كتب

الشعبوية ظاهرة عالمية تهدد الديمقراطية وتتوعد العيش المشترك

لم تكن الديمقراطية عنصرا من عناصر الفعل السياسي في العالم العربي..
صدر للكاتب المغربي حسن أوريد  كتاب "الشعبوية أو الخطر الداهم" عن "المركز الثقافي للكتاب" في طبعته الأولى سنة 2023، في 349 صفحة.

سيرة ذاتية

ولد حسن أوريد  يوم 24 كانون أول (ديسمبر) 1962 بقصر تازموريت بإقليم الراشيدية، تلقى تعليمه الابتدائي بالتعليم العمومي قبل أن يلتحق بالمعهد المولوي في كانون الثاني (يناير) 1977، حيث درس إلى جانب ولي العهد آنذاك الملك محمد السادس.

 حصل على الباكالوريا وتابع دراسته بكلية الحقوق أكدال بالرباط، وتخرج منها بشهادة الإجازة في القانون العام، ودبلوم الدراسات المعمقة. وقد ناقش رسالة الدكتوراه في العلوم السياسية بها أيضا سنة 1999 في موضوع " الخطاب الاحتجاجي للحركات الإسلامية والأمازيغية في المغرب".

بدأ الدكتور حسن أوريد عمله إطارا بوزارة الخارجية بين سنتي 1987 و1992 مكلفًا بالدراسات بمكتب وزير الخارجية الأسبق المرحوم عبد اللطيف الفيلالي، قبل أن يعين مستشارا سياسيا بسفارة المغرب بواشنطن إلى سنة 1995.

بعد ذلك عاد للمغرب ليبدأ عمله التعليمي كأستاذ في المدرسة الوطنية للإدارة وفي كلية الحقوق بالرباط ما بين سنتي 1995 و1999.

بعد وفاة الملك الحسن الثاني وتولي الملك محمد السادس للعرش في يوليوز 1999، تم تعيينه كأول "ناطق رسمي باسم القصر الملكي". وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى شهر يونيو 2005، حيث عين واليا على جهة مكناس تافيلالت.

بعد ذلك تم تعيين حسن أوريد مؤرخا للمملكة المغربية في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 قبل أن يغادر منصبه ابتداء من 10 كانون أول (ديسمبر) 2010.

يرأس حاليا "مركز طارق بن زياد"، للدراسات والأبحاث، ويشغل منصب أستاذ جامعي للعلوم السياسية بالرباط، كما يتولى مهمة مستشار علمي بمجلة زمان المغربية المتخصصة في التاريخ، وبها ينشر عمودا صحفيا شهريا بالنسختين الفرنسية والعربية.

من مؤلفاته الفكرية:  الإسلام والغرب والعولمة، تلك الأحداث، مرآة الغرب المنكسرة، الإسلام السياسي في الميزان: حالة المغرب (سبق أن أصدره باللغة الفرنسية قبل أن ينجز له ترجمة بالعربية بنفسه)، من أجل ثورة ثقافية بالمغرب، أفول الغرب،  السياسة والدين في المغرب: جدلية السلطان والفرقان.

كما صدرت له العديد من الروايات من بينها  صبوة في خريف العمر، فيروز المحيط، الموريسكي (كتبت بالفرنسية قبل أن يترجمها للعربية الكاتب المغربي عبد الكريم الجويطي)، الأجمة، سيرة حمار، رواء مكة، ربيع قرطبة،   رباط المتنبي، عالم بلا معالم، زينة الدنيا، الموتشو.

كتاب "الشعبوية أو الخطر الداهم" يعبر عن اهتمام مشروع بظاهرة تستحق الفهم والتحليل انطلاقا من مناهج العلوم الاجتماعية والسياسية.

لماذا الشعبوية؟

يجيب الكاتب: لأنها "ظاهرة عالمية تتهدد الديمقراطية وتتوعد العيش المشترك، وتنذر بالعداء بين الجماعات، وتقوم على شيطنة المجتمعات.." وهي تتنامى بشكل سريع وتمنح الصدارة للاتجاهات الشعبوية في عدد من الانتخابات التي جرت في عدد من البلدان خلال هذه السنة في كل من هنغاريا والسويد وإيطاليا، فضلا عن امتداداتها في فرنسا والبرازيل..

