تتجه محافظة
السويداء جنوبي سوريا إلى يوم جديد من التوتر، مع استمرار عرقلة وصول طلاب شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة إلى مراكز امتحاناتهم لليوم الثاني على التوالي، بالتزامن مع اشتباكات داخلية شهدتها المحافظة خلال الساعات الماضية.
وتأتي هذه التطورات فيما تحاول السلطات السورية تثبيت مسار الدورة الامتحانية الاستثنائية التي خصصتها لطلاب السويداء، وسط خلافات مستمرة بشأن سلطة الدولة داخل المحافظة.
اليوم الأحد واصل طلاب السويداء، تقديم امتحانات الدورة الاستثنائية لشهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة بفروعها كافة في المراكز المحددة بريف المحافظة الشمالي، لليوم الثاني على التوالي.
وقالت وكالة الأنباء السورية "سانا" إن امتحانات الدورة الاستثنائية تتواصل في المراكز المحددة، في حين أعلن مدير العلاقات الإعلامية في مديرية إعلام السويداء قتيبة عزام أن "المجموعات الخارجة عن القانون" تمنع لليوم الثاني على التوالي عبور طلاب شهادتي التعليم الأساسي والثانوي باتجاه المراكز الامتحانية في ريف المحافظة الشمالي.
وكانت وزارة التربية والتعليم السورية أعلنت اتخاذ جميع الإجراءات والترتيبات اللازمة لضمان حسن سير الدورة الاستثنائية، بالتنسيق مع الوزارات والجهات المعنية ومحافظة السويداء.
وتفاقمت الأزمة أمس السبت، بعدما منعت مجموعات مسلحة تتبع حكمت
الهجري طلابًا من مغادرة مدينة السويداء باتجاه المراكز الامتحانية، وفق الرواية الرسمية.
وقال محافظ السويداء مصطفى البكور إن حالة الانزعاج بين الطلاب وأهاليهم تطورت إلى اشتباكات بالأيدي، بعدما منعت المجموعات الطلاب من الخروج، مشيرًا إلى أن سيارات مواطنين تعرضت للتحطيم.
وأضاف أن الطلاب تجمعوا في إحدى ساحات المدينة، مؤكدين رغبتهم في الالتحاق بالامتحانات، بينما قررت المحافظة تأجيل موعد بدء الامتحان ساعة إضافية، ليبدأ عند الحادية عشرة صباحًا، لإتاحة مزيد من الوقت أمام الطلاب للوصول إلى قاعاتهم.
وكانت المحافظة قد جهزت 27 مركزًا امتحانيًا للدورة الاستثنائية في ريف السويداء الشمالي، فيما شهد طريق السويداء-دمشق استنفارًا أمنيًا وإغاثيًا، بمشاركة الأمن الداخلي وأمن الطرق والدفاع المدني والهلال الأحمر، بهدف تأمين حركة الطلاب والمواطنين.
اظهار أخبار متعلقة
لماذا أقيمت الامتحانات خارج السويداء؟
تأتي الدورة الاستثنائية بعد تعذر إجراء الامتحانات لطلاب السويداء في ظل الوضع الأمني الذي شهدته المحافظة.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع أصدر في 19 آب/أغسطس المرسوم رقم 163 لعام 2026، الذي منح طلاب محافظة السويداء دورة استثنائية للتقدم إلى امتحانات شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة بفروعها كافة، وفق القواعد والشروط نفسها المعتمدة للامتحانات العامة.
ويشمل المرسوم الطلاب الذين لم يتقدموا إلى امتحانات دورة عام 2026، أو الذين لم يتمكنوا من أداء جميع المواد الامتحانية فيها.
اظهار أخبار متعلقة
اشتباكات داخلية تزيد المشهد تعقيدًا
وبالتزامن مع أزمة الطلاب، شهدت مدينة السويداء خلال الساعات الماضية اشتباكات بين مجموعات محلية، في تطور يسلط الضوء على تعدد القوى المسلحة داخل المحافظة.
