أحمد عبد الحليم يكتب: يجب تجاوز الذاتية الأيديولوجية والإقصاء المتبادل والاتفاق على برنامج مقاومة مشترك. هنا، الالتحام لا يعني تفكيك الأيديولوجيات (إسلامية، يسارية أممية، قومية عروبية)، بل تفعيل قواسمها المشتركة في سياق المواجهة الوجودية، عبر نبذ القُطرية البغيضة والأصولية الفئوية، والتوحد قوميا في فضاء إنساني رحب من القيم الأخلاقية الحقة، وذلك لترجمة المقاومة الثقافية والعسكرية في غزة ولبنان، والمنطقة العربية، إلى برنامج سياسي استراتيجي يقدم بديلا للهيمنة، وينهي الانفصال عن عامة الشعب وظروفه الفكرية والمعيشية
أحمد عبد الحليم يكتب: السُلطة حين تبني هذا الصرح الفخم لتراثنا هي تبني أيضا سورا عازلا بينها وبين المواطن؛ تماثيل الملكة نفرتيتي أو إيزيس تبدو في المتحف بأبهى حلةٍ، وقد أُحيطت بعنايةٍ استثنائية، بينما يبقى المصري الذي جاهد ونافح من أجله التاريخ هو الغائب الأكبر والتمثال الصامت
أحمد عبد الحليم يكتب: تصبح الثورة السياسية معطوبة سلفا إذا لم تسبقها ثورة على السلوك الإنساني، الذي هو ابن الاستبداد ومن ثم راعي بقائه. لا معنى لرفع شعار "الكرامة الإنسانية" في الميادين، بينما تُداس كرامة الإنسان في بيته أو محل عمله أو طابور الخبز، أو جلسات أصدقائه وعائلته. لذلك، فالتحرّر يبدأ من تصويب العلاقة بالآخر، من نزع العنف الرمزي من القول، من كسر شوكة العادة الظالمة، من الاعتراف بأن الكرامة لا تُنتزع فقط من السلطة، بل من تفاصيل نمارس فيها سلطوية بعضنا على بعض بلا مساءلة
أحمد عبد الحليم يكتب: الدولة التي تولد من النار، مهما بلغت من القوة، تظل مشدودة إلى ذاكرتها الدموية وإلى خوفها من عودة الفوضى. إن العنف الذي يمنحها المناعة هو ذاته ما يجعلها عاجزة عن التحول، لأن أي انفتاح أو تسامح يبدو لها تهديدا وجوديا. وبهذا المعنى، تبدو الأنظمة الثورية المستقرة كيانات محنطة أكثر منها كائنات حية؛ فهي تصمد، نعم، لكنها لا تتطور. إن ثمن البقاء في مثل هذه الأنظمة هو موت السياسة ذاتها، وتحويل المجتمع إلى صدى باهت لسلطة لا تعرف سوى الخوف والارتياب
أحمد عبد الحليم يكتب: في خضمّ حربها الإبادية، لم تعد إسرائيل مجرد دولة استعمارية إحلاليّة فحسب، بل أضحى كيانها متوحشا، ومتفننا في استباحة الأجساد، ينهشها بشكل ممنهج.. أجسادٌ أزاحها المحتل من مدار الإنسانية منذ وجوده، وبعد السابع من أكتوبر، نظر إليها باعتبارها مجرد "حيوانات بشرية"، كما صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي، أو زوائد على الحضارة يجب التخلّص منها. هي في أعينهم كائنات تُحاصَر بقوة في فضاء مغلق، لتُمارَس عليها أشكال متداخلة من التوحش الساديّ الإسرائيلي
أحمد عبد الحليم يكتب: في ظل حرب الإبادة الجارية على قطاع غزة، باتت صورة المثقف جامدة، ونُزعت منه إنسانيته، فإما أن يكون مثقفا مُشتبكا أو مهزوما، لا مفرّ من الأبيض والأسود
غيرت تكنولوجيا الكاسيت واقع المشهد الذي سيطرت عليه الدولة ومؤسساتها الرسمية من خلال احتكارها وسائل الإعلام ونشر الثقافة، بل خلقت مشهدا جديدا، فقد أصبح بمقدور أي شخص يمتلك جهاز للتسجيل التحول من مستهلك ثقافي إلى منتج للثقافة ذاتها، وكما يرى "بدر الرفاعي" مترجم الكتاب في مقدمته، أن هذا الإنتاج الجديد، شكَّل تهديدًا لمركزية التحكم في المنتج الثقافي من جانب الدولة وأجهزتها في القرن العشرين.
