بعد واقعة " فتاة البيرة" بمصر.. هل التصوير توثيق أم انتهاك للخصوصية؟

السائق قال إن هدفه من التصوير كان توثيق ما حدث  - الفيسبوك
السائق قال إن هدفه من التصوير كان توثيق ما حدث - الفيسبوك
شارك الخبر
لم تتوقف أزمة "فتاة البيرة" التي أثارت جدلًا واسعًا في الشارع المصري مؤخرًا عند حدود المشاجرة التي وثقها مقطع فيديو داخل سيارة تابعة لأحد تطبيقات النقل الذكي في القاهرة، وإنما انتقلت إلى سؤال قانوني أكثر تعقيدًا: هل كان تصوير الفتاة داخل السيارة وسيلة للسائق لتوثيق واقعة تعرض لها، أم أن التصوير نفسه يمثل انتهاكًا لخصوصيتها؟

وأصبح هذا السؤال محل خلاف بين آراء قانونية متباينة، في وقت لا تزال فيه القضية قيد التحقيق حيث قال محامي الفتاة، أسعد هيكل، إن الواقعة تمثل انتهاكًا للخصوصية، معتبرًا أنه كان ينبغي على السائق أن يطلب منها النزول من السيارة بدلًا من تصويرها، بينما أكد محامي السائق أن موكله طلب منها بالفعل النزول.

وفي الوقت نفسه، تواصلت الروايات المتضاربة بشأن ما حدث داخل السيارة، بدءًا من طبيعة المشروب الذي كان مع الفتاة، مرورًا بسبب المشاجرة، وصولًا إلى هوية الرجل الذي كان برفقتها، والذي وصفته والدتها بأنه "خطيبها السعودي"، فيما نُسب إليه أنه نفى ذلك خلال التحقيقات، وقال إن علاقته بها لم تتجاوز الصداقة التي بدأت قبل الواقعة بيومين.

من أين بدأت القضية؟

بحسب بيان وزارة الداخلية المصرية، بدأت الواقعة داخل سيارة تابعة لأحد تطبيقات النقل الذكي، بعدما أبلغ السائق قسم شرطة التجمع الخامس بأن الراكبة التي كانت تستقل السيارة برفقة شخص آخر تناولت مواد كحولية داخل السيارة.

وقالت الوزارة إن السائق اعترض على ذلك، وطلب منها النزول من السيارة وإلغاء الرحلة، كما قام بتصويرها، قبل أن تتطور الواقعة، وفقًا للبيان، إلى تعديها عليه بالسب والضرب، وإلقاء زجاجة المواد الكحولية عليه، وتمزيق ملابسه.

وأعلنت الداخلية تحديد هوية الفتاة وضبطها، وقالت إنها أقرت بارتكاب الواقعة على النحو المشار إليه، لكن مسألة التصوير أصبحت لاحقًا واحدة من النقاط الأساسية في الدفاع عن الفتاة، خصوصًا مع قول والدتها إن السائق استفز ابنتها بتصويرها دون إذنها.

وفي المقابل، قال السائق إن هدفه من التصوير كان توثيق ما حدث وحماية نفسه، وليس التشهير بالفتاة، بينما أكد محاميه ناصر شاهين أن موكله لم يكن هو من نشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي.



ولا تقف أهمية القضية عند حدود الواقعة نفسها، إذ أصبحت مسألة التصوير جزءًا من نقاش أوسع في الشارع المصري مع تزايد الاعتماد على الهواتف في توثيق العديد من القضايا والوقائع التي تتابعها وزارة الداخلية. وأصبح الهاتف وسيلة يستخدمها أطراف الوقائع لإثبات ما حدث أو توثيقه، وهنا يبدأ الخلاف القانوني: هل يمثل التصوير انتهاكًا للخصوصية، أم يمكن أن يكون وسيلة لإثبات الحقوق وتوثيق الواقعة؟ وكيف يختلف الأمر بين التصوير وبين استخدام التسجيل أو نشره؟

التصوير توثيق.. لكن النشر انتهاك

يرى مسؤول وحدة الرصد في جمعية المحامين الدولية، المحامي حسين عمار، أن هناك فارقًا بين تصوير الواقعة بهدف توثيقها وبين نشر التسجيل على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقال عمار إن السائق، إذا كان يرى أن هناك فعلًا مخالفًا للقانون يجري داخل السيارة، فمن حقه أن يوثق الواقعة بالفيديو من أجل استخدامها أمام جهات التحقيق وإثبات ما حدث.

اظهار أخبار متعلقة


لكنه شدد في الوقت نفسه على أن توثيق الواقعة لا يعني بالضرورة أن يكون من حق السائق نشر التسجيل على مواقع التواصل الاجتماعي والتشهير بالطرف الآخر.

وأوضح أن السائق كان يمكنه، تصوير الواقعة والاحتفاظ بالتسجيل لتقديمه إلى جهات التحقيق إذا تطلب الأمر ذلك، بدلًا من نشره أمام الجمهور.

ويرى عمار أن نشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يمثل انتهاكًا للخصوصية، مشددًا على أن "استسهال فضح الناس" لا يصبح مشروعًا لمجرد وجود واقعة محل خلاف.

