قضايا وآراء

سقط جسر لندن!

أميرة أبو الفتوح
عربي21

"سقط جسر لندن"، تلك الشفرة السرية التي تشير إلى خطة ما سيحدث في حالة وفاة الملكة إليزابيث الثانية، وهي خطة وضعت في ستينيات القرن المنصرم وتم تحديثها عدة مرات على مر الأعوام.

ومع الإعلان عن وفاة الملكة إليزابيث الثانية، بدأت بريطانيا تنفيذ الخطة، وهي خطة شكلية المقصود منها كيف سيتم الإعلان عن الوفاة وما سيُتخذ من إجراءات وترتيب للأوضاع بما يحافظ على شكل وهيبة المملكة، وما سيجري من بروتوكولات ملكية في البلاد ومراسم توديعها إلى أن يتم الدفن، من تنكيس الأعلام فوق المباني العامة، وقرع الأجراس، ووضع لافتات سوداء على الحسابات الحكومية وحسابات باكنغهام على كافة المنصات التواصل الاجتماعي وارتداء المذيعين الثياب السوداء إلى آخره. وهذا ما تم تنفيذه بالفعل إلى أن تم تنصيب الأمير "تشارلز الثالث" ملكاً للمملكة المتحدة ورئيساً للكنيسة الإنجليزية خلفاً لوالدته، وألقى خطاب العرش الذي تعهد فيه على السير على درب والدته وخدمة شعب المملكة مدى الحياة، وأنه سيبذل كل جهده ليكون على المثال الملهم لوالدته والتمسك بالمبادئ الدستورية الراسخة في المملكة.

رحلت الملكة إليزابيث الثانية، التي ورثت عرش المملكة المتحدة بالصدفة وتوجت بالتاج البريطاني لمدة سبعين عاماً، وهي أطول مدة قضاها حكم الملوك الإنجليز في التاريخ. لقد تخطت فترة الستة عقود التي حكمت فيها، جدتها الثالثة الملكة فيكتوريا البلاد والتي كانت صاحبة الرقم القياسي السابق في 63 عاماً على العرش..

لم تتخيل الطفلة الجميلة إليزابيث المولودة عام 1926 أن تصبح ملكة لبريطانيا العظمي، وأعتقد أن خيالها لم يداعبها يوماً بذلك الحلم البعيد المنال

لا أحد يعلم ما تخبئه الأقدار له، فلم تتخيل الطفلة الجميلة إليزابيث المولودة عام 1926 أن تصبح ملكة لبريطانيا العظمي، وأعتقد أن خيالها لم يداعبها يوماً بذلك الحلم البعيد المنال. فعمها "إدوارد الثامن" كان ملكاً للبلاد ويحبه الشعب البريطاني حباً جماً، ولكن يشاء القدر أن يقع الملك إدوارد في حب سيدة أمريكية مطلقة مرتين، وعندما عُرفت تلك العلاقة في أوساط العائلة المالكة وأشيع الخبر في الدوائر الرسمية، وأثارته الصحف والمجلات، حذروه من عواقبها على النظام الملكي. وحاول كثيراً أن يحصل على موافقة العائلة المالكة بالزواج منها، ولكن باءت محاولاته بالفشل وقوبل بمعارضة شديدة ورفض تام بدعم من الكنيسة؛ لأن التقاليد البريطانية تمنع زواج الملك من امرأة مطلقة وخاصة أنه رئيس للكنيسة الإنجليزية، فعزم على التوجه إلى شعبه الذي يحبه بخطاب ويعلن له عن رغبته بالزواج من هذه السيدة الأمريكية، وأن هذه الزيجة لن تؤثر على خدمته للبريطانيين، ولكن أخاه الأمير جورج، والد إليزابيث، منعه من إلقاء هذا الخطاب، وكان عليه أن يختار بين عرشه وحبه، فاختار حبه وتنازل عن العرش طواعية من أجل الزواج من حبيبته.

لقد ضحّى بالمُلك والجاه والسلطان من أجل الحب، وهكذا جاءت الفرصة للطفلة إليزابيث على طبق من ذهب قدمه لها عمّها بشكل لم يدركه إلا عند موته، حيث كانت آخر عبارة همس بها لزوجته وهو يحتضر: "كان كل شيء عبثياً"، وكأنه أدرك بعد فوات الأوان أن محبوبته لم تكن تستحق تضحيته بالعرش والعناء الذي تكبده في المنفى كي يبقي إلى جوارها، ولكي تصبح الطفلة الجميلة إليزابيث ملكة لبريطانية، حيث صعد والدها "جورج السادس"، الشقيق الأصغر لأدوارد عرش المملكة عام 1936م. ومنذ ذلك الحين أصبحت "إليزابيث" الوريث المفترض للعرش، ومن هنا أخذت الواجبات العامة على عاتقها أثناء الحرب العالمية الثانية حيث انضمت هناك للعمل في الخدمة الإقليمية الاحتياطية، وكانت ترتدي الزي العسكري..

