كتب منير شفيق: مرّة أخرى، ربما الرابعة أو الخامسة، يعود دونالد ترامب، إلى قلب "الطاولة"، أو الانتقال بالحرب (العدوانية) ضدّ إيران، من مسار التفاوض إلى التهديد بحرب حاسمة. فقبل أسبوع، تقدّم وزير خارجية إيران عباس عراقجي، بمشروع لفتح مفاوضات، من خلال الوسيط القطري. وقد تم لقاء لثلاث ساعات، وصفه ترامب نفسه، بالمثمر والإيجابي.
منير شفيق يكتب: البعض يقلّل من أهمية أن يُصاب زعيم دولة، حتى لو كانت بقوّة الولايات المتحدة الأمريكية، بالعزلة، أو بانتشار رأي عام ناقد لها، أو مستهزئ بها. فهذا التقدير يخطئ كثيراً، حين يقلل من أهمية تدهور سمعة دولة عالمياً، أو حين تُنبذ من قِبَل الرأي العام. أما الدليل، فيكفي أن يُلاحظ ما تضعه الدول من ميزانيات إعلامية كبيرة، لتبييض صورتها، وإبراز موقع رئيسها، ودوره، واتسّاع التأييد له، والإعجاب به
منير شفيق يكتب: بغض النظر عما يمكن أن يقوّم به مختلف المحللين هذه التطورات، وكيفية تناولها أو قراءتها، فإنها عملياً، من ناحية واقعية، متجهة إلى الأزمة الاقتصادية. هذا، إذا لم يُصر إلى نوع من الاتفاق المسبق، كما يسعى الوسطاء، الذين ساهموا من قبل في التوصل، إلى ما يشبه "اتفاق مذكرة التفاهم"- اتفاق جنيف
منير شفيق يكتب: ما إن فُتح المضيق، وتأمنت حريّة الملاحة من جانب إيران، و"عُززت" فوراً بفتح الممر الجنوبي المحاذي لشواطئ عُمان، حتى تراجع ترامب عن الاتفاق، وتنكّر لكل بنوده التي وقع عليها. وقد تبين، بما لا يقبل الشك، أن السبب الذي دفعه لتوقيع الاتفاق، كان خوفه من اندلاع حالة ركود اقتصادي عالمي، شبيه بالذي حدث عام 1929 ودخوله الثلاثينيات، وهو ما أعلنه بنفسه لاحقاً
منير شفيق يكتب: التطوّر الأخير، بالعودة إلى الاشتباكات العسكرية، هو الذي سيترك أثره الحاسم، في إغلاق مضيق هرمز، ليعود خطر اندلاع أزمة ركود اقتصادي عالمي، لا قِبَل لأمريكا على احتمالها. بل إن بروز بوادر إلى اقتراب وقوعها، هو الذي فرض على ترامب التوقيع على مذكرة التفاهم في جنيف، من أجل فتح حريّة الملاحة من مضيق هرمز. وبالفعل لم يكد يُفتح ويبتعد خطر الركود الاقتصادي العالمي، حتى تراجع ترامب، وسحب توقيعه على الاتفاق
بالرغم من رفض نتنياهو لخريطة الطريق كلها. وبالرغم من موافقة الفصائل الفلسطينية على ما تضمنته، من تنازلات ثقيلة، ودعم الوسطاء المصري والقطري والتركي لتنفيذها، وتأييد ترامب لها، تراجع ملادينوف عنها تغطية لعزلة نتنياهو.
منير شفيق يكتب: بأي منطق يُقال إن الحرب تحوّلت من العمليات العسكرية، إلى فرض العقوبات الاقتصادية؟ إن الحصار العسكري للموانئ، والتهديد بإيقاف أيّة باخرة خارجة من، أو داخلة إلى ميناء إيراني، عبر إحكام السيطرة العسكرية الجويّة، يجب أن يُعتبر بأن الحرب العسكرية مستمرة. وهي أول ما يُقرأ من حصار الموانئ في الحرب العدوانية، التي شنتها أمريكا (بالتشارك مع الجيش الصهيوني في 28 شباط/فبراير 2026) وما زالت تشنها
خلال أسبوع واحد، فتح نتنياهو النار، بالقصف الفعلي واللفظي. وبتحدٍّ سافر للمستهدفين مباشرة، فلسطين ولبنان، وبتحدٍّ غير مباشر، عملياً، للدول العربية وتركيا، كما لدول العالم كافة، ولا سيما أمريكا (مع "الالتباس" بتواطؤ إدارة ترامب، مع بلطجته).
