مع استعداد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين
نتنياهو للوصول إلى
نيويورك لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الخميس، تتجدد الدعوات إلى
اعتقاله على خلفية مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة
الجنائية الدولية، وسط جدل قانوني وسياسي بشأن إمكانية تنفيذ المذكرة داخل الولايات المتحدة.
وكان رئيس بلدية نيويورك، زهران
ممداني، قد تعهد خلال حملته الانتخابية العام الماضي بأنه في حال وطئت قدما نتنياهو المدينة، فإنه سيعمل على تنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، التي تتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
غير أن ممداني تراجع لاحقا عن هذا التعهد بعد توليه منصب رئيس البلدية، وقال خلال الصيف إن مدينة نيويورك لا تملك "سلطة قانونية مستقلة" لتنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، مضيفا أن نتنياهو ينبغي، من وجهة نظره، أن "يعتقل ويحاكم" من جانب الحكومة الفدرالية الأمريكية.
مواجهة مرتقبة بين نتنياهو وممداني
وبحسب تقرير نشرته منصة "كومن دريمز"، قال نتنياهو في الأيام التي سبقت زيارته المرتقبة إلى نيويورك، والتي يتوقع أن تكون قصيرة، إنه يعتزم توجيه حديثه إلى ممداني خلال كلمته أمام الجمعية العامة، متهما رئيس البلدية بدعم حركة حماس والتحريض على أعمال شغب ضد اليهود في نيويورك.
وقال نتنياهو: "أنا قادم إلى الأمم المتحدة. وسأقول الحقيقة بشأن جنودنا الأبطال، وسأقول الحقيقة عنك".
ورد ممداني، خلال مقابلة مع شبكة "سي إن إن" الثلاثاء، بالقول إنه كان واضحا بشأن رؤيته للعالم، وإنه يدين لسكان نيويورك بالصدق، مضيفا أنه وصف نتنياهو بأنه "مجرم حرب ومهندس إبادة جماعية مروعة للشعب الفلسطيني".
وفي ما يتعلق بمذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، كرر ممداني موقفه القائل إنها "شيء ينبغي احترامه"، مشيرا إلى أهمية ترسيخ الثقة في السياسة وتعزيز مبدأ المساءلة.
اظهار أخبار متعلقة
استطلاع أمريكي بشأن اعتقال نتنياهو
وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة "يوغوف" في تموز/يوليو أن 49% من الأمريكيين يرون أن على الحكومة الأمريكية اعتقال نتنياهو بموجب مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، بينما قال 27% إنه لا ينبغي اعتقاله، في حين لم يحسم 23% موقفهم.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد قال في وقت سابق من الصيف إن نتنياهو "لن يعتقل بأي شكل من الأشكال" خلال زيارته للولايات المتحدة.
وتستند إدارة ترامب، بحسب أمر تنفيذي صدر في شباط/فبراير 2025، إلى موقف يعتبر أن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك ولاية قضائية على الولايات المتحدة أو إسرائيل، باعتبار أن البلدين ليسا طرفين في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة.
وفي تقريرها، أشارت منصة "كومن دريمز" إلى رأي جيك روم، المستشار القانوني لمؤسسة هند رجب، الذي كتب في مقال نشرته مجلة "ذا نيشن" أن مذكرة المحكمة الجنائية الدولية ليست الأداة القانونية الوحيدة التي يمكن للولايات المتحدة استخدامها لمساءلة نتنياهو، حتى في حال تعذر تنفيذ مذكرة التوقيف على الأراضي الأمريكية.
وأشار روم إلى وجود قانونين جنائيين فدراليين أمريكيين، هما قانون جرائم الحرب وقانون الإبادة الجماعية، وقال إنهما يدمجان في القانون الأمريكي أحكاما مستمدة من صكوك دولية، بينها اتفاقيات جنيف المتعلقة بقوانين الحرب واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
وبحسب روم، يمنح القانونان الولايات المتحدة صلاحية النظر في مزاعم تتعلق بارتكاب جرائم حرب أو إبادة جماعية "بغض النظر عن مكان ارتكاب الجرائم"، في حالات يكون فيها المشتبه به موجودا فعليا داخل الولايات المتحدة، أو عندما تكون الجرائم قد ارتكبت بحق مواطنين أمريكيين.
وأقر روم بأن نتنياهو يتمتع بحماية من الاعتقال خلال زيارته الرسمية للأمم المتحدة، وأن رؤساء الحكومات الذين يشغلون مناصبهم يتمتعون عموما بحصانة أمام المحاكم الوطنية، لكنه قال إن هذه الحماية لا تلغي، من وجهة نظره، السلطة الأساسية للولايات المتحدة في ملاحقته بموجب قوانين جرائم الحرب والإبادة الجماعية الفدرالية.
اظهار أخبار متعلقة
ونقلت "كومن دريمز" عنه قوله إن الولايات المتحدة "تملك القدرة على اعتقال نتنياهو على خلفية جرائم بموجب القانون الأمريكي ومحاكمته أمام المحاكم الأمريكية"، مضيفا أن طرح هذه المسألة يهدف، بحسب رأيه، إلى توضيح أن واشنطن تملك القدرة والالتزام بملاحقة نتنياهو وغيره ممن يتهمون بارتكاب جرائم في فلسطين وجنوب لبنان.
ولا تقتصر الانتقادات المتعلقة بزيارة نتنياهو على الولايات المتحدة، إذ أثارت أيضا مسألة السماح له بالسفر والوصول إلى مقر الأمم المتحدة رغم مذكرة التوقيف الصادرة بحقه.
واتهمت إيما فورّو، النائبة الفرنسية في البرلمان الأوروبي، الحكومة الفرنسية بـ"انتهاك القانون الدولي" بعد منح طائرة نتنياهو تصريحا لعبور المجال الجوي الفرنسي خلال رحلته إلى نيويورك.
كما انتقد كريغ مخيبر، المسؤول السابق في الأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان، السماح لنتنياهو بالوصول إلى مقر المنظمة الدولية وإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة دون عوائق.
وقالت منصة "كومن دريمز" إن مخيبر اعتبر السماح لنتنياهو بدخول مقر الأمم المتحدة وإلقاء كلمته واستقباله بصفته ضيفا مهما، بدلا من التعامل معه وفق توصيفه باعتباره مسؤولا عن جرائم حرب، أحد أوجه إخفاق المؤسسة الدولية في التعامل مع الحرب على غزة.
وأشار مخيبر كذلك إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة لم تسحب اعتماد إسرائيل، كما فعلت في حالة جنوب أفريقيا خلال فترة نظام الفصل العنصري، منتقدا في الوقت ذاته مواقف أخرى للأمم المتحدة إزاء الحرب في قطاع غزة.
وقال المسؤول الأممي السابق إن المسؤولين عن الجرائم، بحسب توصيفه، لا يكتفون بـ"السير بيننا"، بل "يحكموننا"، داعيا إلى محاسبة المسؤولين والمتواطئين وضمان عدم إفلاتهم من المساءلة.