرى مع كل موسم مطري، معتبرين أن مشاهد العزلة وانقطاع
الطرق والأضرار التي تطال السكان تعود إلى الواجهة من دون حلول تنهي أسبابها.
واستحضرت بعض هذه المنشورات الانتخابات التشريعية
الأخيرة، مشيرة إلى المفارقة بين حضور المناطق القروية في الحملات الانتخابية واستمرار
معاناة سكانها مع ضعف البنية التحتية وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية.
ومع أولى التساقطات المطرية القوية، عاد هذا
التناقض إلى الواجهة، لتطرح ردود الفعل التي رصدتها "عربي21" سؤالا عن مصير
الوعود الانتخابية المتعلقة بفكّ العزلة والتنمية القروية، ومدى انعكاسها على حياة
السكان بعيدا عن مواسم الاقتراع.
الإنذار المبكر.. هل تكفي معرفة الخطر؟
المديرية العامة للأرصاد الجوية كانت قد أصدرت
نشرات تحذيرية بشأن زخات رعدية محليا قوية، بكميات تراوحت في بعض المناطق بين 20 و30
مليمترا، وشملت النشرات عددا من الأقاليم، من بينها الحوز وشيشاوة وطاطا.
ونبّه المسؤول عن التواصل بالمديرية، الحسين
يوعابد، إلى أن الزخات الرعدية قد تتسبب في جريان سريع للمياه، خصوصا قرب الأودية والمجاري
المائية والمناطق المنخفضة.
وتشكّل التنبؤات الجوية والإنذارات المبكرة جزءا
من منظومة تدبير المخاطر، غير أن صدور التحذيرات لا يكفي وحده لحماية السكان؛ إذ تتوقف
الاستفادة منها أيضا على وضوح التعليمات، وسرعة التدخل، ومدى جاهزية البنية التحتية
لمواجهة السيول. وقد عبّرت منشورات رصدتها "عربي21" عن استياء أصحابها من
تكرار الأضرار والعزلة مع كل موسم مطري، بما يفتح النقاش حول ما إذا كانت التدابير
الوقائية تصل إلى المناطق الأكثر عرضة للخطر.
اظهار أخبار متعلقة
كما أن التحذير من التساقطات لا يعالج وحده هشاشة
منشأة أو طريق، ولا يضمن استمرار الوصول إلى المدارس والمراكز الصحية. تضيف المنشورات
ذاتها، التي أعربت عن الاستياء من تكرار نفس الحوادث بشكل سنوي.
وتتضمن المعطيات المتاحة خلفية عن إرساء منظومة
مغربية للإنذار المبكر وتدبير مخاطر الكوارث منذ عام 2003، بعد فيضانات عام 1995، إلى
جانب صندوق لتدبير مخاطر الكوارث يمول مشاريع للوقاية. كما أشارت إلى تقييم للفترة
الممتدة بين 2016 و2026 ومشاورات بشأن توسيع أجهزة الإنذار.
غير أن وجود هذه الآليات، وفقا لما رصدته
"عربي21" لا يكفي، للحكم على مدى فعاليتها في القرى المتضررة.
وفي سياق الاستعداد للتدخل، أظهرت معطيات صفقة
للمديرية العامة للوقاية المدنية، تحمل الرقم 57/DGPC/2026،
تخص حاويات للاستجابة للفيضانات، أن المشروع يشمل وحدات للوقاية المدنية في تسع جهات،
إلى جانب الوحدة الوطنية المتنقلة للتدخل في سلا. وقدرت الكلفة الأولية للصفقة بنحو
58.08 مليون درهم، فيما لا تتضمن المعطيات المتاحة قيمة نهائية مؤكدة للصفقة.
إلى ذلك، بين الاستجابة العاجلة للأضرار والحاجة
إلى بنية تحتية قادرة على الصمود، يبقى فك العزلة أكثر من وعد انتخابي أو مشروع يُعلن
عنه بعد كارثة؛ إنه شرط لوصول التلاميذ إلى مدارسهم، والمرضى إلى المستشفيات، ولتمكّن
السكان من ممارسة حياتهم من دون أن تتحول الأمطار إلى تهديد يومي.
ومع انطلاق موسم جديد للتساقطات، يعود السؤال
الذي لم تجب عنه السيول وحدها: كم من هذه الوعود تحوّل فعلا إلى طرق آمنة، وكم قرية
ما زالت تنتظر أن تنتهي عزلتها؟