قضايا وآراء

هل تندلع حرب بين المغرب والبوليساريو في الصحراء؟

بلال التليدي
1300x600
1300x600

ثمة حالة من الترقب والغموض بخصوص تطورات الوضع في الصحراء، فالديناميات الدبلوماسية والسياسية المغربية تسير بشكل متواز مع الاستعدادات العسكرية التي بلغت درجة من الجاهزية غير المسبوقة على مدار أكثر من عقد من الزمن، ومنذ الإعلان عن المقترح المغربي للحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية سنة 2007.


المغرب يملك معطيات دقيقة حول تحركات جبهة "البوليساريو"، وإقدامها على وضع الأسس لبنيات مدنية وعسكرية في المنطقة العازلة، ولذلك يتحرك بشكل دبلوماسي كثيف يعرض فيه ما يملك من صور التقطها القمر الاصطناعي تؤكد روايته، ويثبت مشروعية مواقفه، وجدية عزمه على التحرك العسكري لإعادة الأمور إلى نصابها في حالة ما إذا لم تتحمل الأمم المتحدة مسؤوليتها في إصدار قرار يدين "البوليساريو" في الموضوع.


الجزائر توجد اليوم في وضع حرج، فمن جهة، لا تستطيع أن تنتصب طرفا في الموضوع، لأن ذلك يورطها فيما تحاول دائما أن تتنكر له، ومن جهة ثانية، فهي لا تجد أي ذريعة لتبرير دور يعاكس الإرادة المغربية في الموضوع. ولعل هذا التحديد ما يفسر تركيز الدبلوماسية الجزائرية كل مرة على الإجابة على اتهامات المغرب بخصوص ضلوعها في الملف، وكونها لا تشكل طرفا في الصراع بين الطرفين.


من زاوية تكتيكية، فالنجاح في إحراز تغيير على الأرض بالنسبة لجبهة "البوليساريو" بالتحول من "تندوف" إلى المنطقة العازلة، يمثل خطرا استراتيجيا بالنسبة للمغرب لاسيما بعد أن نجح في السنة الماضية في كسب معركة الكركرات وجر المنتظم الدولي إلى إدانة "البوليساريو" وتحصين التجارة الدولية العابرة إلى إفريقيا عبر هذا الممر. فهذه الخطوة التكتيكية، تقصد "البوليساريو" من ورائها ضمان التماس المباشر مع الأرض، وخلق جسور تواصل مباشرة مع "بوليساريو" الداخل، ومحاولة زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي في الأقاليم الجنوبية وبخاصة العيون، وإفشال استراتيجية المغرب في تنزيل نموذجه التنموي الجديد في الأقاليم الجنوبية.


المغرب من خلال مواقفه الرسمية الحازمة والرادعة، يظهر قدرا مهما من القلق من هذه التطورات، ويدرك جدية هذه التحديات وخطورتها التكتيكية وأيضا الاستراتيجية وتأثيرها على شكل إدارته للملف. لكنه في المقابل، يملك أوراقا كثيرة لتحويل هذا التكتيك الذي لجأت إليه "البوليساريو" إلى نقطة انتصار سياسي ودبلوماسي. فمن جهة، فتكتيك "البوليساريو" الذي ترعاه الجزائر وتدعمه، يضع المنتظم الأممي أمام مسؤولياته، ويضرب المحددات التفاوضية التي تم الاتفاق عليها بين الطرفين، والتي توجب أن تبقى هذه المنطقة عازلة، وتلزم الأطراف بعدم التحرك فيها فضلا عن إقامة أي بنيات مدنية وعسكرية بها.

 

ومن جهة أخرى، فمعطيات الأرض والخارطة الجيوسياسية، فضلا عن التطور التكنولوجي الذي أحرزه المغرب في الشهور الأخيرة بإطلاق قمر اصطناعي بشراكة مع فرنسا، تجعله يراقب بشكل دقيق وضع هذه المنطقة، والتطورات التي تحصل بها، والتكتيكات التي يتم اللجوء إليها، كما تجعله أقدر على حسم الموضوع في حالة عدم تسويته دبلوماسيا وسياسيا داخل المتنظم الأممي، بضربة عسكرية خاطفة، يرجح أن تداعياتها لن تكون مكلفة بشكل كبير على المغرب سيما وأن دبلوماسيته قدمت فرشا كثيفا بالحجج والدلائل التي تثبت مشروعية مطالبه.


