سياسة عربية

دراسة: "المقاطعة" بالمغرب.. احتجاج بالاقتصاد ضد السياسة

عاش المغرب انطلاقا من 20 نيسان/أبريل 2018 حملة مقاطعة اقتصادية شملت ثلاث شركات كبرى ـ أرشيفية
عاش المغرب انطلاقا من 20 نيسان/أبريل 2018 حملة مقاطعة اقتصادية شملت ثلاث شركات كبرى ـ أرشيفية

ذهبت دراسة جديدة أن حملة المقاطعة التي عرفها المغرب قبل عام من الآن، ترمز إلى نوع من الاقتصاد الريعي المرتبط بعلاقات مع نخب سياسية ورجال أعمال، كما أنها تقرأ أيضا باعتبارها شكلا من أشكال النشاط السياسي.


الدراسة التي نشرها المعهد المغربي للدراسات السياسية، الأحد 5 أيار/مايو الجاري، واختار لها عنوان "(خليه يريب) حملة المقاطعة وتمكين دور المواطن العادي"، وحملت توقيع مدير المركز محمد مصباح.

حملة غامضة

وسجلت الدراسة أن "حملات المقاطعة الأخيرة بالمغرب شكلت حدثا استثنائيا غير مسبوق في تاريخ المغرب السياسي المعاصر. ففي سابقة هي الأولى منذ الاستقلال، اتفق الملايين من المغاربة على مقاطعة شركات محددة وتحدي شكل من أشكال الاقتصاد السياسي في البلاد من خلال توحيد إرادتهم وعدم الكشف عن هويتهم لوسائل التواصل الاجتماعي".


واعتبرت أن "حملة المقاطعة هذه الأكثر شعبية بخلاف نظيراتها السابقة؛ ففي غضون أسبوع من إطلاقها (20 أبريل 2018)، وصلت هذه الحملة إلى مسامع أكثر من تسعين بالمائة من المغاربة، فيما شارك فيها حوالي ثلاث أرباع الساكنة بشكل من الأشكال في هذه الحملة. ومن مجموع الداعمين لهذه الحملة، قاطع حوالي 95 بالمائة شركة "سنطرال دانون" للحليب ومشتقاته، و78 في المائة قاطعوا شركة "سيدي علي" للمياه المعدنية، فيما 52 في المائة قاطعوا شركة أفريقيا. فئة الشباب هم الذين تصدروا هذه الحركات الاجتماعية بامتياز؛ إذ كان حوالي 95 في المائة من الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة على علم بهذه المقاطعة، ضمنهم 70 في المائة منهم شاركوا فيها بشكل فعال، فيما تصل النسبة لحوالي 31 في المائة بالنسبة لغير الشباب (فوق 55 سنة)".


ميزة الحملة
وأفادت الدراسة "لقد شكلت حملة المقاطعة المغربية للعام 2018 نموذجا مثاليا لمدى الدينامية السياسية للتعبئة الاجتماعية من أسفل، واعتبار ذلك مؤشرا على تنامي جيل جديد من الحركات الاجتماعية بالمغرب؛


– فهي حركة واضحة للعيان، وامتدت لشهور وحققت انتصارا عندما قررت شركة سنطرال دانون تخفيض ثمن مبيعاتها.


– تحدت أنماط القمع التقليدية التي تستعملها السلطات لتطويق المعارضة، باعتبارها تميزت بنوع من المرونة والسلاسة وفي قدرتها على توسيع دائرة المقاطعة، مما جعل السلطات عاجزة على فكّ المقاطعة بالطرق التقليدية.


– وأظهرت أنها ليست مجرد وسيلة للتضامن مع المستهلك، بل هي طريقة لخلق دينامية سياسية على اعتبار أنها استطاعت أن تحرك شريحة واسعة من المواطنين وتوحدهم على قضية منظمة، وتسهم في التأثير على السياسات خارج الأنماط التقليدية المتعارف عليها لدى المؤسسات السياسية العادية".


بنية الفرص المتاحة
وتابعت "يبدو أن مفهوم بنية الفرص المتاحة يصلح لدراسة حركة مقاطعة المنتوجات المغربية التي حدثت سنة 2018، والتي بالمناسبة بدأت بوادرها منذ سنة تقريبا. إلا أن زخمها ازداد عندما سمحت لذلك الفرصة السياسية التي انفتحت بعد شهر نوفمبر من العام 2016، حيث ارتفع منسوب الغضب والتشنج في صفوف المغاربة بعد حادثين رئيسين:
– تمثل الأول في حادث ما بات يعرف "بالبلوكاج السياسي" الذي انطلق بعيد انتخابات العام 2016 عندما انتخب رجل الأعمال البارز عزيز أخنوش على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، وتمكنه من إفشال تكوين ائتلاف حكومي يترأسه رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله ابن كيران بعدما تصدر حزبه للمرة الثانية نتائج الانتخابات، وهي العملية التي أدت إلى عزل ابن كيران من طرف الملك".


