رغم خسارة زعيم
حزب الخضر البريطاني، زاك بولانسكي، سباق الفوز بمقعد
هولبورن وسانت بانكراس، الذي شغر باستقالة رئيس الوزراء السابق كير ستارمر من عضوية
البرلمان، فإن نتيجة الانتخابات أظهرت قدرة الحزب على منافسة العمال بقوة في دائرة
ظلت معقلًا له منذ عام 1983، وسط جدل بشأن تأثير قرار الخضر الأخير المتعلق بالصهيونية
وإسرائيل في خيارات الناخبين، ولا سيما المسلمين منهم.
وفازت مرشحة
حزب العمال، ساغال عبد الولي بالمقعد، بعدما حصلت على نحو
12.3 ألف صوت، مقابل قرابة 8.9 آلاف صوت لبولانسكي، بفارق بلغ 3364 صوتًا. ورغم عدم
تمكن الخضر من انتزاع المقعد، فإنهم حصدوا آلاف الأصوات في دائرة عمالية تاريخية، في
مؤشر على تزايد الاقبال على التصويت للحزب عقب قراره اعتبار الصهيونية حركة عنصرية
خاصة بين الشباب والمسلمين بحسب حملة " الصوت المسلم".
وقالت صحيفة "الغارديان" أن بولانسكي قد يشعر بالارتياح، ولو
سرًا، لأن النتيجة لم تُظهر انهيارًا واضحًا في قاعدة ناخبي الخضر، رغم الجدل الذي
أعقب تبني الحزب قرارا بشأن اعتبار الصهيونية حركة عنصرية في مؤتمره السنوي مطلع أكتوبر/تشرين
الأول الجاري.
واعتمد أعضاء المؤتمر قرارًا يصف الصهيونية بأنها شكل من أشكال العنصرية،
ويدعو إلى استبدال إسرائيل بدولة فلسطينية واحدة. وأثار القرار خلافات داخل الحزب،
إذ عارضه علنًا أربعة من نوابه الخمسة، فيما نأى عدد من أعضاء المجالس المحلية بأنفسهم
عنه.
ومع تزامن خسارة بولانسكي مع الجدل بشأن القرار، لا توجد أدلة كافية لإثبات
وجود علاقة سببية مباشرة بينهما، وعلى العكس، يرى مراقبون أن مواقف الحزب من القضية
الفلسطينية ربما عززت جاذبيته لدى بعض الناخبين، بمن فيهم مسلمون وشباب، وإن لم تكن
كافية لقلب نتيجة الانتخابات.
ووفقا لحملة الصوت المسلم ، فقد حـظي بولانسكي بدعم أكبر من الناخبين
المسلمين تحديدا جراء موقفه الواضح والصارم إزاء دعم القضية الفلسطينية، وأكدت الحملة
زيادة ا قبال الشباب عموما والمسلمين خصوصا على التصويت لبولانسكي بعد قرار الخضر الأخير.
استطلاعات الرأي: الخضر عند 11%
ولا تشير استطلاعات الرأي المتاحة إلى تراجع فوري في التأييد الوطني لحزب
الخضر عقب القرار، على عكس التوقعات التي زعمت بأن الخضر سيدفعون ثمن قرارهم بالخصم
من خزانهم الانتخابي، فقد حافظ الحزب على نسبة 11بالمئة في استطلاع أجرته مؤسسة "يوغوف"
لصالح صحيفتي "التايمز" وقناة "سكاي نيوز" يومي 4 و5 تشرين
الأول/أكتوبر، ونُشرت نتائجه في السادس من الشهر نفسه، وهي النسبة ذاتها التي سجلها في الاستطلاع
السابق.
وفي قراءتها لنتيجة الانتخابات، أشارت صحيفة "الغارديان" إلى
أن نسبة المشاركة المنخفضة، التي بلغت 38.7 بالمئة، والأغلبية التي حصلت عليها عبد الولي
بفارق 3364 صوتًا، لا تمثلان بالضرورة تفويضًا شعبيًا واسعًا للحكومة، ولا عزوفا عن
الخضر، لكنها تشير إلى بعض التحسن في وضع حزب العمال عقب تولي آندي بيرنهام رئاسة الحكومة.
