قضايا وآراء

نقاش الدين والتاريخ في ضوء آيا صوفيا

أحمد أبو رتيمة
1300x600
1300x600
ظهر كثير من الفرح بإعادة تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد، و قد كان واضحاً في حالة الجدل الكبير التي تبعت هذا القرار استدعاء التاريخ و المشاعر القومية، حتى إن أحزاباً و شخصيات تركيةً غير متدينة باركت هذه الخطوة، و هو ما يعني أنها قضية قومية أكبر من كونها مسألةً دينيةً.    

لا أرغب في الاستغراق كثيراً في هذه القضية تحديداً، فهي ليست أكثر من مفجر للنقاش، وأود الذهاب إلى إطار أوسع يتجاوز المثال. 

هل يمكن الفصل بين القومي و التاريخي من جهة و بين الديني و الروحي من جهة أخرى؟  

إن الأمم تستدعي الدين لتستمد منه مباركةً لطموحاتها و أهدافها، فالبشر عامةً، متدينين و ملحدين، يحتاجون إلى المقدس ليحظوا منه بشرعية أفعالهم البشرية، و من لم يرفع شعار الله فلن يعدم أن يرفع شعار العدالة أو الوطن أو الطبقة العاملة.  

فرح أي شعب أو جماعة بتحقيق نصر معنوي أو مادي هو فرح مفهوم في سياق التدافع الإنساني الطبيعي: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض"، فالله تعالى قدر في هذه الأرض سنة التدافع بين الأمم، و لم يشأ توحيد إرادتهم: " ولو شاء الله لجعلكم أمةً واحدةً"، و هذا التدافع يلبي حاجةً إنسانيةً إلى الانتماء و يغذي التنافس بين الأمم و يستفز طاقاتهم فينتج عن ذلك إعمار الأرض و نماؤها فلا تفسد.   

يشبه الأمر أن يفرح أحدنا بنجاح قريب له لأنه سيرفع ذكر العائلة، و حين سأل النبي صلى الله عليه و سلم سعد بن عبادة ماذا يجد في صدره حين حزن الأنصار من توزيع النبي الغنائم على الناس واستثنائهم رد سعد رضي الله عنه: "إنما أنا امرؤ من قومي"، والقومية أو الشعب هي العائلة الكبيرة التي يشاركها الفرد وجدانياً في أفراحها و أحزانها.   

لكن البشر كثيراً ما يميلون إلى الطغيان فلا يضعوا التدافع في سياقه الخيِّر بل يطمعون في أن يكون لهم نصيب من الألوهية الخفية في الأرض فيزعمون أن معاركهم القومية هي معارك الله، و أن الله سيكون معهم دائماً و سيكون ضد أعدائهم دائماً.  

الدين لا يحمل تحيزات قوميةً أو مشاريع استعلائيةً في الأرض، فالقرآن يقول بلسان عربي مبين: "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً و العاقبة للمتقين". 

لكن هذه الآية لا تطرب أسماع كثير منا، و يطربهم بدلاً منها قول الخليفة هارون الرشيد و هو يخاطب السحابة: أمطري حيث شئت فإن خراجك عائد إلي".  

تطربنا مقولة هارون الرشيد لأنها تستثير فينا نشوة العلو و الهيمنة على شعوب الأرض، بينما جوهر دعوة القرآن هو المساواة الإنسانية و الرحمة للعالمين: "تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم"، " ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله"، " و ما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين".  

هناك من يغضبه نقد الشخصيات التاريخية و يظن أن النقد السياسي و الأخلاقي لهارون الرشيد أو محمد الفاتح أو معاوية بن أبي سفيان هو استهداف لبناء الإسلام.  و هل بناء الإسلام من الهشاشة حتى لا يحتمل أي نقاش فكري تاريخي! 

إنك تشعر أن من المسلمين من يغالون في الدفاع عن تاريخهم و شخصياته و يصبغون عليه قداسة القرآن فلا يفرقون بين مبدأ قرآني منزل من عند الله و بين فعل تاريخي إنساني يحتمل الخطأ و تداخله حسابات السياسة و العصبية و الهوى.  

إذا كان القرآن ينتقد الصحابة الأوائل أنفسهم فيقول لمن شهدوا غزوة أحد: " منكم من يريد الدنيا و منكم من يريد الآخرة " فمن أين جئنا بكل هذا التقديس و التبجيل لكل الأفعال و الحوادث و الأقوال التي سجلها تاريخنا.  

تاريخ المسلمين هو تاريخ أمة من الأمم و لا يوجد أي ضامن قرآني له بالعصمة: " وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم"، فمن كان لا بد متحيزاً بقدر إلى تاريخ أمته فله أن يتناول حوادث التاريخ في ضوء سنن الاجتماع و السياسة و التدافع البشري و العوامل الجيو استراتيجية و ليس انطلاقاً من قداسة تلك الحوادث و منحها شرعيةً دينيةً. 