كما أشار إلى أن السائق كان يستطيع إنهاء الرحلة وإبلاغ التطبيق بسبب إلغاء الرحلة، باعتبار أن الراكبة كانت تقوم بتصرف مخالف لقواعد الرحلة أو للقانون، دون أن يتحول الأمر إلى نشر واسع للفيديو.

هل يتحمل السائق مسؤولية النشر إذا لم ينشر بنفسه؟

هذه النقطة تفتح سؤالًا قانونيًا آخر في القضية، فالسائق ومحاميه يقولان إنه لم يكن الشخص الذي نشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما قام بتصويره لتوثيق الواقعة.

لكن حسين عمار يرى أن المسؤولية قد تظل محل بحث إذا كان الفيديو قد خرج من هاتف السائق وانتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، موضحًا أن القول بأن شخصًا آخر هو الذي نشر التسجيل لا ينهي تلقائيًا مسألة المسؤولية، وإنما يتطلب الأمر تحديد كيفية خروج التسجيل، ومن قام بنشره، والظروف المحيطة بذلك.

وبالتالي، فإن تصوير الفيديو شيء، ونشره شيء آخر، وهي نقطة يرى عمار ضرورة الفصل بينها عند تقييم الواقعة قانونيًا.


لا يوجد انتهاك للخصوصية

على الجانب الآخر، يقدم المحامي بالنقض محمد محمود تفسيرًا قانونيًا مختلفًا تمامًا، حيث قال إن هناك فارقًا بين انتهاك الخصوصية وبين توثيق جريمة تقع أمام الشخص أو بحقه.

وضرب محمود مثالًا على انتهاك الخصوصية بتصوير شخص داخل منزله أو مكانه الخاص دون وجود سبب أو مبرر، موضحًا أن مجرد تصوير شخص داخل نطاق خصوصيته دون سبب مشروع قد يمثل اعتداءً على حياته الخاصة.

لكنه يرى أن الأمر يختلف عندما يكون التصوير بهدف توثيق واقعة يعتقد المصور أنها جريمة، وبحسب هذا الرأي، فإن وجود الشخص داخل سيارة لا يمنع السائق من توثيق ما يراه جريمة تقع داخلها، خصوصًا إذا كانت الواقعة تمسه شخصيًا.

وقال محمود إن السائق، إذا كان طرفًا في الواقعة وتعرض لما يعتبره اعتداءً أو جريمة، فمن حقه أن يوثق ما يحدث من أجل الاستناد إليه أمام الجهات المختصة.

اظهار أخبار متعلقة


وبناءً على هذا التفسير، يرى محمود أن تصوير الفتاة في هذه القضية لا يمثل انتهاكًا لخصوصيتها طالما كان الهدف هو توثيق واقعة يراها السائق جريمة بحقه.

أين يبدأ الخلاف الحقيقي؟


الخلاف بين الرأيين لا يدور فقط حول سؤال: "هل يجوز تصوير الفتاة؟"، وإنما يمتد إلى سبب التصوير والظروف التي تم فيها.

هل السيارة مكان خاص أم مكان لخدمة عامة؟

ومن النقاط التي تطرق إليها الرأيان أيضًا طبيعة السيارة نفسها، فحسين عمار يرى أن الراكب خلال فترة الرحلة هو المستفيد من الخدمة، وأن وجوده داخل السيارة لا يعني تلقائيًا سقوط حقه في الخصوصية، معتبرًا أن السائق لم يكن من حقه تصوير الراكبة لمجرد وجودها داخل السيارة.

وفي المقابل، ينظر محمد محمود إلى المسألة من زاوية مختلفة، إذ يرى أن خصوصية المكان لا تمنع توثيق جريمة تقع داخله، إذا كان الشخص الذي يقوم بالتصوير طرفًا في الواقعة.

وماذا عن نشر الفيديو؟

حتى مع اختلاف الرأيين بشأن التصوير، فإن النشر يظل نقطة مستقلة تحتاج إلى بحث منفصل.

حسين عمار يميز بوضوح بين التصوير والتداول، ويرى أن السائق كان يستطيع الاحتفاظ بالتسجيل وتقديمه إلى جهات التحقيق، لكن نشره على مواقع التواصل الاجتماعي يمثل مساسًا بالخصوصية.

أما محمد محمود، فيرى أن الشخص الذي يتعرض لجريمة من حقه استخدام التسجيل لإثبات حقه وإرساله إلى الجهات المعنية، كما لا يستبعد أن يدخل نشر التسجيل في إطار الاستغاثة إذا كان الهدف منه طلب المساعدة، مع التأكيد على أن الأمر يظل مرتبطًا بظروف الواقعة وطبيعة النشر.

وفرق محمود كذلك بين تصوير جريمة تقع بحق الشخص نفسه وبين تصوير واقعة لا يكون طرفًا فيها، موضحًا أن من يشاهد جريمة تقع على آخر يمكنه توثيقها وإرسالها إلى الجهات المختصة، دون نشرها للجمهور ولكن اذا كان طرفا فيها فمن حقه نشرها، مؤكد أن محكمة النقض حذرت من التسجيل بدون اذن من القاضي إنما إذا كانت مكالمة شخصية وهو طرف فيها من حقه يستشهد بها بأن المكالمة فيها حق له.
التعليقات (0)

خبر عاجل