فلم تعد الشعبوية "حالة عرضية" كما يقول الكاتب، بل "أخذت تكتسح العالم في أشكال عدة"، ولايبدو لحد الآن، خصوصا بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، أي علامات لانكماش أو ضمور الاتجاهات الشعبوية، سواء في أوربا أو في الهند أو حتى في العالم العربي، فبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تحت تأثير حزب سياسي شعبوي وهو حزب الاستقلال، وبعد ظاهرة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، يستعرض الكاتب مجموعة من النماذج التي تقع تحت إغراء الشعبوية.

الخطاب الشعبوي يمكن توظيفه واستخدامه من قبل جميع الأيديولوجيات، فيمكن لليمين أن يكون شعبويا كما يمكن لليسار أن يستخدم الخطاب الشعبوي أيضا.
فقد حاز اليمين الفرنسي بقيادة مارين لوبين على نسبة 42 في المائة من أصوات الناخبين في انتخابات أبريل 2022، كما حاز مرشح الشعبوية اليسارية "جون لوك ميلونشون" على الرتبة الثالثة في الدور الأول لنفس الانتخابات، وفي هنغاريا عاد الشعبوي فيكتور أوربان ليقود هنغاريا لولاية ثالثة بعد انتخابات أبريل 2022، وفي السويد اكتسح الساحة اليمين المتطرف وهو حزب" ديمقراطيو السويد" القريب من الطروحات النازية ليصبح القوة السياسية الثانية، وفي إيطاليا برزت زعيمة حزب "إخوة إيطاليا" جورجيا ميلوني ووصلت لرئاسة الحكومة مما أعطى شحنة قوية للاتجاهات اليمينية في أوروبا، التي بدأت تنسق فيما بينها لتأسيس "أممية شعبوية" كما ظهر في اجتماع الأحزاب اليمينية المتطرفة في مدريد بتاريخ 10 أكتوبر 2022، بدعوة من حزب فوكس الإسباني، دعت خلاله ميلوني إلى تأسيس تنظيم فوق وطني تحت إسم "مواطني أوروبا" والتركيز على أوربا بيضاء ومسيحية، وفي الهند ازدادت شعبوية الحزب الحاكم حدة، وفي العالم العربي استوت عناصر الشعبوية في تونس، وهناك حالات جنينية في بلدان عربية أخرى أشدها إثارة حالة مقتدى الصدر في العراق.

ظاهرة تستحق الفهم

إذن هو اهتمام مشروع بظاهرة تستحق الفهم والتحليل انطلاقا من مناهج العلوم الاجتماعية والسياسية، وهو ما نجح في القيام به الأستاذ حسن أوريد عبر خطاطة منهجية موزعة على خمسة أجزاء:

ـ جذور الشعبوية وأشكالها
ـ الشعبوية والوجه الآخر للعولمة
ـ أشكال الشعبويات
ـ القواعد الناظمة للشعبوية
ـ إغراء الشعبوية في العالم العربي

نجاح الكاتب في استعراض سيل هائل من الأبحاث والدراسات الأجنبية التي اهتمت بالظاهرة الشعبوية ودخل معها في جدل علمي، وسجل اتفاقه مع بعضها واختلافه مع البعض الآخر.

ينطلق الكاتب من محاولة الإحاطة بالخصائص المميزة للظاهرة الشعبوية، فهي "ظاهرة من غير متن إيديولوجي، ومن غير مرجعية نظرية على خلاف الإيديولوجيات الكبرى التي هزت العالم مثل الشيوعية والنازية والفاشية وغيرها"، إنها طوباوية من نوع مغاير، طوباوية تبشر بالعودة للشعب واستعادته للسيادة التي انتزعت منه من قبل النخب أو النخبة، وهذه هي الخاصية الثانية: تمجيد الشعب باعتباره ظاهرة نبيلة، وادعاء التمثيل الحقيقي له، وتحقير النخبة السياسية وتخوينها واعتبارها ظاهرة سيئة.

وكما يمكن أن تكون الشعبوية تعبيرا عن الوجه الجديد للفاشية فهي تنبعث أيضا كنقد لزيغ وانحراف النيوليبرالية في صورة شعبوية يسارية فتكون متحورا عن الخطاب الماركسي.

وهنا يتفق الباحث مع العديد من الباحثين الذين يرون بأنه لا توجد إيديولوجية شعبوية ولكن كل خطاب شعبوي فيه جوانب إيديولوجية، فالخطاب الشعبوي يمكن توظيفه واستخدامه من قبل جميع الأيديولوجيات، فيمكن لليمين أن يكون شعبويا كما يمكن لليسار أن يستخدم الخطاب الشعبوي أيضا.