– أما الثاني، فكان حادث موت بائع السمك محسن فكري بتاريخ 28 أكتوبر 2016 داخل شاحنة لنقل الأزبال والنفايات بعدما أقدمت السلطات المحلية على مصادرة عربته محملة بالأسماك، وهو الحادث الذي أجج مظاهرات واسعة في الريف وباقي المناطق. ولقد عزز هذا الحادث من الاحتقان السياسي الذي بدأت بوادره مع حادث البلوكاج السياسي لبنكيران، وساهم في تزايد حدة المتظاهرين، إلا أن الدولة تعاملت بصرامة قصوى معها بعدما قامت بشن حملة اعتقالات واسعة في صفوف متظاهري الريف بزعامة ناصر الزفزافي الذي اعتقلته السلطات بمعية 22 اَخرين بتاريخ 22 ماي 2017".


وشددت "يساعدنا هذان الحدثان البارزان في تفسير الانتشار الواسع لحركة المقاطعة لدى شريحة واسعة من المواطنين، ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تستطع لوحدها أن تفسر انتشار حركة المقاطعة في صفوف العديد من المواطنين، بل الذي سيساعدنا في فهم انتشار هذه الحركة الاحتجاجية بشكل رئيسي هي الفرصة السياسية التي أتيحت سنة 2017 بعد تجربة البلوكاج وكدا موت محسن فكري ثم خروج المواطنين في كل ربوع المملكة".

 

اقرأ أيضا: حملات واسعة بالمغرب لمقاطعة منتجات بسبب ارتفاع الأسعار (شاهد)

 
استراتيجيات المقاطعة
اعتبرت الدراسة أن "حركة مقاطعة المنتوجات المغربية بكونها حركة اجتماعية فريدة من نوعها، حيث وبخلاف باقي الحركات النضالية الأخرى، لم تكن لها قيادة هرمية واضحة، وبكونها كذلك طوّرت أساليب عقلانية للممارسة الاحتجاجية لم تعهدها سابقاتها من الحركات التقليدية. فلقد اختارت بعناية الشركات المراد مقاطعتها، ويرجع استهداف حركة المقاطعة المغربية لثلاث شركات محددة إلى سببين رئيسين:


– تمكن هذه الشركات من الهيمنة على الأسواق الاستهلاكية، بحيث تغطي منتوجاتها أكثر من 50 في المائة من مجموع المنتوجات المتاحة في الأسواق المغربية. وسمحت لها وضعية الهيمنة هذه من فرض الأثمان التي تناسبها والتحكّم فيها بعيدا عن شروط المنافسة العادلة. وهذا ربما يبدو أمرا بديهيا ومستساغا في ظل غياب دور مجلس المنافسة الذي ومنذ العام 2013 بقي منصب مديره شاغرا في انتظار تنصيب مدير جديد من طرف الملك وذلك بعدما ثَمّ توقيف المدير السابق".


– ارتباط هذه الشركات العملاقة بعلاقة وثيقة مع النظام؛ بحيث يرتبط عزيز أخنوش (صاحب شركة أفريقيا غاز) ومريم بنصالح (مالكة شركة سيدي علي) بعلاقات قوية ومقربة مع القصر. وقد اُعتبرا من كبار رجال الأعمال المرتبطين والتابعين للدولة، فهم يبادلون النظام الطاعة والولاء سياسيا لكنهم شرهين إلى الاغتناء اقتصاديا".


تأطير بالطريقة المغربية

بدأت دعوات المقاطعة للمنتوجات المغربية السالفة الذكر عبر وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك، واتساب وغيرها) تحت وسم أو هاشتاغ "خليه يريب/ دعه يفسد". وبحلول شهر ماي من العام 2018، ارتفع صدى هذه الدعوات ووصل إلى أسواق السمك بسبب ارتفاع أثمنتها، حيث ظهر كذلك هاشتاغ "خليه يخنز/ دعه يتعفن" أو "خليه يعوم/دعه يسبح وانتشر بشكل واسع بين مرتادي وسائل التواصل الاجتماعي".

 

وتعتبر هذه الاستراتيجية التي تعتمد بالأساس على وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة فعالة في التعبئة لحملة المقاطعة، بحيث يقوم النشطاء مجهولي الهوية بتحديد أهدافهم وبنشر "الوسوم/هشتاغ" والتغريدات وجعلها تنتشر بين صفوف المواطنين وباقي النشطاء الذين يظلون بعيدين عن الفضاءات العمومية".