يحذرنا القرآن من مرض وقع فيه من كان قبلنا من اليهود و النصارى الذين ظنوا أن لهم امتيازات خاصةً عند الله ليست لغيرهم من الأمم: " و قالت اليهود و النصارى نحن أبناء الله و أحباؤه"، فيرد القرآن عليهم و على كل من يتسلل إليه شعور مشابه: "قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق". 

إن الله تعالى ليس متحيزاً ثقافياً أو طائفياً أو قومياً، فالله رب العالمين، و برهان التعالي الإلهي على تحيزاتنا القومية و الطائفية هو أن كل أمم الأرض تخضع لذات السنن الإلهية دون محاباة، و الله تعالى يعذب اليهود و النصارى و البوذيين و المسلمين بذنوبهم، و لا ينبغي أن يتبادر إلى عقولنا أن المقصود بالعذاب الإلهي في الآية الأخيرة عذاب النار الأبدي يوم القيامة، إنما المقصود به عواقب أفعالنا الخاطئة في الدنيا، فالهزيمة و الفقر و التفكك الاجتماعي و العجز الحضاري و فقدان الأمن المجتمعي هي تجليات للعذاب الدنيوي الذي يصيب الأمم بذنوبها.    

"قل فلم يعذبكم بذنوبكم" لو كان الله متحيزاً للمسلمين في هذه الدنيا فلماذا لم يكن تاريخهم نصراً و صعوداً و تمكيناً دائماً؟  

يقول المفكر خالص جلبي في كتاب "النقد التاريخي":  

"في الوقت الذي كان فيه السلطان العثماني بايزيد خان الأول يتأهب لغزو أوربا بحملة قوامها نصف مليون جندي، تحركت عاصفة عسكرية أشد هولا، ومن نفس العرق التركي والدين الإسلامي، وبسبب تاريخي تافه، يقودها (تيمور لنك)، ليحطم الطموحات العثمانية الجنينية للسيطرة على أوروبا في معركة أنقرة في 20 يوليو عام 1402م، وليوقف المد الإسلامي، ولينقذ جنين الحضارة الغربية." 

يتساءل خالص جلبي عن هذا الارتطام الأعمى بين قوتين إسلاميتين لتنجو وتولد حضارة غير إسلامية: هل هو مجرد مصادفة عبثية؟  

"لماذا حال تيمور لنك دون قيام بايزيد بنشر الإسلام في قلب أوربا..؟ والجواب لكي تتابع أوروبا المسيحية جهدها الحضاري الذي لم يكن العالم الإسلامي بقادر عليه منذ القرن الرابع عشر، حيث كان في نهاية رمقه. إن سيف تيمور لنك هو الذي شق الطريق أمام الحضارة الغربية الوليدة وسط أخطار الغروب التي كانت تخيم على العالم الإسلامي". 

هذا التفسير مريح لأنه يظهر ربوبية الله تعالى للعالمين و ليس للمسلمين وحدهم، و أنه يرعى بذور الخير الكامنة في أي أمة من الأمم حتى يخرجها من الخبء، و يسير التاريخ بتدبير محكم فيعز أمماً و يذل أخرى ليدفع باتجاه نمائه. 

وفي موطن آخر من الكتاب يورد المفكر جلبي مثال الحصار العثماني لفيينا بربع مليون جندي في عصر السلطان محمد خان الرابع في عام 1683م  لكن ذلك الحصار فشل و نجت فيينا من التوسع العثماني "فقد كانت حملة العثمانيين على فيينا عسكريةً في الوقت الذي كان فيه التفوق الغربي تفوقاً حضارياً، وفي نفس العام الذي مات فيه السلطان محمد خان الرابع (1687م)، كان إسحق نيوتن يكتب كتابه "الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية"، الذي لم يكن سوى القفزة النوعية في تاريخ العقل الإنساني".  

إن تمجيد التاريخ في كل محطاته هو مناقض للقرآن، فالقرآن يقول إن ما يصيبنا هو من كسب أيدينا ومن عند أنفسنا "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم" وإن الله يعاقب الناس على الظلم و الترف و الإفساد، فإذا كان تاريخ المسلمين صواباً دائماً فكيف سنفسر الهزائم الحضارية المروعة في الأندلس و بغداد و سقوط الخلافة العثمانية؟  

في الوقت الذي لن ننفك فيه عن تحيزاتنا البشرية التي نرضعها مع حليب أمهاتنا من أجواء الثقافة المعبأة، فإن من الضروري تحرير الدين من هذه التحيزات ، كي لا نضيق فسحة الدين فالله لم يشترط على عباده اصطفافاً طائفياً أو ثقافياً كي يدخلوا في دائرة رحمته، و لكن قال لهم آمنوا و اعملوا الصالحات. 

بوسع المرء أن ينتمي عاطفياً إلى الدوائر التي يجد نفسه فيها بحكم الولادة و النشأة فيفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم و يسعى لرفعتهم و مجدهم، لكن ما لا يسعه في دين الله أن يحيد عن الحق وأن يمارس الظلم و العدوان على الآخرين و أن يؤثر عمى التعصب على نور الحق و العدل. 
التعليقات (0)