بعد فاجعة جيبوتي.. ما أبعاد نزيف الهجرة غير النظامية عبر البحر الأحمر؟

وفاة 139 مهاجرا إثر غرق قارب مكتظ بالركاب قبالة سواحل جيبوتي أثناء توجهه إلى اليمن- الأمم المتحدة
وفاة 139 مهاجرا إثر غرق قارب مكتظ بالركاب قبالة سواحل جيبوتي أثناء توجهه إلى اليمن- الأمم المتحدة
شارك الخبر
تتكرر المآسي الإنسانية على الشريط الساحلي لشرق أفريقيا لتكشف كل مرة عن عمق الأزمة الهيكلية التي تعاني منها دول منطقة القرن الأفريقي.

وتأتي الفاجعة الجديدة قبالة جيبوتي لتؤكد مجددا مخاطر نزيف الهجرة غير النظامية عبر البحر الأحمر، حيث تجبر الأزمات الاقتصادية والنزاعات المسلحة القطاع الأوسع من الشباب إلى الهجرة عبر رحلات محفوفة بالمخاطر.

ويمتد هذا المسار من مرتفعات إثيوبيا وسهول الصومال مرورا بأراضي جيبوتي، ليبرز كأحد أكثر خطوط الهجرة خطورة واكتظاظا على مستوى العالم، حيث تتقاطع فيه مطامع عصابات التهريب مع انعدام الفرص في مجتمعات المصدر.

تفاصيل فاجعة سواحل جيبوتي

أعلن أمس عن وفاة 139 مهاجرا على الأقل إثر غرق قارب مكتظ بالركاب قبالة سواحل جيبوتي أثناء توجهه إلى اليمن، وفق ما أفادت المنظمة الدولية للهجرة.

وقالت المنظمة استنادا إلى شهادات ناجين إن القارب كان يحمل 305 ركاب معظمهم من إثيوبيا حين انقلب شمال ساحل مدينة أبوك في جيبوتي.

وقال رئيس بعثة المنظمة في جيبوتي ألكسندر كواساك "إنها خسارة مروعة في الأرواح، قلوبنا مع الناجين والعائلات التي فقدت أحباءها أو لا تزال تجهل مصير أقاربها".

وبدأت تفاصيل الفاجعة الأخيرة مع انطلاق مركب خشبي متهالك يستخدم عادة لنقل البضائع الخفيفة، بعد أن تكدست في داخله أعداد هائلة من المهاجرين تجاوزت بأضعاف حمولته الآمنة.

ومع اضطراب حركة الأمواج وسوء الأحوال الجوية في عرض البحر، فقد القارب توازنه وانقلب متسببا في مصرع وفقدان عشرات المهاجرين.

وقد أظهرت عمليات الاستجابة التي نفذتها فرق خفر السواحل والجهات الإغاثية صعوبة بالغة في انتشال الناجين أو الوصول إلى الجثامين، نظرا لاتساع رقعة الحادثة وشدة التيارات البحرية في الممر المائي الفاصل بين جيبوتي واليمن. 

وتكشف هذه الحوادث المتكررة عن النمط التشغيلي لشبكات التهريب، التي تعتمد على الزوارق المكشوفة وتفتقر لأدنى مقومات السلامة والأمان، بهدف زيادة أرباحها المالية دون أدنى اعتبار لأرواح المهاجرين.

اظهار أخبار متعلقة



مسار تدفق المهاجرين 

ظلت السواحل الجيبوتية المنطلق الرئيسي لغالبية المهاجرين بنسبة بلغت 63% من إجمالي الوافدين الذين استهدفت رحلاتهم شواطئ تعز وأبين بالدرجة الأولى.

وفي المقابل، سلك 33% من المهاجرين المسار الصومالي وصولا إلى سواحل محافظة شبوة، بينما لم تتجاوز التدفقات القادمة عبر الحدود المتاخمة لسلطنة عُمان نسبة 4%.

ومثل الرجال النسبة الأكبر بـ 63% من مجموع المهاجرين، فيما توزعت النسب المتبقية بين النساء بـ 18% والأطفال بـ 19%، وهو ما يبرز حجم المخاطر المضاعفة التي تحيط بالفئات الأشد ضعفا على امتداد خطوط التهريب.

وشهدت حركة الهجرة غير النظامية الوافدة إلى اليمن تراجعا نسبيا خلال شهر أغسطس 2026، حيث رصدت بيانات المنظمة الدولية للهجرة دخول 11 ألفا و397 مهاجرا، بانخفاض بلغت نسبته 17% مقارنة بشهر يوليو الذي سبقه، والذي سجل عبور 13 ألفا و687 مهاجرا.

اضطرابات أمنية ونزاعات مسلحة 

لا يمكن فصل هذا التدفق البشري المستمر عبر خليج عدن والبحر الأحمر عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية في دول القرن الإفريقي، حيث تشكل بطالة الشباب والتضخم المرتفع وإخفاق الخطط التنموية محركات رئيسية تجعل من خيار البقاء في الوطن أمرا شبه مستحيل لقطاعات واسعة من السكان.

