قضايا وآراء

مأزق الاتفاق الروسي الأمريكي.. وسبل الخلاص

1300x600
نجحت الثورة السورية في تجاوز مطب تنظيم الدولة مطلع عام 2014م، حين منعت التنظيم من الاستحواذ على الثورة ومصادرتها، رغم استيلائه حينها على مساحات شاسعة من المناطق التي حررها الثوار. ولعب هذا المنع دوراً مهماً في إبعاد الثورة عن سلوك طريق رُسم لها بعناية بهدف ضربها من الداخل وإنهائها.

وتمرُّ الثورة اليوم أيضاً بمطب خطير لا يقل عن سابقه خطورة، ربما يجعلها في مهب الرّيح، ولعل مطب اليوم أخطر من السابق نظراً لحجم القوى المشاركة، وتغير الخارطة العسكرية، ناهيك عن تعاظم الدور الكردي.

ويهوِّنُ الأمر على الثوار اليوم وضوح المشهد والهدف، فقد أدرك الشارع الثوري الداخلي، ولا سيما العسكري فضلاً عن كثير من السياسيين، أبعاد الاتفاق الروسي الأمريكي.

فقد أوضحت معظم المكاتب السياسية لفصائل الثورة، وخاصة الفصائل الثورية الكبيرة الفاعلة عسكرياً على الأرض، أنّ الاتفاق الروسي الأمريكي يهدف لزرع الفتنة بين الثوار، وتمزيق الصف الداخلي خدمة للأسد. فالاتفاق، كما يرى لبيب النحاس مدير المكتب السياسي بأحرار الشام، يضع الثورة كلها على المحك، ويهدد وحدة صفها الداخلي واستمرارها، ويخدم الأسد.

ويلاحظ في بيانات الثوار السياسية مدى المأزق الحرج الذي وُضعت فيه الفصائل، فقد عرف الخبث السياسي الروسي من أين تؤكل الكتف، فلم يدافع أي بيان ثوري مباشرة عن "جبهة فتح الشام" (النصرة سابقاً) خشية أن يتم ضم الفصائل الموقعة إلى قائمة الإرهاب، لكن الفصائل أظهرت رفضاً واضحاً للاتفاق وفق ما رشح عنه. وتتخوف الفصائل مما هو أعمق مما رشح، ولا سيما بعد مطالبة الروس بنشر الاتفاق، وإخراجه للعلن، فالسرية توحي أن ثمة ما لا تريد أمريكا إظهاره، أي أنه يندرج في إطار مصلحة النظام السوري.

ويُؤخذ على الاتفاق ثلاثة أمور رئيسة تصب جميعها في صالح الأسد، وتصيب الثورة السورية في مقتل، إذ لا يشير الاتفاق من قريب أو بعيد لمصير الأسد، ولا يطرح رؤية الدولتين (الروسية الأمريكية) المستقبلية للحل السياسي في سوريا، فتُرِكت الأمور غامضة ومعلقة.

أما الأمر الثاني فيتمثل باستثناء المليشيات الطائفية، واستهداف جبهة فتح الشام رغم فكّها ارتباطها مع القاعدة، ويتناقض ذلك مع المنطق كما ترى الفصائل، فعناصر المليشيات مرتزقة غير سوريين ارتكبوا جرائم بحق المدنيين بينما عناصر "جبهة فتح الشام" سوريون انحصر دورهم بقتال النظام.

أما الأمر الثالث والأخطر فيتمثل بمطالبة الفصائل النأي عن "جبهة فتح الشام" وهذا ما يرفضه الواقع العسكري الميداني، نظراً لأمرين؛ دور جبهة الشام الفعال على الأرض، وحجم التشابك للفصائل مع الجبهة على الأرض.
 
إنّ فك الارتباط يؤدي قبل اقتتال الثوار الداخلي لسيطرة قوات النظام على مساحات ونقاط هامة لجبهة فتح الشام الدور الرئيس في حمايتها.

وليس بوسع الفصائل، ولا سيما الإسلامية، النأي عن النصرة، ولا سيما بعد أن استجابت "جبهة فتح الشام" لمطلبهم بفك ارتباطها مع القاعدة، إذ سيؤدي ذلك لانشقاقات كبيرة داخل تلك الفصائل. إذ ترفض الغالبية الساحقة من المقاتلين النأي عن جبهة فتح الشام، فكيف قتالها؟! ولا سيما بعد أن رأت الأثر الطيب للتعاون من خلال جيش الفتح.

ويجد الثوار أنفسهم في حيص بيص بعد أن نجح الروس ولو مبدئياً بوضع العربة أمام الحصان، وتتقلص الخيارات أمام الثوار، إذ لم تساعد الولايات المتحدة وما يسمى أصدقاء الشعب السوري القوى الثورية في بناء جيش وطني قوي قادر على مجابهة الأسد، وإلزام "جبهة فتح الشام" وغيرها على الخضوع لإرادة هذا الجيش الوطني، بل أسهمت بشكل مباشر في تشتت الصف الثوري العسكري، وفي دعم الأسد، وتمدد داعش. فظهور جبهة النصرة وغيرها من الفصائل التي توصف بالمتشددة سببه الرئيس القوى الدولية وفي المقدمة الولايات المتحدة.

وللخروج من المأزق ينبغي على الثوار المطالبة بوضع الحصان أمام العربة، وعليه ينبغي التركيز على وثيقة الهيئة السياسية التي تطرح رؤية واضحة للانتقال السياسي الذي يحل مشكلة الفصائل والتنظيمات، حيث لا يبقى أثناء عملية الانتقال إلا الجيش السوري الوطني الخالي من العناصر الأجنبية.

والمخرج الثاني يتمثل باندماج الفصائل العسكرية التام ضمن جسم عسكري واحد تذوب فيه مسميات "أحرار الشام" "جبهة فتح الشام" وغيرها، ورشحت مؤشرات من الداخل تشير لهذا المخرج، وبذلك تسقط ذريعة الإرهاب، والارتباط مع القاعدة.

وينبغي التركيز دائما على إخلاء الجغرافيا السورية من غير السوريين؛ لأن هذا المطلب يصيب النظام وتنظيم الدولة في مقتل

والمخرج الثالث يتمثل بتجاهل الاتفاق الروسي الأمريكي، وتحقيق انتصارات عسكرية على الأرض تغير المعادلة السياسية جذرياً.

مهما يكن الأمر فإن المرحلة حرجة، وتتطلب وعياً سياسياً ينقذ الثورة من المكائد التي يحيكها الروس وغيرهم، وستظهر الأيام مدى حنكة الثوار في معالجة المشكلة والخروج من المأزق. وقد عبّر النحاس عن ذلك صراحة عندما أشار إلى أنّ الاتفاق أكبر تحد سياسي للثورة في تاريخها، ونتائجه العسكرية ستكون كارثية إذا لم يتم التعاطي معه بموقف ثوري موحد.