العنف يقتحم مدارس تركيا.. من الطعن إلى إطلاق النار

الطعن وإطلاق النار يهزان مدارس تركيا.. أسلحة في متناول القاصرين وإشارات تسبق الهجمات - الأناضول
الطعن وإطلاق النار يهزان مدارس تركيا.. أسلحة في متناول القاصرين وإشارات تسبق الهجمات - الأناضول
شارك الخبر
لم تعد حوادث العنف داخل المدارس التركية وقائع معزولة، بعدما شهدت البلاد خلال الأشهر الماضية سلسلة من عمليات إطلاق النار والطعن تورط فيها طلاب ومراهقون، كان أحدثها حادث الطعن الذي وقع في مدرسة بمنطقة باشاك شهير في إسطنبول الثلاثاء٬ وأسفر عن وفاة طالب يبلغ من العمر 10 سنوات وإصابة سبعة آخرين، فيما ألقت السلطات القبض على مشتبه به يبلغ من العمر 15 عاما ويدرس في مدرسة ثانوية بمنطقة كوتشوك تشكمجة.

ويعيد تكرار هذه الحوادث طرح أسئلة حول أسباب تصاعد العنف بين الطلاب، وكيف يتمكن قاصرون من الوصول إلى الأسلحة والأدوات الحادة، وما إذا كانت هناك مؤشرات تسبق وقوع مثل هذه الجرائم ويمكن للمدارس والأسر رصدها في وقت مبكر.

باشاك شهير..وفاة طالب

وقعت حادثة الطعن صباح الثلاثاء داخل مدرسة الشيخ شامل إمام خطيب المتوسطة في باشاك شهير، عندما نشب شجار بين طلاب المدرسة وطالب في الصف العاشر من مدرسة أخرى.

وأسفرت الواقعة عن إصابة ثمانية طلاب، نقلوا إلى المستشفيات لتلقي العلاج، قبل أن تعلن وزارة التربية الوطنية وفاة أحدهم متأثرا بجروحه. كما ألقت الشرطة القبض على المشتبه به الذي حددت هويته بأنه طالب في الصف العاشر في مدرسة بمنطقة كوتشوك تشكمجة.

وأعلنت وزارة التربية تعليق الدراسة في المدرسة لمدة يومين، بالتزامن مع فتح تحقيق قضائي وإداري، وإرسال وفد من الوزارة إلى إسطنبول، وتكليف مفتشين بفحص الحادث، إلى جانب بدء برامج للدعم النفسي والاجتماعي للطلاب والمعلمين وأولياء الأمور المتضررين.


إطلاق نار وطعن.. سلسلة حوادث 2026

وقبل حادثة باشاك شهير بأسابيع، شهدت ولاية مانيسا غربي تركيا واقعة إطلاق نار أمام مدرسة ثانوية، بعدما أطلق طالب يبلغ 15 عاما النار عشوائيا باستخدام بندقية صيد، ما أدى إلى إصابة 11 طالبا، بينهم مصابون بجروح خطيرة.

وأوقفت السلطات الطالب، إلى جانب والديه وجده الذي تعود إليه ملكية السلاح المستخدم في الحادثة.

وكان شهر نيسان/أبريل قد شهد بدوره حادثتين داميتين في جنوب تركيا، إذ اقتحم طالب في الصف الثامن مدرسة في كهرمان مرعش مستخدما أسلحة نارية تعود إلى والده، وهو شرطي سابق، ما أدى إلى مقتل تسعة أشخاص، بينهم ثمانية أطفال ومعلمة، وإصابة 13 آخرين.

اظهار أخبار متعلقة



وفي حادث آخر بولاية شانلي أورفا، أطلق طالب سابق النار داخل مدرسة باستخدام بندقية صيد، ما أدى إلى إصابة 16 شخصا قبل أن ينهي حياته في موقع الحادث. وأثارت الواقعتان المتتاليتان صدمة واسعة ومخاوف متزايدة بشأن أمن المدارس في تركيا.



كيف تصل الأسلحة إلى القاصرين؟

لا تقتصر المشكلة على وجود الأسلحة في المنازل، بل تمتد، وفق أكاديمي تركي، إلى البيئة الرقمية التي باتت توفر قنوات يصعب مراقبتها.

وقال عضو هيئة التدريس في كلية الاتصال بجامعة مرمرة علي مراد كيريك، في تصريحات لصحيفة «حرييت»، إن مجموعات تنشط على منصات مثل «تليغرام» تحولت إلى بؤر خطر، مشيرا إلى أنها لا تقتصر على نشر محتويات ضارة، بل قد تقدم أيضا إرشادات مرتبطة بأنشطة غير قانونية وتتيح، في بعض الحالات، الوصول إلى الأسلحة والأدوات الخطرة.