وتتضاعف هذه الضغوط الاقتصادية بفعل الاضطرابات الأمنية والنزاعات المسلحة التي تشهدها المنطقة، فضلا عن التبعات القاسية للتغيرات المناخية، مثل موجات الجفاف الشديدة التي ضربت قطاعات الزراعة والرعي ودمرت مصادر العيش التقليدية. 

وأسفرت الصراعات المسلحة المتتالية، سواء الحرب الأهلية في السودان أو الاضطرابات الأمنية والقبلية في إثيوبيا والصومال، عن تشريد ملايين البشر وتدمير سبل العيش كالزراعة والرعي.

كما تعرضت أجزاء واسعة من القرن الإفريقي لموجات جفاف غير مسبوقة على مدار السنوات الأخيرة، مما أدى إلى تلف المحاصيل ونفوق الملايين من رؤوس الثروة الحيوانية، ودفع مجتمعات ريفية كاملة إلى النزوح نحو المدن أو التفكير الجدي في الهجرة الخارجية هربا من شبح المجاعة.

وتنجح شبكات الجريمة المنظمة في ترويج سرديات حول سهولة الحصول على ثروات طائلة في دول الخليج العربي بمجرد الوصول إلى هناك.

ويرى الصحفي المتابع للشأن الأفريقي محمد الأمين عبدوتي أن هذه التحديات المركبة تعد الدفاع الرئيس لآلاف الشباب في القرن الأفريقي للهجرة عبر رحلات شديدة الخطورة في البحر الأحمر.

وأشار في تصريح لـ"عربي21" إلى أن الظروف الاقتصادية والأمنية بالمنطقة خصوصا في دول القرن الأفريقي فاقتمها أزمة الشرق الأوسط الناجمة عن تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية، وهو ما انعكس في موجات الهجرة غير النظامية عبر رحلات محفوفة بالمخاطر.

جحيم البر قبل مخاطر البحر

قبل أن يستقل المهاجرون قوارب الموت قبالة جيبوتي، يقطع معظمهم مسافات شاقة تتجاوز مئات الكيلومترات سيرا على الأقدام عبر المناطق الصحراوية والجبلية الوعرة.

وخلال هذه الرحلة البرية، يخضع المهاجرون لسيطرة شبكات منظمة للاتجار بالبشر تمارس ضدهم مختلف أشكال الابتزاز، بدءا من الاحتجاز القسري في نقاط تجميع سرية، ووصولا إلى مطالبة ذويهم بفدى مالية باهظة تحت تهديد السلاح.

ولا تتوقف هذه المعاناة لمن ينجح في العبور إلى الضفة الأخرى؛ إذ يواجه العابرون إلى الشواطئ اليمنية بيئة محفوفة بالمخاطر الأمنية المعقدة في ظل استمرار الصراع المسلح هناك، حيث تتقاطع مسارات المهاجرين مع مناطق المواجهات العسكرية، مما يحول رحلتهم إلى تجربة احتجاز واستغلال مستمر قبل الوصول إلى وجهاتهم النهائية.

اظهار أخبار متعلقة



انسداد الحلول والمعالجة الأمنية

ويكشف تكرار هذه الحوادث المأساوية  - وفق متابعين - عن عجز المقاربات التقليدية القائمة على الاقتصار على الحلول الأمنية وتكثيف الدوريات الساحلية. 

وتقتصر أغلب التدابير الحكومية في دول الممر على تشديد الرقابة الحدودية وملاحقة المهربين محليا، دون معالجة الأسباب الجذرية المتمثلة في الفقر والبطالة والنزاعات.

وفي هذا السياق يؤكد محمد الأمين عبدوتي في حديثه لـ"عربي21" أن الملاحقات الأمنية لشبكات التهريب، رغم أهميتها، تظل غير كافية لإيقاف تدفق الراغبين في العبور ما لم تقترن بإستراتيجيات تنموية واقتصادية شاملة تعالج جذور الأزمة في بلدانهم الأصلية.

ولفت إلى أن مواجهة شبكات الجريمة المنظمة العابرة للقارات تتطلب تعاونا استخباراتيا وميدانيا وثيقا بين دول المصدر (القرن الإفريقي)، ودول العبور (جيبوتي واليمن)، ودول المقصد ومن أبرزها دول الخليج.

ووفق مراقبين يتطلب الحد من نزيف الأرواح عبر "الممر الشرقي" تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لتفكيك شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بالتوازي مع ضخ استثمارات تنموية توفر فرص عمل حقيقية وتدعم استقرار المجتمعات المحلية في القرن الإفريقي، لتحويل المنطقة من بيئة طاردة لأبنائها إلى مساحة تضمن لهم العيش الكريم.
التعليقات (0)

خبر عاجل