قضايا وآراء

غياب البصيرة وموت الإرادة.. اقتحام جنين وحرق المصحف نموذجا

في ظل الحالة من الغيبوبة الحضارية والثقافية والعلمية تتم إهانة المسلمين- جيتي
الأخطاء كثيرة، وكل ابن آدم خطّاء، لكن أخطاء الأنظمة المنوط بها حماية الأمة وإصلاح المسار لشعوبها وترشيد الوجهة لأجيالها القادمة تشكل كارثة من العيار الثقيل، وأخطر الأخطاء فيما أحسب أن الأنظمة السائدة ركزت جهودها في حشو عقول الأمة على اختلاف شعوبها بصحة سياستها وسلامة مواقفها وحرصها الشديد على مصالح الوطن، وربما تمادت في ذلك وزادت عليه بأن رأت أن تجريف عقول الناس وتسطيح وعيهم وثقافتهم سيساعد على قبول هذا الحشو الفارغ.

ومن ثم فحجم التدليس والخلط الذي يمارسه هؤلاء ضد دينهم وأمتهم كبير وخطير، حيث يدّعون الوطنية ويلبسون ثياب الناصحين وهم يمارسون تزييف وعي الأمة، ويبثون سمومهم للجماهير في أسلوب خدَّاع لا ينطوي على أهل العلم والحصافة.

وقد شخّص العلامة سعيد النورسي هذه الحالة من التدليس والخداع فقال: "لقد وضع الظلم على رأسه قلنسوة العدالة، ولبست الخيانة رداء الحميّة، وأطلق على الجهاد اسم البغي، وعلى الأسر اسم الحرية، وهكذا تبادلت الأضداد صورها"(1).

ومن ثم فقد تركت عقول أبنائها ووجدان شعوبها مستباحة لثقافة العبث التي تدور حول الفن والسينما والمسرح والرياضة، وفتحت الباب لموجات التشكيك في الثوابت وخلق حالات من الجدل الأعمي حولها، كما فتحت كل الأبواب لأعاصير الإلحاد، وحرية الحصول على كل خبث وخبيث، وحرية الاختيار، خصوصاً لدى النشء الجديد الذي لا حصانة لديه ولا معرفة له بأساليب الآخرين، وكانت النتيجة وخيمة وفادحة، بل وكارثية.

غياب هذه المنظومة عن التربية والتعليم والإعلام وكل وسائل وأدوات صياغة الرأي العام واستبدالها بمنظومة صنع التفاهات كارثة كبرى وجريمة وطنية تصل إلى حد الخيانة العظمي، لأنها ببساطة تسليم عقول ووجدان الأجيال الحالية والقادمة لأعداء الأمة ومن ثم ضياعها وضياع المستقبل معها

أجيال جديدة مفصولة عن مصادر دينها وقيمها وهويتها الإسلامية، مليئة بجهل مخيف حول تاريخها وتراث الآباء والأجداد الذى يشكل الرصيد الملزم في بناء الشخصية ورسم ملامها وتحديد قسماتها، وكأنه يجب أن تكون هناك قطيعة بين امتداد الأسرة المسلمة وبين الإيمان الحقيقي وما ينتج عنه من وعي وسعي.. وعي يعرف الغاية ويحدد الهدف ويقدر الجهد المطلوب في الوصول إليه، ويحفز الإرادة لتتفاعل وتحوّل الرغبة إلى حقيقة، وسعي مزود بالبصيرة الواعية، يوفر كل المطلوب لتحقيق الهدف ويسلك إلى الغاية قصد السبيل، مزودا بالتوكل على الله ومصطحبا يقينه بأن منازل العبودية هي مستويات من الكدح الشريف يبذله الإنسان امتثالا لسنن الله في الأسباب، ومؤمنا بأن هذا الكدح إنما هو بصمة وشهادة للمؤمن حين يلتقي بربه ليجزيه الجزاء الأوفي، ومن ثم تكون الرحلة قد تمت على الأرض في حماية الحق لأوليائه وأمانه لهم وتحيته إليهم يوم لقياه.

مردود هذا الوعي وهذا السعي في الحياة مهم وعظيم، لأنه يحقق الضبط الإرادي الذي عجزت عنه كل قوانين الأرض وكل أنظمة البشر، كما أنه يزود المرء ببصيرة تقود خطاه صوب الكمال دائما، وتنأى به بعيدا عن شرور النفس وأطماعها وشهواتها فتحميه من التدني والسقوط، وتحفظ له حريته وكرامته.

غياب هذه المنظومة عن التربية والتعليم والإعلام وكل وسائل وأدوات صياغة الرأي العام واستبدالها بمنظومة صنع التفاهات كارثة كبرى وجريمة وطنية تصل إلى حد الخيانة العظمي، لأنها ببساطة تسليم عقول ووجدان الأجيال الحالية والقادمة لأعداء الأمة ومن ثم ضياعها وضياع المستقبل معها، وذلك بالطبع ما حرص عليه الأعداء ونشروه وشجعوه ليسهل عليهم الفوز في صراع التحديات الأيديولوجية حين يدخل أحد أطراف الصراع مزودا بعقيدة كانت قد ماتت فأحياها، وأضاف إليها خرافة جمعت عقول ووجدان بني جنسه فاجتمعت عليها قوميتهم، بينما دخل حلبة الصراع أمامه أبناء أمة نُزعت عقيدتهم وشُوهت هويتهم وطُمست معالم حضارتهم وتاريخهم، وأضحوا في مهب الريح يحملون من دينهم اسما ووصفا دون أن يكون لديهم وفي عقولهم مضمونا ومحتوى لهذا الدين العظيم، حالة من اللا وعي تصل إلى حد الخبل وتشكل عارا وعوارا، فكانوا كما قال الشاعر:

أوَ مسلمون وأمة شلاء    لا ميتون ولا همو أحياء

والآخرون عرفوا آخرنا في حركة الصراع على الأقل في الوقت الحالي، وآخرنا شجب واستنكار وتنديد وإدانة بأشد العبارات، وانتهى الأمر.