 

اقرأ أيضا: فن المقاطعة.. إبداع المغاربة في مقاومة جشع الشركات (شاهد)

 
انتقام الطبقة الوسطى

ومضت الدراسة تقول "عبرت حركة مقاطعة المنتجات المغربية المستمرة عن تغير في العادات الاستهلاكية للمغاربة، إذا أخذنا في الاعتبار أن شريحة واسعة من ساكنة المغرب تنتمي إلى الطبقات ذات الدخل المنخفض أو المتوسط. وتقلص كذلك الضغط الاجتماعي على بعض الأسر المغربية التي كانت ترى في طلب الدين ضرورة ملحة من أجل العيش الكريم، بل أصبحت تتكون لديهم قناعة مفادها أن الدخل المحدود ليس عائقا أمام عيش حياة مريحة".


وسجلت "تعكس حالة التغير في العادات الاستهلاكية تحولا داخل المجتمع المغربي نفسه، كما تعكس كذلك الأزمة التي يعانيها السلم الاجتماعي. إذ أصبحت الساكنة المغربية أكثر تمدنا وشبابها أكثر تعلما، وارتفعت نسب البطالة في صفوف شباب المناطق الحضرية حيث وصلت 40 في المائة في بعض المناطق"".


واستطردت "لقد صار من المعروف في المغرب وباقي دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن الشباب الأكثر تعلما هم الأكثر عرضة للبطالة، بحيث أصبح أكثر من الثلث من حاملي الشهادات عاطلين عن العمل ضمن نفس الفئة العمرية. وأمام تفاقم هذه الوضعية، ازداد القلق والتوتر في صفوف شباب الحواضر وذلك بسبب عدم استطاعة الحكومات مواكبة هذا التحول البنيوي في الاقتصاد، وكذا نتيجة لتزايد تكلفة المعيشة"".


نتائج سياسية
 
وزادت الدراسة "بتحليل لنتائج حملة المقاطعة، يتبين أنها أججت حزمة من ردود الأفعال المختلفة. فمن جهة، ساهمت في تغيرات سياسية واقتصادية على السواء، فقد فقدت الثقة في الحكومة وفي قدرتها على حماية المواطنين، كما أدت هذه الحملة من جهة أخرى إلى إقالة العديد من الوزراء وإرغام أحد الشركات الثلاثة على تخفيض أسعار منتوجاتها. لقد أظهرت حملة المقاطعة في المحصلة، كيف يمكن للمواطن العادي أن يؤثر في السياسات في ظل نظام تسلطي وبأقل الخسائر".


و"لم يصدر عن القصر أي موقف رسمي بخصوص قضية مقاطعة المنتوجات سالفة الذكر. كما تباينت ردود أفعال الحكومة اتجاه حملة المقاطعة، وتميزت بالارتباك والتناقض وهو ما حير عديد المتتبعين للشأن المحلي".


وأضافت "لقد زاد المقاطعون من حدة حركتهم واتخذوا مواقف أكثر راديكالية خصوصا بعدما شهدوه من مواقف الحكومة وأعضائها المتباينة؛ فلقد شدد نشطاء حملة المقاطعة، على سبيل المثال، من لهجتهم اتجاه وزير الحكامة السيد لحسن الداودي عندما أقدم على التظاهر مع بعض عمال شركة سنطرال دانون ضد حملة المقاطعة، وطالبوا بتقديم استقالته. وأمام استمرار الضغط عليه في العالم الافتراضي، قدم الداودي بعد أيام قليلة استقالته للقصر الملكي، ويبدو أن القصر لم يتقبل هذه الاستقالة، ورغم ذلك فلقد فقد السيد الداودي مصداقيته في أعين المواطنين بما فيهم أعضاء من حزبه".
وذهبت "ساهمت حملة المقاطعة كذلك في تهميش وزير الفلاحة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار السيد عزيز أخنوش، بعدما اعتبر شهورا قبل ذلك بالوزير الخارق داخل الحكومة. وقام حزب التجمع الوطني للأحرار بإلغاء سلسلة لقاءات كانت مقررة مع برلمانيه قبل أن يعود رئيس الحزب للواجهة في لقاء عمومي مع شباب الحزب بتاريخ 22 سبتمبر 2018. ولقد تنبأت بعض وسائل الإعلام بموت السيد أخنوش سياسيا بعد هذه الأحداث، إلا أن هذه التنبؤات كانت مبالغة نوعا ما، على اعتبار أن السيد أخنوش مازال قويا ومدعوما من طرف القصر، بل إن حملة المقاطعة لم تنجح في إسقاطه باعتباره أحد أهم أهداف الحملة الرئيسيين. وبتاريخ 20 أكتوبر من نفس السنة، سيظهر السيد أخنوش بمعية الملك في لقاء خاص لمناقشة التشغيل الفلاحي".


وعاش المغرب انطلاقا من 20 نيسان/أبريل 2018 حملة مقاطعة اقتصادية شملت ثلاث شركات كبرى، تهم كلا من شركة أفريقيا غاز للمحروقات، وشركة سيدي علي للمياه المعدنية، ثم شركة سنطرال دانون للحليب ومشتقاته. 

التعليقات (0)