التطورات لحد الساعة، والمخرجات المؤقتة التي ظهرت في تقرير المبعوث الخاص للأمين العام ألأممي، والتوازن الذي طبع تقريره، تؤشر على أن أسلوب المغرب في إدارة الصراع يسير بشكل ناجح، والتقدير أن مزاوجة المغرب بين تنشيط دبلوماسيته بجولات وزير الخارجية في عدد من عواصم العالم لتوضيح الموقف المغربي، وفي الوقت ذاته، رفع جاهزيته العسكرية للتدخل لإعادة الوضع إلى ما كان عليه في السابق، وتفكيك البنيات التي أحدثتها "البوليساريو في المنطقة العازلة، وسياسية ضبط النفس وعدم الإقدام لحد الساعة على أي ضربة عسكرية، كل ذلك، يشير إلى أن المغرب لا يزال ينتظر موقفا حازما للأمين العام، ينعكس في قراره المنتظر، ويضع الأمم المتحدة أمام مسؤولياتها، ويعذرها بخصوص أي تدخل عسكري يعتزم القيام به لتصحيح الوضع.


السيناريوهات المتوقعة، ليست كثيرة. والراجح أن الأمين العام سيتجه إلى نزع فتيل الحرب، من خلال إصدار قرار شبيه بالقرار الذي تم اتخاذه سابقا بخصوص تحرش "البوليساريو" بطريق الكركرات، فمثل هذا القرار هو الذي سيبرر استمرار الأمم المتحدة في إدارة هذا الملف بنفس الشروط السابقة، وتجديد شرعية المحددات التفاوضية التي تم الاتفاق عليها بين الطرفين للتوصل إلى حل سياسي متوافق حوله. ما عدا هذا القرار، فالسيناريو القريب أن لا يتردد المغرب في توجيه ضربة عسكرية ذات طبيعة سريعة تعيد المنطقة العازلة إلى وضعها الصحيح، وتقوم بمهمة الردع، وسد الإمكانية التكتيكية مستقبلا أمام "البوليساريو" حتى لا تقدم على إعادة التفكير مرة أخرى في هذا الخيار لكسب نقاط على الأرض أو تغيير موازين القوى لصالحها.


صحيح أن للتدخل العسكري تداعياته، وصحيح أيضا أن الجزائر لن تبقى مكتوفة الأيدي في مواجهة هذا الخيار، لكن، في كل الأحوال، فإن أقصى ما يمكن أن يتم من طرف الجزائر هو تحرك دبلوماسي نشيط لمحاولة التأثير على المنتظم الدولي لدفعه لإدانة الخيار العسكري الذي لجأ إليه المغرب، وهو الحراك الذي يرجح أن لا تكون له نتائج مؤثرة في السياق الدولي والإقليمي الحالي. أما خيار الرد العسكري الجزائري، ففضلا عن كون شروطه غير ممكنة، وكلفته جد باهظة بالنسبة للجزائر التي تتذرع دائما بكونها ليست طرفا في هذا النزاع، فإن الوضع الداخلي للجزائر، كما الوضع الاقتصادي لا يشجعها لخوض مثل هذه المغامرة، ولذلك الأرجح، أن تميل إلى محاولة استثمار الضربة العسكرية المغربية المفترضة لشن حراك دبلوماسي واسع للإضرار بالمصالح المغربية وبشكل خاص قضيته الحيوية.


السيناريو الأقرب إلى الوقوع، هو أن يكثف المغرب ضغطه الدبلوماسي وجاهزيته العسكرية للضغط على الأمم المتحدة لإصدار قرار أممي، يدين "البوليساريو"، ويعيد التأكيد على المحددات التفاوضية الأممية، ويجدد لبعثة المينورسو لسنة أخرى إضافية، ويشدد على وضع المنطقة العازلة، وضرورة تفكيك كل البنيات التي تم إقامتها فيها، وضرورة الحفاظ على وضعها كمنطقة عازلة تحت مراقبة بعثة المينورسو.

0
التعليقات (0)