كيف صوّت المسلمون؟
لا تتوافر إحصاءات رسمية تكشف كيفية تصويت المسلمين في الانتخابات، إذ
لا تتضمن النتائج الانتخابية المعتادة بيانات عن الدين أو الخلفية الإثنية للناخبين.
لذلك لا يمكن تحديد عدد المسلمين الذين صوتوا للخضر أو العمال، ولا قياس حجم التحول
بين الحزبين استنادًا إلى النتائج وحدها.
ومع ذلك، برز الناخبون المسلمون بوصفهم إحدى الفئات التي سعى الحزبان
إلى استقطابها. وتضم الدائرة مجتمعات مسلمة متنوعة، بينها جاليات بنغلاديشية وصومالية
وعربية، ويشكل المسلمون نحو 20% من سكانها، وفق بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية.
وبحسب صحيفة "ذا ناشيونال"، ركز الخضر في حملتهم على القضية
الفلسطينية، واستخدموا منشورات انتخابية تضمنت تأييدًا من حملة "الصوت المسلم"،
إلى جانب شعارات باللغتين البنغالية والصومالية. كما ظهر بولانسكي في زيارات ميدانية
إلى متاجر ومناطق سكنية تضم أبناء الجالية الصومالية، حيث تحدث أنصاره مع السكان عن
فلسطين وأداء حزب العمال.
وفي المقابل، سعت مرشحة العمال، ساغال عبد الولي، إلى استقطاب أبناء الجالية
الصومالية، مستفيدة من خلفيتها الشخصية؛ فهي صومالية مسلمة وصلت إلى
بريطانيا لاجئة،
وتتولى رئاسة مجلس كامدن المحلي. كما ركزت حملتها على قضايا الخدمات المحلية والفيضانات
ومحاسبة شركة المياه Thames Water عن فيضانات تسبب بخسائر للمدينة،
ودعم نقلها إلى الملكية العامة.
ونقلت "ذا ناشيونال" عن فاطمة الجمعة، صاحبة مطعم يقدم الطعام
الصومالي في المنطقة، أنها لا تزال تؤيد العمال ومرشحتهم، لكنها أزالت ملصقات الحزب
من واجهة مطعمها بعدما لاحظت أن وجودها أثّر في إقبال بعض الزبائن، مشيرة إلى أن بولانسكي
زار مطعمها عدة مرات والتقى رواده.
ماذا تعني النتيجة بالنسبة إلى أصوات المسلمين؟
وحول هذا الجدل نشر موقع "Hyphen "المختص في شؤون الجالية المسلمة، تقريرا حاول فيه تلمس شكل تصويت المسلمين
في الدائرة،وانتهى لعدم إمكانية قياس أصوات المسلمين بشكل موثق، لكنه قدم مؤشرات على
أن الهوية الدينية والتمثيل الشخصي لا يكفيان وحدهما لضمان الأصوات، وأن مواقف الأحزاب
من فلسطين تؤثر في خيارات بعض الناخبين.
كما نقل التقرير عن سلطانة أختر، مؤسسة مجموعة "صوت النساء المسلمات
في كامدن"، أن نحو 40 امرأة شاركن في لقاء مع بولانسكي، وطرحن أسئلة عن الخدمات
المحلية ومواقفه من الصهيونية.
ونقل التقرير آراء متباينة بشأن الحزبين، فبينما قد يرى بعض الناخبين
في عبد الولي ممثلة أقرب إليهم من حيث الخلفية الدينية والإثنية، قد يفضل آخرون الخضر
بسبب مواقفهم من فلسطين أو سياساتهم المتعلقة بالسكن والخدمات المحلية ولا يوجد موقف
انتخابي موحد للمسلمين بحسب التقرير.
التكريتي: النتيجة إنجاز للخضر رغم الخسارة
وفي حديث خاص لـ "عربي21"، رأى الدكتور أنس التكريتي عضو
"حملة الصوت المسلم" أن قرار الخضر المتعلق بالصهيونية قد أسهم في جذب مزيد
من الشباب والمسلمين إلى الحزب، لكنه لم يكن كافيًا لقلب النتيجة والفوز بالمقعد. واعتبر
أن أثره الأبرز تمثل في تقليص الفارق بين الخضر والعمال.