في ظل تلك الحالة من الغيبوبة الحضارية والثقافية والعلمية يستطيع أي حقير في الدنيا أن يُقبل على إهانة المسلمين وحرق المصحف وفي حماية من شرطة بلاده، وتتكرر الحادثة مرة ومرة، كما تستطيع إسرائيل أن تقتحم جنين والضفة وغزة ولا تعبأ بأكثر من مليار ونصف مليار مسلم.

وذلك نذير شؤم لا بد أن يحسب العقلاء حسابه، وأن يسارع كل الشرفاء إلى التخلص منه، لأنه وباء جديد ينتشر في عقل الأمة، فيكرس فيها الهزيمة ويغرس في وجدانها جذور الإحباط. ومن هنا تكون صياغة الرأي العام، وصناعة الأفكار والعقول، من أخطر المهام التي تؤثر في حياة الأمم والشعوب في الحاضر والمستقبل، ويتحتم على أمتنا بحكم تحديات الصراع، أن تدخل في هذا المجال، وأن يتحول العمل فيه إلى واجب وجهاد يعدل في قيمته الدينية ويتساوى مع الصلاة والصيام والحج، لأنه يحمي عقول الأمة من الاجتياح الفكري الظالم الذي تجب مقاومته ديناً، كما تجب مقاومته رجولةً وشرفاً، حمايةً لمستقبل الأمة من الانبهار غير المحسوب، والانهيار المنتظر على المدى القريب أو البعيد. والغريب أن الآخرين في مواجهة الأمة لم يكتفوا بما لديهم من إمكانيات ووسائل، وإنما جندوا لهذه الأغراض جنوداً عندنا يكتبون، ولكن بأقلام الآخرين، ويهتفون ولكن أيضاً بأصوات وحناجر الآخرين.

نذير شؤم لا بد أن يحسب العقلاء حسابه، وأن يسارع كل الشرفاء إلى التخلص منه، لأنه وباء جديد ينتشر في عقل الأمة، فيكرس فيها الهزيمة ويغرس في وجدانها جذور الإحباط. ومن هنا تكون صياغة الرأي العام، وصناعة الأفكار والعقول، من أخطر المهام التي تؤثر في حياة الأمم والشعوب في الحاضر والمستقبل، ويتحتم على أمتنا بحكم تحديات الصراع، أن تدخل في هذا المجال، وأن يتحول العمل فيه إلى واجب وجهاد يعدل في قيمته الدينية ويتساوى مع الصلاة والصيام والحج، لأنه يحمي عقول الأمة من الاجتياح الفكري الظالم الذي تجب مقاومته

وأما الذين أغراهم وهْم التطبيع فهرولوا إليه وأقاموا له الحفلات والأناشيد وترانيم المحبة، والذين يتمنّعون عنه دلالا أو حياء وهم الراغبون فيه، فإلى هؤلاء وأولئك نسوق إليهم مقولة العظيم بديع الزمان النورسي، وهو ينبه الأمة ويحذرها من مغبة السكوت على ذلك أو التودد إلى هؤلاء، فالتودد إليهم لا يقلل من حقدهم وكراهيتهم لدين الله ولمجتمعات المسلمين، وإنما يزيدهم ضراوة وشراسة، يقول النورسي: "إن التودد إلى وحش جائع لا يثير شفقته، بل يثير شهيته، فضلاً عن أنه يطالب بأجرة أنيابه وأظفاره"(2).

أما الاعتماد على أمريكا كحليف "فعشم إبليس في الجنة"، وأما المنظمات الدولية وبخاصة الأمم المتحدة ومجلس الأمن فنسوق إليهم شهادة غير مجروحة لأنها شهادة مفكر أمريكي من أصل يهوديه هو "نعوم تشوموسكي"، يقول:

مصطلحات السياسة لها معنيان، أحدهما معناها المعجمي المتعارف عليه، والثانى معناها الذي يخدم استراتيجية الأقوى، ومن ثم فالحرب هي السلام، والحررية هي العبودية، والجهل هو القوة"(3).

وبعد، فليت للبراق عين، فترى ما تعانيه أمتنا وهي تجثو مترجية أمام الوحش الهائج، فإذا بهذا الرجاء لا يزيده إلا إمعاناً في إهانتها، وتحقيراً لشعوبها، وإبادةً لأبنائها، ثم يطالب بالمزيد من الأجر لأنيابه التي اغتالت كرامتها، وأراقت دماءها، وأغرت بها القاصي والداني.

والمشكلة: ستظل تنهشنا كل كلاب الأرض، ويركلنا بقدميه كل خسيس فيها ما ظلت أمتنا تدير ظهرها لوحي الله الذى رفعها من وضاعة، وبوأها مكان القيادة والريادة الحضارية يوم أن تعاملت معه بعقل يرفض الخرافة ويأباها، وبقلب يعلو على الأهواء: "ودّوا لو تدهن فيدهنون"(4).

والحل: "فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ"(5).

فهل بقي بعد ذلك ثوب يسـتر فكـر محتال؟!

وهل بقي بعد ذلك حجاب يغطي وجـه دجال؟!
__________
(1) المكتوبات ص 604.
(2) المكتوبات ص 404.
(3) ماذا يريد العم سام؟ للمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، ص 55، تعريب المهندس عادل المعلم، دار الشروق، الطبعة الأولى 1998.
(4) القلم 8-9.
(5) الزخرف ٤٣-٤٤.