مقالات مختارة

في المقارنة بين أفعال الصهاينة وأفعال النازيين

جلبير الأشقر
المستوطنون هاجموا بلدة حوارة في الضفة- الأناضول
المستوطنون هاجموا بلدة حوارة في الضفة- الأناضول
حتى وقت قريب جداً، كل من قارن بين أفعال النازيين وأفعال أصحاب الدولة التي تدّعي أن قيامها بذاته هو نقض للنازية، كانت تعلو في وجهه على الفور أصوات الاستنكار لكلامه مصحوبة بتهمة «معاداة السامية» وهي التهمة الجاهزة التي كان يوصم بها كل من يقترف المقارنة المحظورة والمحرّمة. وها أن الصهيونية بلغت ذروة كمالها المنطقي مع وصول الفاشيين المعلنين إلى قمة دولتها بحيث باتت المقارنة متداولة حتى في الأوساط الصهيونية عينها.

فقد نشرت صحيفة «هآرتس» الصهيونية الليبرالية قبل أقل من ثلاثة أسابيع (بتاريخ 10/2) مقابلة مع مؤرخ يهودي إسرائيلي، أستاذ في الجامعة العبرية ومتخصص في تاريخ الإبادة النازية لليهود الأوروبيين (الهولوكوست) حمل العنوان الصارخ التالي: «تضمّ حكومة إسرائيل وزراء من النازيين الجدد. إنها حقاً تذكّرنا بألمانيا في عام 1933». تصوروا فقط لو صدر مثل هذا الكلام في صحيفة غير إسرائيلية حتى وقت قريب، ما كان سيثيره من بكاء وعويل على جرح مشاعر اليهود (وكأن كافة اليهود ممثلين بدولة إسرائيل، وفي الأمر تبنّ ضمني للادّعاء الصهيوني) مرفقة باتهام المتكلم وناشره بالنوايا المعادية للسامية.

أما الغارة البشعة التي شنّها المستوطنون اليهود على بلدة حوارة جنوبي نابلس ليل الأحد الماضي، فلم يتردّد بعض المعلقين اليهود الإسرائيليين في اتهامها بتقليد أفعال النازيين وسواهم من العنصريين المعادين لليهود. في اليوم التالي، يوم الإثنين، نشر موقع «واي نت نيوز» الصهيوني بامتياز مقالاً حمل في ملخصه المسوّد تحت عنوانه الرئيسي وصفاً لما حصل بأنه قيام «المتطرّفين» بإخراج (بمعنى الإخراج المسرحي) «ليلة بلّور خاصة بهم في حوارة» وهي بالطبع إشارة إلى الغارة الشاملة التي شنّتها الميليشيات النازية على المعابد والمتاجر والمنازل وسواها من الممتلكات اليهودية في عموم المدن الألمانية ليلة التاسع إلى العاشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 1938.

وكانت «ليلة البلّور» تلك (التسمية مستوحاة من الزجاج المحطّم الذي غطّى أرض أماكن الهجمة الهمجية) كانت تمهيداً بارزاً لإبادة النازيين لليهود الألمان أسوة بسواهم من اليهود الأوروبيين خلال الحرب العالمية الثانية. ومن المعلوم أن النازيين بعد استيلائهم على الحكم في عام 1933 وحتى ذلك الحين، اكتفوا بنفي اليهود إلى فلسطين بالتعاون مع الحركة الصهيونية (اتفاقية «العبور»).

كما نشر موقع «واي نت نيوز» ذاته مقالاً حمل عنواناً عريضاً وصف ما جرى في حوارة بأنه «بوغروم» وهي التسمية روسية الأصل التي تُطلق تاريخياً على الغارات العنصرية على اليهود المماثلة لما اقترفه النازيون في عام 1938 وما اقترفه المستوطنون الصهاينة ـ تحت رعاية الجيش والقوى الأمنية الإسرائيلية ـ ليلة السادس والعشرين إلى السابع والعشرين من شهر شباط/ فبراير المنصرم. فها أن أفعال بعض الصهاينة باتت تُقارَن حتى من قِبَل صهاينة آخرين بأنها مماثلة لأفعال الكراهية «المعادية للسامية» وهو بالضبط ما لم ينفك يقوله ضحايا تلك الأفعال الذين كانوا يُتهمون على الفور بأن قولهم هذا هو «معاداة السامية» بعينها.

طبعاً، يبقى فرق شاسع بين ما كان يقوله ضحايا الصهيونية والمتعاطفون والمتضامنون معهم ولا زالوا يقولونه، وبين ما اقتبسنا أعلاه من مقارنات تفوّه بها بعض الصهاينة «المعتدلين» إزاء أخصامهم السياسيين من الصهاينة «المتطرّفين». ذلك أننا لا نميّز البتة بين قيام جيش الاحتلال الصهيوني بتحطيم منازل الفلسطينيين، تذرّعاً بشتى الحجج، وقيام المستوطنين الصهاينة الذين يحميهم جيش الاحتلال بحرق منازل الفلسطينيين كما فعلوا في حوارة. لا بل تفوق فظاعة الأولين فظاعة الثانين، إذ إنها ممارسة شبيهة بأفعال المعادين للسامية يقترفها جيش نظامي بصورة رسمية بناء على قوانين دولته العنصرية، وليس حفنة من المسعورين الذين يأخذ عليهم سواهم من الصهاينة، بمن فيهم رئيس حكومتهم، أنهم يتولّون «تنفيذ العدالة» بأياديهم عوضاً عن الاتكال على القوات المسلحة الرسمية التي تجيد «الأخذ بثأرهم» على حد قول نتنياهو.

لن تنهض الصهيونية من القعر الأخلاقي الطبيعي الذي بلغته ولن يتجدّد النفاق الصهيوني الذي كان يعمل بقاعدة «ضربني وبكى، سبقني واشتكى». فإن ما نراه اليوم من بشاعة فالتة العنان في الدولة الصهيونية الموسّعة، شأنها في ذلك شأن هجمات «بوغروم» التي تعرّض لها فلسطينيو أراضي 1948 وسكان القدس العربية قبل سنتين، عند الهبّة التي تلت أحداث حي الشيخ جرّاح في شهر أيار/ مايو 2021، إنما هي محطات عادية في مسار الاستعمار الاستيطاني الصهيوني العنصري الذي قام على مثلها منذ أن بدأ بتنفيذ مشروعه في فلسطين. قبل سنتين، وصف عمدة اللدّ الصهيوني احتجاجات الشباب الفلسطيني في المدينة بأنها «ليلة بلّور» كما أطلق عليها الرئيس الإسرائيلي ريفلين تسمية «بوغروم». وقد انقلبت الحكاية اليوم من الزيف إلى الصواب، ولن ينتهي مسلسل الأفعال العنصرية الصهيونية الجديرة بالمقارنة بأفعال النازيين سوى بزوال التمييز العنصري المؤسسي على كامل أرض فلسطين التاريخية.

(عن صحيفة القدس العربي)
التعليقات (1)
مصري
الأربعاء، 01-03-2023 05:56 ص
ممكن نقارنها ايضا مع السيسي و عصابته