وقال التكريتي إن الخضر واجهوا منافسة صعبة، في ظل ما وصفه بالدفعة المعنوية
التي حصل عليها حزب العمال عقب الإصلاحات التي أعلنها رئيس الوزراء آندي بيرنهام، إلى
جانب مواقف القيادة العمالية الجديدة خلال الأسابيع السابقة، ولا سيما ما يتعلق بالقضية
الفلسطينية وتصريحات وزير الخارجية إد ميليباند بشأن المستوطنات غير القانونية في الضفة
الغربية وغزة والقضية الفلسطينية عموما.
وأضاف أن هذه التطورات ربما دفعت بعض المسلمين الذين اعتادوا التصويت
للعمال إلى البقاء مع الحزب، خصوصًا أن مرشحته في الدائرة مسلمة صومالية محجبة. ورأى
أن الخضر حققوا نتيجة جيدة جدا بالنظر إلى صعوبة المنافسة، وأن تقليص الفارق مع العمال
يُحسب لهم، رغم عدم تمكنهم من الفوز بالمقعد.
وأشار التكريتي إلى أن المسلمين في المنطقة لم يصوتوا بوصفهم كتلة واحدة،
وأكد بأن حملة "الصوت المسلم" دعت إلى دعم بولانسكي بسبب مواقفه ومواقف حزبه
من القضية الفلسطينية، داعيًا الخضر إلى دراسة النتيجة وتقييم تداعيات قرارهم الأخير
بشأن الصهيونية.
.هل كانت الخسارة انتكاسة لبولانسكي؟
لا يعني احتفاظ حزب العمال بمقعد هولبورن وسانت بانكراس بالضرورة أن الخضر
أخفقوا في تعزيز موقعهم السياسي؛ فالحزب تمكن من منافسة العمال في دائرة
من معاقلهم ارتبطت بهم منذ عام 1983، وحصل على قرابة تسعة آلاف صوت، كما أن زعيم
حزب الإصلاح نايجل فراج على سبيل المثال، احتاج لثمان محاولات قبل الوصول للبرلمان،
فيما تعد إحصاءات ونتيجة محاولة بولانسكي قفزة متقدمة جدا بالمقارنة مع فراج.
وعقب إعلان النتيجة، أكد بولانسكي عزمه على البقاء زعيمًا لحزب الخضر،
قائلًا: "بالتأكيد، هذا ما يفعله القادة". وكان ترشحه في دائرة شمال لندن،
بدلًا من منطقة شرق لندن التي يقيم فيها، قد أثار تساؤلات داخل الحزب، فيما استشهد
حلفاؤه كذلك بتجربة زعيم حزب الإصلاح البريطاني نايجل فراج الذي احتاج إلى ثماني محاولات
قبل أن يصبح عضوًا في البرلمان.
وترى "الغارديان" في تقرير تحليلي للانتخابات الأخير بأن النتيجة
لا تضع بولانسكي بالضرورة تحت ضغط كبير، إذ كان سيناريو انهيار تصويت الخضر سيجعله
في موقف أصعب، بينما تتيح له النتيجة الحالية العمل على طمأنة منتقديه داخل الحزب والاستعداد
لإعادة انتخابه وفق نظام القيادة المعمول به.
وبين ثبات التأييد الوطني للخضر عند 11 بالمئة في استطلاع "يوغوف"،
وحصولهم على قرابة تسعة آلاف صوت في هولبورن وسانت بانكراس، تبقى الخلاصة أن الحزب
حافظ على حضوره الانتخابي رغم الجدل الداخلي، كما حصد مزيدا من أصوات الشباب والمسلمين
جراء مواقفه الواضحة من القضية الفلسطينية، وتحديدا قراره الأخير باعتبار الصهيونية
حركة عنصرية بحسب حملة الصوت المسلم.

د- أنس التكريتي - عضو حملة " الصوت المسلم"