منير شفيق يكتب: لعل القضية التي أصبحت الأشدّ إلحاحاً، والأَوْلى مناقشة، هي الموقف من اتفاق، أو اتفاقات، وقف إطلاق النار. وذلك بالسماح، مهما كان الاضطرار، بأن يطبّق الاتفاق من طرف واحد، وهو الطرف الفلسطيني (صاحب القضية). أما الطرف الصهيوني المعتدي والمغتصب لفلسطين، والذي يمثله نتنياهو، فلا يلتزم باتفاق وقف إطلاق النار، ويستمر بالحرب، وارتكاب كل جرائم الاحتلال والإبادة، كما لو لم يكن ثمة اتفاق
منير شفيق يكتب: المهم في الوقت الراهن، في التعامل مع الاتفاق الذي يواجهه الشعب والمقاومة في غزة، أنه سيشكّل فضيحة لمؤامرة مجلس السلام العالمي، برئاسة ترامب، والمفبرك من ترامب نفسه
انتشرت حجة، تعتبر ما حدث من حرب إبادة، أسفرت عن مئات الألوف من الشهداء والجرحى، هو النتيجة الوحيدة التي ترتبّت عن عملية طوفان الأقصى والحرب، وذلك لنشر الهزيمة النفسية والسياسية. مما لا يسمح بالقول، أن العدو فشل في تحقيق أهدافه، أو حققت المقاومة انتصارات سياسية وعسكرية، أو أن الكيان الصهيوني، تدمّرت سمعته، وأن الرأي العام العالمي، ولا سيما في الغرب انقلب إلى إدانته، وإدانة اللوبيات الصهيونية المتنفذة، ومحاربتها. مما سيكون له التأثير الاستراتيجي في نهايته.
وقع اتفاق وقف إطلاق النار، بعد سنتين على الحرب البريّة، وحرب الإبادة البشرية، اللتين شنهما الجيش الصهيوني في غزة. وقد اتسّمت حربه البريّة، بالفشل في احتلال غزة، وبانتصار عسكري للمقاومة، من حيث صمودها، وانتقالها إلى الهجوم والمبادرة، في كل الاشتباكات الصفرية. وانقلبت حرب الإبادة، إلى دمار شبه شامل، لسمعة الكيان الصهيوني، على مستوى عالمي، ولا سيما في أمريكا والغرب، وحتى في أوساط واسعة، من الشباب اليهودي فيهما.
ثمة شبه إجماع، بين الذين قرأوا بنود الاتفاق، بأنها كانت، بمجملها، في مصلحة إيران. ولهذا ذهب بعض مؤيّدي ترامب، على انتقاده ولومه. وهنا يبرز السؤال، ما الذي أجبر، أو دعا ترامب إلى هذا التنازل؟ أو ما هي موازين القوى التي في مصلحة إيران قد أفرزت اتفاق جنيف؟
منير شفيق يكتب: ملايين المشيعين الإيرانيين أدخلوا في مشاركتهم في هذا التشييع المهيب عنصر قوّة جبارة في ميزان القوى، في مصلحة إيران في الحرب، لا يقلّ في أهميته وقوّته عن قوّة الصواريخ البالستية. وهي كافية لأن تلقف كل تهديدات ترامب، وجعلته يتذكر، في واحدة من تصريحاته الأخيرة، أن ثمة "91 مليون إيراني" في هذه الحرب
كاد يتشكّل شبه إجماع، في قراءة البنود التي تضمنها، اتفاق إنهاء الحرب، الذي سمّيّ اتفاق إسلام آباد. وكان من أهم بنوده، تكليف إيران بالإشراف على فتح مضيق هرمز، واستعادة حريّة الملاحة فيه، خلال الستين يوماً، المحدّدة في الاتفاق.
منير شفيق يكتب: ميزان القوى العام الذي أدّى إلى اتفاق إنهاء الحرب، ما زال بخطوطه العريضة مستمراً في المرحلة الراهنة. وسوف ينتج في حال العودة إلى اتفاق جديد، اتفاقاً ليس في مصلحة ترامب ونتنياهو، في الأقل، إن لم يجئ أكثر وضوحاً في مصلحة إيران