وتحدثت مصادر إعلامية ومحلية عن مواجهات بين مجموعات تابعة لما يسمى "الحرس الوطني" وأخرى محلية، وسط سماع أصوات إطلاق نار وانفجارات في مناطق مختلفة من المدينة.
رسالة مثيرة من طريف إلى الهجري
وفي خضم هذه التطورات، كشف موقع "السويداء 24" عن اتصال هاتفي جرى قبل أيام بين الشيخ موفق طريف شيخ الطائفة الدرزية في فلسطين المحتلة، وسلمان الهجري، نجل الشيخ حكمت الهجري.
وبحسب ما نقل الموقع عن مصادر مقربة من سلمان الهجري تناول الاتصال مستقبل محافظة السويداء وحجم الدعم المقدم لها، مشيرة إلى أن الدعم انخفض بصورة كبيرة خلال الأشهر الماضية، وهو ما قد يؤدي إلى عجز عن دفع رواتب عناصر "الحرس الوطني" والشرطة المحلية.
لكن الرسالة الأبرز، وفق الرواية التي نقلها الموقع، جاءت عندما طلب موفق طريف من سلمان الهجري اعتبار نفسه مواطنًا سوريًا والتعامل مع أحمد الشرع رئيسًا للجمهورية، في إشارة إلى ضرورة التعامل مع الحكومة السورية والدخول في مسار تفاوضي معها.
وأضاف المصدر أن سلمان الهجري أغلق الاتصال مباشرة بعد سماع هذه العبارة، ما أدى إلى توتر في العلاقة بين الطرفين.
هل تتغير حسابات السويداء؟
تواجه المحافظة منذ أشهر معضلة تتعلق بوجود تشكيلات مسلحة وأجهزة أمنية محلية خارج البنية الرسمية للدولة، بالتوازي مع استمرار الخلاف حول طبيعة العلاقة مع دمشق وحدود سلطة الحكومة المركزية في المحافظة.
ويرى المحلل السياسي درويش خليفة أن السلطات السورية أمام "فرصة تاريخية وجوهرية" لإنهاء ملف السويداء، عبر التوصل إلى تسوية سياسية مع القوى الموجودة في المحافظة، بما يضمن إعادة دمجها ضمن الجغرافيا السياسية للدولة السورية.
ويعتقد خليفة في تصريح لـ"عربي21" أن العوامل الإقليمية يمكن أن تساعد في فتح الطريق أمام مثل هذه التسوية، مشيرًا إلى اللقاء الذي جرى في عمّان بين وزير الخارجية السوري ورئيس جهاز الموساد الإسرائيلي، باعتباره أحد التطورات التي يمكن أن تفتح أفقًا أمام مزيد من التعاون لمعالجة الملفات العالقة في الجنوب السوري.
وبحسب خليفة، فإن أي تسوية في السويداء تحتاج إلى معالجة العوامل الإقليمية المؤثرة فيها، بالنظر إلى ارتباط ملف المحافظة بالحدود الجنوبية لسوريا وبالحسابات الإسرائيلية المتعلقة بالمنطقة.
ويرى أن التحولات في ملف قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، وما رافقها من حديث عن إعادة دمج عناصرها ومؤسساتها ضمن هياكل الدولة، يمكن أن تشكل عامل ضغط إضافيًا على القوى الموجودة في السويداء لإعادة النظر في خيار استمرار القطيعة مع دمشق والعودة إلى طاولة المفاوضات.
ويعتقد خليفة أن استمرار حالة التمرد لفترة أطول قد يصبح أكثر صعوبة في ظل التحولات الإقليمية والدولية، معتبرًا أن الظروف المحيطة بالملف السوري تغيرت بصورة كبيرة، وأن هناك ملفات ينبغي إغلاقها قبل الانتقال إلى ملفات أخرى أكثر تعقيدًا.