سياسة عربية

ابنة الشاطر تروي تفاصيل زيارتها لـ"غوانتنامو العقرب"

خديجة الشاطر: يلفت نظرك قلة الرجال فمعظم الإسلاميين خلف الأسوار ـ أرشيفية
خديجة الشاطر: يلفت نظرك قلة الرجال فمعظم الإسلاميين خلف الأسوار ـ أرشيفية
كشفت خديجة الشاطر ابنة نائب مرشد جماعة الإخوان المسلمين في مصر المهندس خيرت الشاطر عن تفاصيل زيارتها لوالدها في سجن العقرب الذي وصفته بـ"غوانتنامو العقرب".

وأضافت في حسابها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك": سأحكي لكم عن زيارتي لأبي الحبيب في سجن "جوانتانمو العقرب" لتكون شهادة على تاريخ حكم العسكر.

وأشارت إلى أنها ستروي هذه الشهادة "ليعلم وليسمع من لم يرَ فصول القهر في السجون المصرية ما يحدث في مصر، ويبقى من رأى وشاهد ليس كمن سمع".

وفي التفاصيل، روت خديجة بأسلوب قصصي ما جرى معها خلال زيارة سجن العقرب، قائلة: "في طريقك إلى سجن العقرب، عليك عبور الطريق الدائري سيرا على الأقدام بما معك من ملابس وطعام للأسير الذي تزوره؛ لأنه ممنوع أن تقف بسيارتك على ناحية بوابات السجن، رغم الدبابات والجيش، الذي ترك الحدود، ووقف على الحصن المنيع ينظم حركة زيارة المساجين".

وأضافت: "هناك على البوابة الكبيرة لمنطقة سجون طرة، تقف المئات من النساء في طوابير طويلة في حر الشمس وبرد الشتاء، يحملون أمتعتهم من الطعام، الذي قاموا من قبل الفجر يعدونه، والكثير منهم جاء من سفر أو أماكن بعيدة".

ونوهت إلى أنّه "يلفت نظرك قلة الرجال، فمعظم الإسلاميين خلف الأسوار، ومعظم النساء إما منتقبات أو ملتزمات جاءوا لزيارة أزواجهم أو آبائهم أو أبنائهم، وما أدراك كيف إهانة المرأة من العسكر في هذا المكان، ومن وجودها بين نساء و أطفال الجنائيين بألفاظهم البذيئة وسلوكياتهم السيئة".

قالت خديجة: "سيتم غلق بوابات السجن في الثانية عشرة ظهرا، حتى لو لم يصل كل الطابور إلى الباب" .

واسترسلت في حديثها: "بعد طابور طويل ينهك قدميك، يأتي عليك الدور بعد حوالي ساعة ونصف انتظار، لتبدأ رحلة حمل الحقائب والأغراض لوضعها في أول محطات التفتيش وتسجيل بيانات بطاقاتك وتسليم هاتفك، لتبقي معزولا عن العالم الخارجي في هذه الثكنة العسكرية، بقدر ما تمكث فيها من ساعات، ثم تتوجه حيث يقف في مواجهتك رجل غليظ القلب يعطيك الأوامر بخلع نعليك، وما أدراك كيف تكون هذه اللحظة من الذل والمهانة، سواء بخلع حذائي أو رؤيتي لأقرب الناس لي من رجال يطالبونه بخلع الحزام".

وذكرت خديجة قائمة الممنوعات التي يحظر إدخالها إلى السجن: "ثم تجد ورقة الممنوعات: ممنوع السوائل، ممنوع المعلبات، ممنوع الفاكهة، ممنوع الخبز، ممنوع الخضروات، ممنوع الحلوى".

وتابعت "ثم يتم إدخالك في جهاز بعدها في غرفة للتفتيش الذاتي، يقف على بابها أمم من النساء، فلقد اكتظت السجون في عهد السيسي بالناس، ما جعل الحراس من الضغط والتفتيش أكثر غلظة".

ثم التجمع في مكان إلى حين وصول سيارة ترحيلات، أو "طفطف "منهك يجره جرار زراعي، ليأخذك داخل السجن في رحلة تسير بها في "زجزاج" لكم الحواجز وأكياس الرمل التي في الطريقن ما يشعرك كأنك في زلزال، فتجد طفله تقع أمام عينك، لتدهسها عجلة الطفطف بسبب سرعته الجنونية، وعدم استوائه علي الأرض.