الخاصية الأخرى للشعبوية هي طبيعتها السلبية، أو طبيعتها الرافضة، فالشعبوية لا تقدم بديلا سوى الوقوف على المظاهر السلبية في الواقع ونقد مظاهر الانحراف والفساد فيه، وإلقاء المسؤولية على النخبة السياسية والتجني عليها، بالموازاة مع رسم صورة هلامية للشعب وتمجيده، دون اقتراح الأدوات والميكانيزمات التي يستطيع بها التعبير عن إرادته من داخل المؤسسات، بل إن الخطاب الشعبوي هو خطاب يستهدف المؤسسات التمثيلية ويشكك في مصداقيتها، ويعتبر أن الشعب قادر على أن يحكم نفسه بنفسه.

هذه الفكرة تجرنا إلى إلى الخاصية الموالية للظاهرة الشعبوية، وهي اختزال الشعب في "القائد المخلص" أو "رجل الأقدار" الذي يستند على الشرعية الشعبية ليواجه ما يسميه ب"فساد النخبة"، وهو ما يؤدي  في النهاية إلى تعطيل المؤسسات، أو بتعبير الباحثين steven levistsky  و daniel ziblatt  إلى نسف الديموقراطية subversion de la democratie .

وكمثال على ذلك عندما طالب تشافيز الشعب الكوبي بالولاء المطلق قائلا: "أنا لست نفسي.. أنا لست فردا، أنا الشعب.. ولا ينقذ الشعب إلا الشعب، وأنا سأكون أداتكم"، ومثال آخر من خطاب دونالد ترامب بعد فوزه بالرئاسة قال: إن من انتصر هو الشعب: الشعب فاز بالبيت الأبيض.

القائد الشعبوي يؤكد دائما أن شخصه تجسيد للشعب

وهو ما يؤدي بنا للحديث عن الخاصية الموالية وهي خاصية السلطوية، فالسلطوية ملازمة للشعبوية، إما كمنطلق أو كنتيجة لما يسميه الكاتب بـ"توعك الديمقراطية" التي تبرز عندما تخفق المؤسسات الوسيطة في تمثيل الشعب، وهنا يميز الكاتب بين السلطوية والاستبداد وبين السلطوية والدكتاتورية، ويعتبر بأن ا"لسلطوية هي منظومة لا تنحصر في مستبد يحكم بمزاج أو، أو دكتاتور لا يتورع من الأساليب الفجة، ولكن في بنية يكون الحاكم وجهها البارز، مع أدوات متغلغلة في الجسم السياسي والإعلامي والمدني، مع قوة ضاربة للمخابرات، وأسلوب يبقي على واجهة الديموقراطية، وممارسة مخاتلة، تزعم احترام القانون، ونزاهة القضاء، مع امتحال للقانون عند الضرورة".

ومن خلال فصول الكتاب يتتبع الكاتب الأشكال الأولى للشعبوية، حيث خرج هذا المصطلح من رحم روسيا القيصرية في القرن التاسع عشر، حيث كانت الشعبوية الروسية نواة لحركتين هزتا العالم: حركة الفوضويين les anarchistes في الثورة البولشفية لـ 1917، كما ظهرت في فرنسا مع الجنرال المتمرد بولونجيه 1871 مع هزيمة فرنسا أمام بروسيا هذا الأخير الذي يشكل مصدر إلهام لمرشح الرئاسة اليميني المتطرف إريك زمور، كما ظهرت سنة 1892 بالولايات المتحدة الأمريكية مع حزب الشعب الذي كان تعبيرا عن طموحات صغار الفلاحين وعمال المناجم.

كما تطورت الظاهرة الشعبوية في أمريكا اللاتينية، أو بتعبير Guy Hermet : الشعبوية المعززة le populisme consolidé، وهي التجربة التي انتقلت من الخطاب إلى الحركة وتبلورت في تنظيمات ومؤسسات وتحولت إلى إيديولوجية للدولة، كما هو الشأن مع حركة باركاس في البرازيل 1929 وتجربة بيرون في الأرجنتين 1943.

وفي محاولة لبحث ما بين الشعبوية والفاشية من اتصال وانفصال، يرصد الباحث الاتجاهات النقابية في إيطاليا في نهاية القرن 19 أو ما يسمى بالنقابية الثورية مع Arturo labriola  أرتورو لابريولا، ثم الاتجاه الوطني فيها مع Enrico Corradini أونركو كوراديني، كلا الاتجاهين (النقابي والوطني) ساهما في إفراز التجربة الأولى للفاشية مع النقابي بينيتو موسوليني.

