قضايا وآراء

نداء التسلّح.. والصراع البارد

براءة الحمدو
1300x600
1300x600
مضى على توقيعها 30 عاماً، وكانت خطوة تاريخية مهمة، لأنها أعادت الأمن والسلام العالميين إلى المجتمع الدولي، وجمعت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية "رونالد ريغان" ونظيره السوفييتي "ميخائيل غورباتشوف"، وذلك إبان الحرب الباردة عام 1987.. هي معاهدة الحد من الصواريخ النووية متوسطة المدى، والتي نصت على تدمير الصواريخ التي يتراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر خلال مدة أقصاها ثلاث سنوات من توقيع الاتفاق، أي خفض الترسانة النووية لكلا البلدين. وقد أشرف على عملية التدمير حينها مجموعة من المفتشين الدوليين.

بعد عقود عادت المعاهدة إلى الواجهة السياسية، وبدا الانتهاك واضحاً لبنود الاتفاق في الأشهر الأخيرة، من قبل واشنطن وموسكو. ورغم دعوات "الاتحاد الأوروبي" المستمرة في الحفاظ على الاتفاق التاريخي، لكن واقع الحال يشير إلى بدء الصراع البارد مع احتمال مباشرة سباق التسلح بين الولايات المتحدة وروسيا.

وانسحبت الولايات المتحدة من معاهدة "الأسلحة النووية" رسمياً، كما أعلن وزير خارجيتها الأمريكي "مايك بومبيو" هذا الشهر. وعليه، انطلقت التجربة الصاروخية الأمريكية الأولى يوم الأحد 18 آب/ أغسطس، في جزيرة "سان نيكولاس" المشرفة على مدينة كاليفورنيا، وتكللت بالنجاح، الأمر الذي أغضب موسكو وبكين، على اعتبار أن موسكو طرف في معاهدة الحد من الأسلحة النووية، وبكين كونها تتقدم في النظام الدفاعي والتسليح، حيث يرجح المراقبون أنّ إنفاق الصين على التسليح بلغ 285 مليار دولار خلال عام واحد (2018– 2019)، وبذلك تتفوّق الصين على الإنفاق الروسي بـ85 مليار دولار.

والأمر الملفت للانتباه أنّ مسؤولين من الإدارة الأمريكية لم يُصرح عن أسمائهم؛ قالوا: انسحبت الولايات المتحدة من معاهدة الأسلحة النووية مع روسيا، لكنها تخطط لاتفاق جديد يضم "الصين" إلى الطرفين (الأمريكي الروسي)، مبررين بأنّ الانسحاب ليس هدفه انتهاك الروس لبنود المعاهدة (في نشرهم "صاروخ كروز" القادر على تهديد أوروبا، في جميع أنحاء روسيا)، بل بسبب تقدم "الصين" في الأنظمة الصاروخية والتسليح في الآونة الأخيرة، حيث أرجع الخبراء تخوّف واشنطن من الصين لوجود سفن أمريكية في بحر الصين الشرقي والغربي، وأنّ الصواريخ الصينية الموجودة على البر يمكن أن تستهدف السفن الأمريكية في بحر الصين عند "تايوان" و"هونج كونج". فإمداد السفن الأمريكية بما تحتاجه (نجدات عاجلة) يمرّ من كوريا الجنوبية أو اليابان (وهذه الدول منافسة للصين، عدا عمّا أكّدته المصادر الأمريكية لوكالة "رويترز" العالمية بأنّ الولايات المتحدة تريد بيع صفقة طائرات ودبابات وصواريخ متطوّرة بقيمة ملياريّ دولار إلى تايوان، وتتضمن 66 طائرة من طراز "إف 16"، و108 دبابات من طراز "أبرامز"، و1240 صاروخاً مضادّاً للدّروع من طراز "تاو"، و250 صاروخاً مضاداً للطائرات من طراز "ستينغر" الذي يحمل على الكتف). والمشكلة أنّ الإمداد يستغرق وقتاً من ستة إلى ثمانية أيام للوصول، لهذانجد الولايات المتحدة متخوفة من توسع الصين اقتصادياً وعسكرياً، مما يجعلها تسارع في البدء بتجاربها غير المحدودة ومقيدة.

على ضوء إعلان الانسحاب الأمريكي من المعاهدة رجح الخبير في الشؤون الروسية د. فراج أبو النور، بأنّه سيندلع سباق تسلح ضخم بين أمريكا وروسيا، من خلال نشر شبكة جديدة من الصواريخ الأمريكية متوسطة المدى في أوروبا، تستطيع أن تصل لقلب روسيا، وبالتالي ستتخذ موسكو موقفاً مماثلاً، حتى لا تعلن واشنطن تفوقها عليها، وهذا ما سيجعل "بوتين" يحمّل اقتصاده ضغوطاً كبيرة. وعلاوة على ذلك ستصبح أوروبا ساحة للحرب النووية الممثلة بين البلدين، مما سيخلق أزمة وتهديدا أمنيا على السلام العالمي.

ختاماً ومن خلال ما سبق، أعتقد بأنّ العالم ينحو باتجاه حرب أمنية وعسكرية في ظل انتشار أمن المعلومات واستراتيجيات التسليح المتطوّر. فالولايات المتحدة تحاول الحفاظ على أحاديتها القطبية؛ لأنّ روسيا استعادت أنفاسها بعد تدخلاتها في ملفات ساخنة كالملف السوري، وتموضع قواعدها (البحرية والجوية) في سوريا، وتحالفها مع "تركيا" في عدة اتفاقات كون الأخيرة شريكة لروسيا في الملف السوري، والوسيط بينها وبين المعارضة السورية بفرعيها العسكري والسياسي. وما اتفاقات "آستانة وسوتشي" إلا دليل كبير على ماهية التّحالف الروسي التركي. وما خفي في " سوتشي" أعظم وسيفاجأ به الشعب السوري، خصوصاً منطقة "إدلب" تحت النار. أمّا عن الصين، فهي الخطر الاستراتيجي الذي يربك الولايات المتحدة الأمريكية، لهذا تعمد أمريكا إلى نقض اتفاقاتها النووية السابقة سواء مع روسيا وإيران، لتكون القطب الأوحد الذي يستنزف قدرات وطاقات المنافسين لها دولياً.
التعليقات (0)