"وحينما تصرخ وتبكي من المشهد تجد شرطيا لا يتحرك له ساكنا تجاه الأم المكلومة التي تجري على قدميها تحمل ابنتها، لتجده يقول بلا مبالاة: هذه ثاني بنت تقع اليوم. فالبشر عندهم مجرد أرقام".

لحظة الوصول للعقرب

بعد وصولنا للسجن 992 سجن العقرب، و شهرته "جوانتانامو العقرب"، تجد تشريفة من الأمن المركزي واقفة لمنع قربك من باب السجن، وعليك أن تقوم بتسجيل اسمك وحمل حقائبك بعيدا عن بوابة السجن، والجلوس في الصحراء ساعات في انتظار الدخول للمرحلة الثانية من التفتيش.

ساعات في الصحراء والبرد القارص أو الصيف الحار والشمس القارصة، بلا ماء أو دورة مياه آدمية.

فقط سيارات ترحيلات تحمل فيها إسلاميين من وإلى السجن طوال الوقت، وهنا تشعر أننا في قرية بضائع لتحميل وتنزيل الإسلاميين.
إسلاميون عجائز وشباب وأطفال؛ لكن المشترك فيهم كلهم هذا النور المضيء يشع من وجوههم، والعزة والثبات الذي يرتعش منه من وقف حولهم مدججين بالسلاح.

منهم من يأتي محمولا على كرسي متحرك من قسوة التعذيب أو الإضراب عن الطعام، وأحيانا في السيارة الواحدة عدة كراسي متحركة.

يقف الكبار والصغار من الداخلية على قدم وساق عند وصول كل دورية.

نشاهد فصول هذه المسرحية الهزلية حيث يطول انتظارنا؛ فلأننا أبناء خيرت الشاطر فالتعليمات أن نكون آخر من نزور.

يأتي دورنا للدخول في المحطة الأكثر همجية، وحين يفتح لك الباب، وقد جئنا ثلاثة فقط، كما هي التعليمات، يصرخ الضابط في وجهنا، مشيرا إلى أحد أطفالي: هذه أين شهادة ميلادها، كم عمرها؟ فنرد قائلين: هي طفلة، يصرخ فيها طاردا إياها.. أخرجوها من هنا.. بره بره بره.

يختفي الدم من وجه طفلتي، وأطلب منه وأرجوه، فكيف أتركها وحدها في الخارج، وأخيرا جاءت فرصة زيارتي التي تأتي كل عدة شهور مرة، وقد تركت مدرستها رغم أنها وقت امتحانات، وجاءت لتزور جدها.. فيرد: ماليش دعوة مش هيدخل طفل مهما كان صغير من غير شهادة ميلاد.

وصرخ في الحارس على الباب: كيف أدخلتها؟ وقبل أن تفيق من صدمة وغلظة اللحظة والدموع في عينيك تبكي رعب الأطفال، تبدأ في سماع قائمة ما سيرجعونه مما أحضرناه من ملابس وطعام.

قائمة الممنوعات

ممنوع أن يكون في الملابس جيب أو كبسونه أو سوسته أو حرف سبعة أو كاب للرأس أو خط بلون مخالف أو ماركة التيشيرت.

وبعد أن تلافت أمي كل الممنوعات وقامت بتفصيل ثياب وفق الشروط، قالوا أيضا: ممنوع، فقط مسموح الغيارات الداخلية، التي كانت ممنوعة هي الأخرى العام الماضي، ومسموح بالثياب هذا العام، راق لهم عكس الممنوعات.

ومع منع الملابس، ممنوع البطانية والغطاء، ممنوع الملابس الشتوية، ممنوع الشرابات، ممنوع الشباشب.

تبكي أختي مريم.. وترجوه أن يسمح بالشراب فيقول لها: سأسمح بفردة واحدة فقط منه، هل تقبلين؟!!

