قضايا وآراء

عن "جدو" كريم يونس وهذا النضال الفلسطيني الملحمي العنيد

خلدون محمد
.
.
قبل بضع سنين نزل الأسير كريم يونس من سجن هداريم حيث كان يقيم، إلى عيادة سجن الرملة. هناك في ذات السجن يوجد أكبر "مِعبار" لتوزيع السجناء إلى مختلف السجون، حيث يوجد فيه قسم "القفص" الذي هو عبارة عن مستودع ضخم مقسَّم إلى حجرات داخلية مفتوحة، لكل منها إطار من القضبان الحديدية الغليظة، بحيث يتمكّن السجناء من مشاهدة بعضهم البعض لعدّة ساعات في انتظار "بُوسطاتهم" التي ستنقل كلًا منهم سجنه.
هناك؛ وحين التقى كريم يونس بالجيل الجديد من الأشبال والشبان صغار السن، أخذوا ينادونه "يا جدّو". وعندما عاد في مساء ذلك اليوم إلى مخدعه في سجن هداريم وعلم زملاؤه بالقصة، أخذوا ينادونه تندّرًا بـ"جدّو"، مع أن كريم عندما دخل السجن مطلع عام 1983 كان عوده طريًّا في مثل عمر هؤلاء الشبّان الذين نعرف أن آباء بعضهم ولد بعد دخوله السجن!
نروي هذه الحادثة في معرض جملة كريم يونس الأشهر التي تناقلتها وسائل الإعلام التي وصلت إليه بعد تحرره توًّا من سجنه الذي استطال لأربعين عامًا، وقال فيها: "أنا مستعد أن أمضي أربعين عامًا أخرى إذا تطلب الأمر تحرير شعبي وأرضي". وهذه عبارة مشبعة بالدلالة، تعكس نبض وحيوية النضال الفلسطيني العنيد ذي النَّفَس الكفاحي الطويل. ولعل هذا الموقف النضالي الملتزم لكريم؛ يغفر له ما كان يلومه عليه زملاؤه الأسرى من وقوفه في بعض المواقف ذات الهنّات والزلّات هنا وهناك. 
ونحن هنا مع هذا المثل المتجدّد، الذي لا زال النضال الفلسطيني يمدّنا بصوره وبنماذجه المختلفة، وهو يعبر قرن نضاله الثاني، ليؤكد أن الفلسطينيين بأجيالهم المتعاقبة باقون على العهد؛ يسلّم فيها الجيل السابق الجيل اللاحق تعاويذ النضال وعهوده ومواثيقه وجماره ونيرانه الملتهبة. هؤلاء الذين يرث بعضهم عن بعض جداول المناوبة الدائمة في ذات مواقع النضال والمقارعة والمواجهة والاشتباك. هؤلاء الفلسطينيون العجيبون الذين تعجَّب منهم عدوّهم قبل صديقهم أو مراقبهم في أنهم لم يملّوا النضال والجهاد ومقارعة المستعمرين اللصوص الغزاة. وهم ناضجون دائمًا، وليسوا بحاجة إلى نوبات إنضاج ولا لمزيد جلسات أو برامج. المنحدر من هذه الأرض المباركة هو في الغالب جاهز ومعبَّأ ومشحون، ولطالما كان للأسرى ولحركتهم الوطنية داحل السجون دورها التاريخي المشهود في ضخِّ المعنويات المرتفعة لشعبها ولأمتها ولأحرار العالم.
التعليقات (0)