تربعت الملكة "إليزابيث الثانية" على عرش المملكة المتحدة عام 1952، وخلال حكمها شهدت أحداثاً جساما شاركت فيها حكوماتها، بدءاً من حرب السويس عام 1956، حينما كان "أنطوني إيدن" رئيساً للوزراء، إلى حرب العراق عام 2003، إبان "توني بلير" رئاسة الحكومة، مروراً بحرب الفوكلاندا عام 1982، في عهد المرأة الحديدية "مارجريت تاتشر"، والحرب الطويلة مع الجمهوريين الإيرلنديين في إيرلندا الشمالية، والتي انتهت باتفاق الجمعة العظيمة عام 1998..
هل الملكة إليزابيث مسؤولة عن تلك الحروب وعن الكوارث التي خلفتها من ورائها؟ وهل كان في استطاعتها أن تأخذ قرارات تمنع الجيش البريطاني في التورط في هذه الحروب؟!

وربما السؤال الأبرز الذي يتبادر إلى الذهن: هل الملكة إليزابيث مسؤولة عن تلك الحروب وعن الكوارث التي خلفتها من ورائها؟ وهل كان في استطاعتها أن تأخذ قرارات تمنع الجيش البريطاني في التورط في هذه الحروب؟!

في حقيقة الأمر أن دستور المملكة المتحدة يرسخ الملكية الدستورية، أي السلطة فيها للشعب، وملكة بريطانيا لا تملك أي سلطة في بلادها ولا في البلاد الستة عشر التابعة لتاجها الملكي، من مجموع ثلاثة وخمسين من دول الكومنولث التي ترأسها، فدورها شرفي واحتفالي فقط..

فمنذ الحرب الأهلية التي دارت رحاها في إنكلترا بين الملك "تشارلز الأول" والبرلمان بين الأعوام 1642 و1651، وأُعدم خلالها الملك بعد اتهامه بالطغيان في حكمه والتمسك بجميع السلطات في يده؛ يديرها وفقا لإرادته والإطاحة بحقوق الناس وحرياتهم، بات حكم الملوك تحت سيطرة برلمان "ويستمنستر"، بحيث يتخذ المنصب الملكي طابعاً رمزياً ليس أكثر، ومن هنا جاءت مقولة الملك يملك ولا يحكم، وهذا ما حافظ على استقرار المملكة في لحظات فارقة، ومنحها القدرة على النهوض والتقدم والازدهار، فلا تنمية بدون استقرار..
من هنا جاءت مقولة الملك يملك ولا يحكم، وهذا ما حافظ على استقرار المملكة في لحظات فارقة، ومنحها القدرة على النهوض والتقدم والازدهار، فلا تنمية بدون استقرار

دور الملكة (أو الملك) هو التصديق على إرادة الشعب الحرة، وما عليها غير التوقيع على قوانين سنها الشعب وقرارات وتعيينات صادرة عن الحكومة التي اختارها الشعب، حتى خطاب الملكة (أو الملك) في افتتاح الدولة للبرلمان، تكتبه الحكومة المنتخبة بالتوافق مع الأحزاب التي تمثل الشعب. ومن المستهجن أن تتدخل في السياسة أو إبداء رأيها الشخصي في أي قضية سياسية تشغل العالم بأي شكل من الأشكال، وكل كلمة تقولها الملكة (أو الملك) يجب أن تكون متفقة تماماً مع رأى الغالبية من الشعب. ومن الطريف أن الملك في بريطانيا (قلعة الديمقراطية والحريات) هو المواطن الإنجليزي الوحيد الذي لا يتمتع بتلك الحريات، فهو محروم من حق التعبير عن رأيه الشخصي، وهو المواطن الوحيد الذي لا يحق له التصويت في الانتخابات!!

لذلك حرص الملك "تشارلز الثالث"، في خطابيه الأول في نعي الملكة إليزابيث، والثاني في إعلان تنصيبه ملكاً لعرش بريطانيا، أن يؤكد على تمسكه بالمبادئ الدستورية الراسخة في المملكة، على الرغم من أن له الكثير من الآراء السابقة في مجريات الأحداث العالمية، والتي كانت تتعارض مع آراء ومواقف الحكومة البريطانية آنذاك، كقضية تغير المناخ، والإسلاموفوبيا، ونفيه صفة الإرهاب عن الإسلام، وقضايا أخرى كثيرة، كانت تتناقلها وكالات الأنباء وتُنشر في وسائل الإعلام المختلفة. ولكن منصبه الجديد الذي طال انتظاره طويلاً سيُحرّم عليه ذلك وسيلجم لسانه ويمنعه من التعبير عن قناعاته وآرائه الشخصية حاليا. وهذا هو التحدي الأكبر الذي سيواجهه، فربما سيشتاق يوماً لتلك الأيام الخوالي التي كان فيها أمير ويلز ولياً للعهد، يعبر فيها عن آرائه قبل وضع التاج الملكي على رأسه الذي ينضح أفكاراً لن ترى النور، ويردد ما قاله عمه الملك "إدوارد الثامن": "كان كل شيء عبثياً"!!

 

 

twitter.com/amiraaboelfeto 

النقاش (0)