يقوم المسؤولون عن تفتيش الطعام بإفراغه وتقليبه من القاع وقلبه على بعض لتشعر بالدوار والغثيان، كل الجهد الذي عكفت على تجهيزه من قبل الفجر، وضع رأسا على عقب، والصريخ في وجهك: ممنوع ممنوع ممنوع؛ ليقوم بإرجاع أكثر من نصف ما جئت تحمله طول الطريق، مشقة فوق مشقة، حمله وتجهيزه، أن تعود به مرة أخرى.

وما تبقّى يعود ليكون طعاما أو صدقة لآخرين كان رزقهم.. لكن تبقى اللعنات والدعوات على من ماتت قلوبهم من أعوان فرعون هذا العصر.

تبكي أمي.. أم الزهراء عزه توفيق، وتحتسب "حسبي الله ونعم الوكيل".

يصرخ فيها بتحسبني.. طيب مفيش زيارة.. مش بتدعو ادعوا بقى.

لن أنسى ما حييت تبجحه و تجرؤه على الله وهو يقول: ادعوا ادعوا، ولا يعنيه، ولا يكترث من الدعاء.

أوصيكم جميعا بأن تدعو عليهم من قلبكم؛ ليذوقوا جزاء ما يتطاولون به ويتجرؤون استهتارا بأنهم لا يخشون الدعاء.

ثم تدخل لغرفة التفتيش الذاتي، وتقوم بتسليم بطاقتك، ليتم نقلك إلى غرفة انتظار وغلق الباب عليك، لتقبع من ربع إلى نصف ساعة من ضياع العمر مرة أخرى.. لتخرج منها لمحطة تفتيش من أول وجديد ومرور بجهاز تفتيش آخر عساه يكتشف الذرة أو جهاز الكفتة الذي لم يخترعه عبد العاطي كفتة حتى الآن.

ثم نحمل ما قبلوا دخوله مصحوبين بحراسة في موكب لغرفة أخرى. 

كلمة السر.. التعليمات

يفصل بينها وبين غرفة الزيارة أبواب حديدية؛ لأنه لابد من إحكام غلقها لحين وصول المعتقل لغرفة الزيارة الزجاجية، التي لا يمر في طريقه بمكان وجودنا، لكنها التعليمات!

"التعليمات" الكلمة الأكثر انتشارا، والحجة المعلقة على ألسنة كل من ذهبت تقنعه بالعقل أو الحجة عن عدم جدوى أو حماقة تصرفاتهم.

تمكث في الغرفة وقد أعيتك الرحلة داخل السجن قبل تحقيق هدفها، حتى تصير منهك القوي لا طاقة لك ولا روح ولا قدرة علي الكلام.

ثم ينفتح الباب الحديدي لندخل إلى غرفة زجاجية تتسع لفردين أو ثلاثة على الأكثر، فيها سماعة تليفون لتسجيل المكالمة لو انقطعت الكهرباء، ويتم إلغاء الزيارة بعد كل هذه المعاناة.

غرفة كئيبة في الحر تصيبك بحالة قريبة من الإغماء، وفي الشتاء من البرودة والرطوبة ما يخفق قلبك منه مضطربا.

حتى يأتيك من خلف زجاجها بهجة الحياة.. أبي الحبيب بطلته البهية.. تشرق الأرض أنوارا ويطير التعب.. وتكتم دموعك؛ لأنك لا تستطيع تقبيله أو سماع صوته.. فتضع يدك على الحاجز الزجاجي عساها تلامس ظل يديه.

تشعر بأنك وصلت إلي واحة الأمان بعد عالم الوحوش الذي تحيا فيه.

وما أن تتنفس روحك الصعداء حتى يناديك أمين الشرطة أو أمينة الشرطة التي ترافقك بانتهاء الزيارة.

نعم انتهت الزيارة من قبل أن تبدأ.. نعم عشرون دقيقة حلما جميلا لا يلبث أن يصير موءودا.. بواقع أليم، عهد فرعون وهامان من جديد.

نعود فيه لنحمل ما جئنا به لنعود، وتبدأ الرحلة في مشوارها العكسي "طفطف" يرجرج كيانك وصقيع قارص.

تعبر الدائري الذي حصدت سياراته أرواح أمهات أو شباب جاءوا لزيارة أبنائهم.