أحمد عبد الحليم يكتب: بعدما توفى الفنان اللبناني القدير زياد رحباني، انتشرت له مقاطع فيديو كثيرة، فلا خلاف على فنّه العظيم، ومُوسيقاه وكلماته، وأغنياته ومسرحياته. لكن كان ضمن هذه المقاطع حديثه عن السياسة، وهي رؤى عفوية بلا سياق منهجي أو حديث يتبنى دلائل. ولن أذكر هنا حديثه السياسي عن النظام السوري المجرم والبائد، لكن، مثلا، ضمن أحاديثه، كان حبّه وتأييده لزعيم الاتحاد السوفييتي السابق ستالين. بتفكير بديهي، هذا يتناقض تماما مع قضية فلسطين
أحمد عبد الحليم يكتب: ليس صحيحا أن الشعب المصري تخلّى عن أهل غزة، كذلك ليس صحيحا أنه تحرك بشكل كاف من أجلها، إذ وقف في المنتصف، ثار ولم يثُر، حاول ولم يحاول بشكل كاف، لأن محاولاته كانت ضعيفة مقارنة بحجم الإبادة التي يتعرض لها أهل غزة، وكذلك بحجم القمع الذي فرضه النظام المصري بقيادة السيسي
أحمد عبد الحليم يكتب: الذاكرة المنصفة مُتعِبة ومؤلمة، ولها أثمان باهظة، بما تدفعنا جميعا نحو مراجعة أنفسنا في كل ما نعتقد وننتمي ونمشي، وتأتي لنا بالتعب المُضاعف بما أنها تحتاج منّا إلى قراءات ومسارات مُنهكِة، ووعي ذاتي نقدي، يحارب التخنّدق وينقذنا من الرؤى المؤطّرة مُسبقا من قبل العائلات والتنظيمات والمؤسسات المُنتمين لها، تحديدا الصحف وسرديّاتها، وربما تضحيات أُخرى، كما تجعلنا نفهم، ونتفهم، كل المواقف الأخلاقية المركَّبة، والخطوط السياسة المبنية على الحقائق لا بروباغندا الخطابات، وأن الحياة أوسع من ثنائيات ضيقة
أحمد عبد الحليم يكتب: نحن أمام واقع هش للغاية للعمل التنظيمي السياسي الفلسطيني، هذا الواقع من أجل التغلب عليه يحتاج إلى مزيد من العمل، البناء وإعادة البناء مرة أُخرى، وعمل المراجعات والبحث بشكل جاد وصادق لتاريخ التنظيمات الفلسطينية، ومحاولة التعلم من الماضي، وامتلاك وعي نقدي ذاتي للواقع أو للماضي، للمضي نحو المستقبل بكامل تحدّياته غير الهيّنة
أحمد عبد الحليم يكتب: لماذا في وقتنا الحالي لا نفكر في إعادة تأسيس تنظيمات سياسية أخرى، نعمل من خلالها لتحقيق مفاهيم الحرية والتحرر، ونتعلم مِن أخطاء مَن سبقونا؟ ولماذا صِرنا نكتفي بقراءة الماضي وسرده في برامج البودكاست وكتابة المقالات دون أن نمارس السياسة في حاضرنا؟
أحمد عبد الحليم يكتب: انسحقت الشعوب أمام قمع الأنظمة، هذه حقيقة، ومورست عليها أشكال مختلفة من القتل والتعذيب والاختفاء والسجن والإذلال، إذلال داخل أوطانها وخارجها في منافي الهجرة واللجوء
أحمد عبد الحليم يكتب: اجتمعت قوى هيمنة الاستبداد والاستعمار معا على الشعوب العربية، فلم تعد هذه الشعوب تفهم كيفية الخلاص من كل هذا القهر الواقع عليها، من الاستبداد والاستعمار. وهذه الإشكالية طالما طُرحت بزاوية أُحادية من قبل أنظمة وحركات ادَّعت أن الاحتلال الإسرائيلي ومن ورائه الهيمنة الإمبريالية هما السبب الرئيسي في كل الإشكاليات الكونّية التي تواجه الشعوب، والخلاص من هذا الاحتلال هو خلاص من الهيمنة والعيش بحرية
أحمد عبد الحليم يكتب: في ظل موت أي تنظيم يحتضن الأفكار التحررية والمقاومة بالعنف، يصنع الفرد مع نفسه، أو عدد قليل جدا من حوله، تنظيمه الفرداني، ومن خلاله يمارس الأفراد والمجموعات الصغيرة أعمالا عنّفية، كرد فعل، مقاوم وانتقامي، لما حدث من فعل وحشي إباديّ أمام أعين العالم كُله، منزوع الأيديولوجيا، إذ يصبح العنف ذاته هو "أيديولوجية" ممارسة تسبق إطارها النظري، ردا على العنف المقابل ليس إلَّا، لكن مع أدوات الرصد والرقابة الحديثة التي تستخدمها الأنظمة العربية الأمنية، يندثر أي فعل أو نية للفعل، ويذهب صاحبه ومجموعته إلى السجون أو القتل، فيكون مثالا رادعا لأي فكرة مشابهة عند ذوات أُخرى
أحمد عبد الحليم يكتب: يتمكّن الاغتراب وممارساته الفكرية واليومية من الإنسان الذي تعرض للقمع، فلا يُصيبه الاغتراب السياسي فحسب، نظرا لنزع حقه السياسي منه، بل يصل الحال به إلى الاغتراب الوجودي، وهو الاغتراب الذي يرى الإنسان فيه أن وجوده الحياتي، ذاتيا وجسديا، أصبح مغتربا، تائها، غير مرغوب فيه، حيث تجتمع على الإنسان في المنفى، عوامل أُخرى تساعده في نفيّ ذاته عن الوجود.