وحذر كيريك من اتساع ظاهرة حيازة الأسلحة غير المرخصة في تركيا، مستندا إلى بيانات رسمية وتقارير من المجتمع المدني، وقال إن الأبحاث الميدانية تشير إلى أن نسبة كبيرة جدا من الأسلحة الموجودة في المجتمع غير مرخصة.

ويرى الأكاديمي أن حوادث العنف الأخيرة داخل المدارس تكشف أيضا عن تراجع سن الوصول إلى السلاح، في ظل الدور الذي تؤديه المنصات الرقمية في تسهيل الوصول إلى محتويات ومجموعات يصعب إخضاعها للرقابة.

اظهار أخبار متعلقة



العنف لا يبدأ لحظة الهجوم

ولا يرى المختصون أن هذه الحوادث تنشأ بالضرورة بصورة مفاجئة، إذ تشير الاختصاصية النفسية آينور صاييم لصحيفة «حرييت» إلى مجموعة من المؤشرات التي قد تسبق السلوك العنيف، بينها مشكلات التحكم في الغضب والاكتئاب والتنمر والعزلة الاجتماعية والسلوك العدواني والرغبة في الانتقام وإتلاف الممتلكات.

وتقول صاييم إن بعض الأطفال قد يتحدثون أمام أصدقائهم، ولو بصورة جزئية، عن خططهم قبل تنفيذها، مشيرة إلى أن منفذ حادثة شانلي أورفا كان قد أعطى مؤشرات مسبقة عبر منشوراته على منصات التواصل الاجتماعي.

وتشدد المختصة على ضرورة التعامل بجدية مع هذه الإشارات، وتعزيز التعاون بين الأسر والمعلمين والأصدقاء لرصد السلوكيات التي قد تنذر بخطر وشيك.

هل تؤدي الحوادث السابقة إلى تقليد أخرى؟

تذهب صاييم إلى أن التشابه بين بعض حوادث العنف المدرسي الأخيرة يثير احتمال تأثير إحداها في الأخرى، معتبرة أن حادثة شانلي أورفا ربما شكلت عاملا محفزا لمنفذ هجوم كهرمان مرعش.

وتحذر في الوقت نفسه من أن التناول التفصيلي جدا لحوادث العنف والانتحار وتعاطي المخدرات بين الشباب، إلى جانب نشر الصور والمشاهد المرتبطة بها، قد يؤدي إلى نتائج عكسية لدى بعض الأطفال الذين يعانون أصلا من مشكلات مشابهة.

وترى أن الطفل الذي يحمل مشاعر الغضب أو الانتقام قد يميل إلى محاكاة ما شاهده، وهو ما يجعل طريقة تناول هذه الحوادث إعلاميا ومجتمعيا جزءا من النقاش حول سبل الحد من تكرارها.

اظهار أخبار متعلقة



إجراءات أمنية.. لكن هل تكفي؟

تأتي هذه الحوادث في وقت بدأت فيه الحكومة التركية تطبيق نموذج أمني جديد لحماية المدارس مع بداية العام الدراسي في أيلول/سبتمبر الماضي، ضمن بروتوكول يضم سبع وزارات ويهدف إلى توفير بيئة مدرسية أكثر أمنا.

وتشمل الإجراءات تشديد الرقابة على مداخل المدارس، وتقييد دخول الزوار وأولياء الأمور، واستخدام أجهزة الكشف عن المعادن، إلى جانب تعزيز وجود الحراس والمشرفين الأمنيين، وتصنيف المدارس وفقا لمستويات المخاطر المحيطة بها.

كما تتضمن الخطة ربط كاميرات المراقبة في عشرات الآلاف من المدارس بمركز تحكم أمني، وتحسين تأمين محيط المدارس والنقاط التي قد تشكل أماكن خطرة، فضلا عن مراقبة بعض الأنشطة الرقمية المرتبطة بالأطفال المعرضين للخطر، وتشديد الحملات الأمنية ضد الأسلحة والمخدرات في محيط المؤسسات التعليمية.

لكن تكرار الحوادث، رغم هذه الإجراءات، يعيد النقاش إلى ما هو أبعد من بوابات المدارس وكاميرات المراقبة: سهولة الوصول إلى السلاح، ودور البيئة الرقمية، والتنمر والعزلة والمشكلات النفسية، فضلا عن قدرة الأسر والمدارس على التقاط الإشارات المبكرة قبل أن تتحول إلى عنف.
التعليقات (0)