الشعبوية نتيجة للوعكة التي أصابت الديمقراطية..

بعد إبراز تأثير العولمة والليبرالية الجديدة في ظهور العولمة يستعرض الكاتب أشكال الشعبويات بدءا بالشعبويات اليمينية في أوربا الغربية وفي دول أوربا الوسطى في كل من بولونيا وهنغاريا وجمهورية التشيك وسلوفينيا، ثم مع دونالد ترامب في الولايات المتحدة الأمريكية الذي يعتبره قوة الدفع الثانية للشعبوية بعد البريكسيت، ويحلل السياق الذي أفرز هذه الظاهرة قبل أن يستعرض مخاطر الترامبية على النظام الديمقراطي.

كما يرصد الباحث الشعبوية اليمينية غير الغربية وتحديدا في الهند مع تجربة الوزير الأول Narendo Modi ناريدو مودي رئيس حزب الشعب الهندي المتطرف الذي وصل إلى السلطة سنة 2014، أو في الفلبين مع تجربة Rodrigo duterte رودريغو دوتيرتي أو في البرازيل مع العسكري السابق جايير بولسونارو Jair Bolsonaro الذي انتخب رئيسا في سنة 2019.

ثم يعرج الكاتب على الشعبوية اليسارية مع حزب بوديموس في إسبانيا وحزب سيريزا syriza في اليونان وتجربة تشافيز في فنزويلا.

كما يستعرض بالدراسة والتحليل تجربة حركة خمسة نجوم بإيطاليا كنموذج للشعبوية المزيج بين الاتجاه الشعبوي والبنية التقنوقراطية.

ثم ينتقل لتحليل ظاهرة أردوغان بتركيا وبوتين بروسيا ويصنفهما كتعبير عن الشعبوية الهجينة التي ليست يمينية ولا يسارية، وهي تعيش وضعا مضطربا بين ماض إمبراطوري لم تتخلص من إغرائه وحاضر يحول دون مراميها للاضطلاع بدور تاريخي.

وعلى ضوء كل ماسبق يستنج الكاتب عناصر الشعبوية وملامحها العامة، ويعتبرها نتيجة للوعكة التي أصابت الديموقراطية وللسياسية الجديدة التي أصبحت معها السياسة شأنا تدبيريا يوكل للتقنوقراط بناء على إيديولوجيا النيوليبرالية ومزاعم الفعالية والعقلانية.

وهو ما أدى إلى موت السياسة وتحلل السرديات الجامعة والمعبئة وتراجع القوة التعبوية للهيئات الوسيطة من أحزاب ونقابات وجمعيات المجتمع المدني، إضافة إلى زيغ الاقتصاد والأزمة الاقتصادية، مما أدى إلى أزمة اجتماعية واستفحال خطاب الهوية بالتزامن مع الثورة الرقمية التي أدت إلى فيض في المعلومة مقابل شح المعرفة.

من وعكة الديمقراطية إلى خطر النكسة..

 وهو ما نبهت إليه جموع الغوغاء وهي تقتحم الكابتول صباح السادس من يناير تعبيرا منها عن رفض نتائج الانتخابات، وهنا تتحول الشعبوية من عرض إلى سبب قادر على نسف الديمقراطية من داخلها.

إن خطر ما يسميه الأستاذ حسن أوريد بـ"الشعبوية الديموقراطية" هو "احتكار الحق في الحديث باسم الشعب" كما ذهب إلى ذلك يان موليير، وتقويض الديموقراطية dé-démocratisation بشكل تدريجي، بطريقة لا تظهر للعيان، عبر سلسلة من الإجراءات المتدرجة منها الزعم باحترام الديموقراطية، واحترام الدستور والتعددية ودرأ أخطار محدقة ومحاربة الفساد، وينتهي الأمر في نهاية المطاف إلى حكم شخص واحد وتغيير قواعد اللعبة، وتنتهي الديموقراطية إلى حالة هجينة، تبقي على ظاهر الديموقراطية وعلى ممارسات سلطوية، هي ما يسميه الكاتب ب"الديموكتاتورية" كما في حالة أوربا الشرقية، أو ما يسميه ب" توعك الديموقراطية" كما في الديمقراطيات الغربية، أما في حالات أخرى فتفضي إلى سلطوية واضحة تسمى بـ "السلطوية الجديدة" بل قد تصل إلى فاشية كما في حالة الهند.

