مقالات مختارة

من الأشبال إلى الأسود: نحو انتفاضة فلسطينية جديدة

جلبير الأشقر
1300x600
1300x600

فقدت «السلطة الوطنية الفلسطينية» منذ زمن طويل ما كان لها من وطنية محدودة بحكم ظروف قيامها في إطار اتفاق مع السلطة الحقيقية، سلطة الاحتلال الصهيوني. بل فقدت حتى هيبتها القمعية، إذ لم يعد الشعب الفلسطيني، ولاسيما شبابه، ينصاعون لأوامر وتعليمات تلك «السلطة» التي يتزعّمها رجلٌ بات يترأسها منذ 17 عاماً، وقد غدا رئيساً مدى الحياة من خلال التمديد غير المحدود لولايته بحجة الظروف الناشئة عن انقسام مشروع «الدولة الفلسطينية المستقلة» إلى دويلتين حبيستين.


والحقيقة أن رهان الدولة الصهيونية وعرّابها الأمريكي وحلفائهما على أن يؤدّي مشروع الدولة الذي نجم عن اتفاقيات أوسلو لعام 1993 إلى تدجين الشعب الفلسطيني، بعد أن خضّ أركان النظام الصهيوني بانتفاضته العظمى في عام 1988، ذلك الرهان أصيب بفشل ذريع.

 

كان فشله الأول في خيبة الأمل العارمة التي شملت مؤسس «السلطة الفلسطينية» ذاته، بعد أن توهّم ببلوغ حلمه بالدولة «المستقلة» من خلال الاتفاق والتعاون مع الحكم الصهيوني، إذ رأى الجميع بعد سنوات قليلة أن هذا الحكم انتهز فرصة سلام الغشّ كي يضاعف نشاطه الاستيطاني في الضفة الغربية. فكانت انتفاضة الأقصى التي انطلقت في خريف عام 2000، والتي استوعبتها إسرائيل سياسياً بسهولة أكبر مما واجهته من إرباك إزاء الانتفاضة الأولى، حيث وقعت الثانية في فخ حمل السلاح بما سمح للحكم الصهيوني تصوير قمعه لها كأنه حربٌ بين معسكرين، وهو ما يناسب الدولة الصهيونية القائمة على الحرب بطبيعتها.


وبعد القمع الوحشي لانتفاضة الأقصى، الذي ختمه قتل ياسر عرفات ذاته في عام 2004 وانتخاب محمود عبّاس خلفاً له في عام 2005 بمباركة إسرائيلية وأمريكية، جاءت محاولة ثانية في ترويض شعب الضفة الغربية، لاسيما بعد الانفصال الذي تمّ بين الضفة وقطاع غزة بدءاً من عام 2007. وقد اعتمد التدجين على دولارات المساعدة الدولية بشتى أطرافها، التي كانت الغاية منها القضاء على روح التمرّد لدى الفلسطينيين من خلال زجّ بعضهم في السعي وراء المال، الأمر الذي ترافق بفساد بالغ. وقد نجح الترويض في ثني الجيل الذي عرف الانتفاضة الثانية وهُزم فيها عن الانتفاض جماعياً ضد المحتلّ.


بيد أن جيلاً جديداً ممن كانوا أشبالاً في العقد الأول من القرن الراهن بلغ الآن سنّ الثورة غير مدجّنٍ، لا من حيث الإحباط في وجه الآلة العسكرية الصهيونية وأدواتها القمعية الفلسطينية ولا من حيث دور الدولارات في الإفساد، إذ إن الظروف المعيشية الفلسطينية باتت تتدهور على خلفية الأزمة العالمية والخناق الإسرائيلي.

 

وهذا الجيل هو الذي بدأ يتحرّك مستقلاً عن الأطر التنظيمية التقليدية، من فتح وحماس وسواهما، معبّراً عن سخطه العظيم من الاضطهاد الصهيوني الذي ما فتئ ثقله يتزايد على خلفية انزلاق المجتمع الإسرائيلي غير المتناهي نحو أقاصي اليمين. وكانت بداية الانتفاضة التي انطلقت من القدس قبل عام ونصف مبشّرة بموجة جديدة من النضال الشعبي ضد الاحتلال، قبل أن تجهضها حماس بإطلاقها صواريخ «درع القدس» وتحويل الحالة إلى حرب، على غرار خطأ انتفاضة الأقصى في حمل السلاح.


هذا وها أن أشبال الأمس استحالوا أسوداً وأخذ أكثرهم بأساً يشكّلون جماعات قتالية مستقلة في شتى أنحاء الضفة الغربية، منها «عرين الأسود» في نابلس ومحيطها و«كتيبة جنين» وغيرهما من المجموعات والكتائب. وتقوم هذه الجماعات بتنفيذ عمليات مقاومة ضد المحتلّين بما يؤدّي بقوات الاحتلال إلى تصعيد قمعها بمختلف أشكاله، الأمر الذي يثير بدوره سخطاً جماعياً لدى مجتمع فلسطيني لم يعد قادراً على تحمّل سلوك المحتلّين، فتخرج الجماهير لتعبّر عن سخطها مثلما فعلت يوم الثلاثاء.


فثمة أمر بالغ الأهمية ينبغي على الجماعات الشبابية الجديدة أن تنتبه إليه. فإن استخدامها للسلاح يجب أن يبقى هادفاً إلى دفع الأمور نحو الثورة الشعبية من خلال استفزاز المحتلّين والاتكال على فظاظتهم القمعية في تثوير المجتمع بأسره.

 

إنه تكتيك استخدام السلاح كما فهمته جماعات ثورية عديدة عبر التاريخ، رأت في أعمالها المسلّحة وسيلة لحضّ الشعب على الانتفاض بلا أن تكون لديها أي نية أو وهم في الاستعاضة عن الثورة الشعبية بأعمالها المسلحة. إذ يجب أن تبقى الغاية إثارة انتفاضة جديدة على غرار انتفاضة عام 1988 وليس جولة حربية جديدة على غرار ما حلّ بانتفاضة الأقصى وحروب غزّة المتتالية.

 

القدس العربي

0
التعليقات (0)