تسابق الزمن للحاق بصلاة المغرب.. الجديد آخر زيارة هو التعليمات الجديدة بأن آخر موعد للزيارة الساعة ثلاثة ونصف.

قاموا بإدخال أول خمسة وعشرين اسما، ورفضوا دخول الباقي.

بعدها سيعود من لم يدخل بلا زيارة مهما كان، لو جاء من سفر، وأيا كان سنه.
 
رجل جاء بقلب مفتوح على كرسي متحرك و نساء من الأرياف تكبدوا مشقة وتكاليف الرحلة، الجميع يبكي ألما وحرقة ويدعو على الظالمين.

قد أسمعت لو ناديت حيا.. ولكن لا حياة لمن تنادي.

عاد المئات يحملون ما جاءوا به من حلوي و طعام و ملابس وغطاء، وفوقها عادوا بقلوب مكلومة وأطفال أمرضها صقيع الجو، ولم ينعموا برؤية ذويهم.

لله المشتكى، فهو القاهر فوق عباده، (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ). 

اني لأخط شهادتي على العصر.. عصر من قال لهم: "أنتم نور عينينا".

عصور الظلام بقدر ظلام سواد عينيه وقلبه، لأن الكثير من المغيبين لا يشعر بما يحدث لأبناء مصر المخلصين خلف الأسوار.. فأتمنى أن يعلم الجميع ويبلغ الحاضر الغائب.

حتى لا يتحملوا أوزارنا أو دعوات من يدعون على من فوض وأيد ليل نهار.. والله ثم والله لم يوجعونا، لم نشعر بمشقة، ففي كل محنة رحمة.

تجد من يعاونك من أهلك جزاهم الله خيرا، بهاء الشاطر وجلال الشاطر وحمزة مالك وجيهان عليوة.

تجد من يجري عليك من الملتزمين حولك يعينك ويعاونك في حمل ما لم تستطع حمله.

جزاهم الله خيرا، ليتني أعرف أسماءهم فأخصهم بالشكر؛ لكني أعلم أنهم لا ينتظرون سوى ثواب الله، تحركهم مشاعر الأخوة والحب في الله، فتشفق على الظالمين، وتعلم كيف الظالمون من هذه النعم محرومون.

تجد الصلاة والسجود ترد إليك روحك ودفء جسدك.. تستمتع بترديد الأذان واستشعار كلمة الله أكبر.. الله أكبر من كيدهم.. الله أكبر من مكرهم.. الله أكبر من طغيانهم.. ويربط على قلبك أن بين الأذان والإقامة دعوة لا ترد، فنستودع بارئنا أمنياتنا و نجدد في الله يقيننا.

هي دنيا فانية.. نمر فيها عابري سبيل، فطوبى لمن خرج منها بغير أثقالِ وذنوبِ طغاةٍ أمثالهم.

اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم ..اللهم اكفينهم بما شئت وكيف شئت.
التعليقات (11)
وفاء أحمد
الإثنين، 12-01-2015 07:21 ص
فصبر جميل والله المستعان على مايصفون.
حسن ابوالفتوح
الإثنين، 12-01-2015 12:29 ص
بعد قراءة المقال لم يرد الى ذهنى الا صورة ال ياسر وبلال بن رباح والصحابة الاوائل وهم يعذبون لا تسالنى كيف التشبيه فالتشبيه قائم جميعهم مظاليم من طغاه معتدين فسقة فاللهم نصرك اللهم عليك بالظالمين ومن عاونهم
مصرى
الأحد، 11-01-2015 11:41 م
اللهم انتقم من الظالمين - احس بما تقولين مع ان حالك وحال والدك افضل حالا منا فعمى فى نفس السجن وممنوع من الزيارة منذ شهر فبراير العام الماضى وسمحت لنا بخمس زيارات فقط
أنس
الأحد، 11-01-2015 07:55 م
في سبيل الديمقراطية الكل يهون
الأمل المشرق
الأحد، 11-01-2015 07:24 م
أختي الغالية أبكتني كلماتك حتى لم أصدق .. ألهذا الحد وصل الظلم بأهلنا في مصر الحبيبة .. اللهم عليك بالطغاة الظالمين..