ماذا عن الشعبوية في العالم العربي؟

 يرى الكاتب أنه من العسير أن نجري على الشعبوية في العالم العربي القوالب ذاتها التي ارتسمت في كل من أوربا الغربية أو الوسطى أو في أمريكا اللاتينية، ففي رأي الكاتب لم تبلغ الاتجاهات الشعبوية السلطة في العالم العربي باستثناء تونس مع تجربة الرئيس قيس سعيد التي خصص لها فصلا كاملا.

ولكن العالم العربي يعيش حسن شانتال موف لحظة شعبوية، عقب ما يعرف بالربيع العربي، ولكنها شعبوية مائعة تنحو فيها السلطات إلى أساليب شعبوية، كما يحبل العالم العربي باتجاهات ديماغوجية وغوغائية أو دهمائية، وتنتشر الخطابات الشعبوية في الحياة العامة من خلال أدوات التواصل الاجتماعي أو السوشيل ميديا.

إذا كانت موجة النيوليبرالية قد أدت إلى تمييع الديمقراطية في الغرب فإنها أدت إلى إضفاء الشرعية على السلطوية في البلدان العربية مع اختلاف الدرجات والأشكال، بين استبداد سافر وبين وضع هجين للديمقراطية
ولم تكن الديمقراطية عنصرا من عناصر الفعل السياسي في العالم العربي، وما يرتبط بها من مرجعية فكرية: السيادة الشعبية، العقد الاجتماعي، المواطنة، الحرية، الاختلاف، حرية التعبير، ربط المسؤولية بالمحاسبة، بل ظل العالم العربي في الإطار الهوبزي (نسبة إلى توماس هوبس) : الأمن أولا والتحذير من الفتنة، بيد أن (الأمن أولا) بقي في دائرة (الأمن أولا وأخيرا) مما يفضي دوما إلى حكم مطلق، "تتغير أشكاله ولا يتغير جوهره، ولو تسربل بمزاعم الديمقراطية أو تذرع بالشورى".

ويستعرض الأستاذ حسن أوريد مظاهر الاستبداد من جهة ومظاهر المطالبة بالديمقراطية من جهة أخرى في البلدان العربية، مع تحليل العوامل المتعلقة بدور القوى الكبرى ولاسيما الدور الأمريكي وتأثير أحداث 11 أيلول (سبتمبر) والأزمة الاقتصادية لسنة 2008 . ويتوقف بالتحليل عند ثلاث لحظات تشرح الحاضر وتحمل إرهاصات المستقبل، هي لحظات تتضمن الإغراء الشعبوي حسب السوسيولوجي التونسي حمادي الرديسي لكنها لم تفض لبناء جديد.

ـ لحظة الربيع العربي
ـ لحظة أفول الإسلام السياسي
ـ لحظة انتعاشة الربيع مع الموجة الثانية للحراك في كل من الجزائر والسودان (طبعا قبل الأحداث الأخيرة).

وإذا كانت موجة النيوليبرالية قد أدت إلى تمييع الديمقراطية في الغرب فإنها أدت إلى إضفاء الشرعية على السلطوية في البلدان العربية مع اختلاف الدرجات والأشكال، بين استبداد سافر وبين وضع هجين للديمقراطية (ما بين سلطوية شعبوية في مصر وشعبوية سلطوية في تونس وأنظمة هجينة في الأردن والجزائر والمغرب) ودول في حالة إفلاس (العراق ولبنان التي تتميز بما يسميه الكاتب بالشعبوية النخبوية) ودول في حالة انهيار مثل سوريا وأخرى في حالة فوضى مثل السودان وأخرى في حالة حرب مثل اليمن وأخرى في حالة مزيج ما بين الفوضى والحرب الأهلية مثل حالة ليبيا، والمشاركة القبلية مع محورية الجيش في حالة موريتانيا، أما دول الخليج فتتطلب التعامل بحذر مع إرهاصات الشعبوية خصوصا بالنسبة للمملكة العربية السعودية والإمارات وقطر، فشعوب هذه الدول هي ربما من الشعوب السعيدة، و"الشعوب السعيدة لا تصنع التاريخ، والشعوب التي تصنع التاريخ ليست سعيدة".

لم يسجل التاريخ نجاح الفاشية ولا يمكن توقع النجاح لمتحورها الشعبوية، ولا لأي صورة كاريكاتورية لها. بهذه الجملة يختم الأستاذ حسن أوريد كتابه الذي يغري بالقراءة.