قضايا وآراء

فرنسا الثقافة والحرية.. وصناعة الأزمات

1300x600
طبيعة الثقافة ووظيفتها المعرفية في الأساس أنها تنتقل بالإنسان من طور التخلف إلى التقدم، ومن العبث والفوضى إلى معرفة الغايات والمقاصد ثم الضبط والنظام في تحقيقها.

وقد قفزت البشرية خلال النصف الأخير من القرن العشرين قفزات هائلة في مجال العلم والتكنولوجيا.

وكان يفترض أن تكون ثقافة الناس في القرن الواحد والعشرين تقوم على التواصل والحوار وتبادل الخبرات حول الذات والآخر، حتى يتم التقارب والتفاهم وتقل الصراعات، لكن الملاحظ أن شيئا كثيرا من العبث اختلط بهذه الثقافة وطغى عليها وانحرف بأهدافها الأساسية، وأطفأ ما فيها من إشراقات الروح. ولأن الطبيعة لا تعرف الفراغ، فقد حلت محلها ظلامية المادة بثقلها وكثافتها، وحدث تحول كبير في العقل الإنساني وفي السلوك والممارسات، الأمر الذي غلب غريزة الحيوان في البشر على جوانب الإنسان، فأضحت له أنياب ومخالب، وتحولت الثقافة والعلم إلى مطية للأطماع والسيطرة والشهوات والسعار المالي والجنسي.

هذا الخلل لم يكن محليا وإنما كان عالميا، فأحدث كوارث بشرية انتشرت بسببها جراثيم الأحقاد والضغائن والكراهية التي أصابت بعض الناس، ومنهم ساسة وقادة في مراكز القرار، غير أن هذه العلل لبست ثوب الخداع، وغُلِّفت بغلاف دبلوماسي يصطنع الابتسامة ويدارى انفعالات صاحبه ويحافظ على اختيار كلماته ليؤدي مهمة الخداع بنجاح. ودخلت البشرية عصرها الجديد بين نارين:

- نار عنف نشأ من الإحباط والظلم ووجد بيئة حاضنة وظروفا مواتية، فتحول إلى إرهاب عمق الشرخ الحضاري بين الإسلام والغرب، ومنح الكارهين والمتربصين مبررا مجانيا لزيادة كراهيتهم وعنصريتهم ضد كل ما هو إسلامي المنشأ والصفة في مجتمعات الغرب، ومن ثم نشأ مرض "الإسلاموفويبا".

- وبين عنف من نوع آخر صنع صناعة خاصة وتخلّق في معامل أجهزة جهنمية تعمل على استثمار الإرهاب والاستثمار فيه، وتوظف الصراعات لتحقق أهدافا بعينها، ولو كان الثمن تفكيك دول وإعادة رسم خرائطها جغرافيا وسكانيا، كما حدث في العراق وسوريا وليبيا واليمن، وبعض الدول الأخرى على الطريق.

وإذا كانت السياسة في نظر البعض تعني فن الكذب، وتجيد تغليف الشر بغلاف مزركش بحيث يبدو مغريا ومثيرا، فإنها تطورت في أساليب الخداع والتمويه وتجريف العقول فسوغت وسوقت مفهوم الأضداد. فصورت حالات القتل الجماعي بأنها إفراط في القوة، وأطلقت على الثوار الأحرار وطلاب الحرية وصف المتمردين، وصنفت كل مقاومة وطنية شريفة بأنها إرهاب، ووصفت الملتزم بدينه بأنه متشدد، ومن يحافظ على هويته ويلتزم بالحلال في طعامه وشرابه بأنه انعزالي يجب أن يراقب. وظهر ذلك بوضوح في الأزمة الفرنسية الحالية مع شعوب العالم الإسلامي.

وهكذا تستعمل المصطلحات المضللة في عكس معناها. وهذا الخداع ليس جديدا، فقد نبه إليه مفكرون كثر، منهم العالم النابه سعيد النورسي حيث يقول:

"لقد وضع الظلم على رأسه قلنسوة العدالة، ولبست الخيانة رداء الحمية، وأطلق على الجهاد اسم البغي، وعلى الأسر اسم الحرية، وهكذا تبادلت الأضداد صورها"(1).

كما عبر عنها المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي بقوله: "مصطلحات السياسة لها معنيان، أحدهما معناها المعجمي المتعارف عليه، والثاني معناها الذي يخدم استراتيجية الأقوى، ومن ثم فالحرب هي السلام، والحرية هي العبودية، والجهل هو القوة"(2). وهكذا تتبادل الأضداد أدوارها.

الأزمة بين الانفعال والانبطاح

والأزمة الحالية التي سببها ماكرون بتصريحاته ومواقفه ارتكب فيها المحظور الأكبر في الإساءة إلى الإسلام ونبيه العظيم ﷺ وما تضمنته من استفزاز؛ لم يغضب لها أكثر من مليار ونصف من المسلمين فقط، بل غضب لها كل حر في العالم، بما في ذلك الفرنسيون أنفسهم فضلا عن كل مسلم، حيث جازف ماكرون وخاطر بإشعال عود الثقاب. لكن العقلاء في العالم كله يرون أنه لا يجوز أبدا أن نسمح لرياح الغضب والانفعالات وردود الفعال بإشعال الحرائق.

كما أن الخبرة التاريخية تمنحنا قدرا من التوصيف يجعلنا على يقين بأن ما حدث لم يكن جديدا، وإنما هو تكرار لحوادث حدثت من قبل مع شعوب العالم الإسلامي، في فترة سادت فيها المظالم والنهب الاستعماري وكانت فرنسا في المقدمة.

وهذه العلاقة تجاوزتها المجتمعات المسلمة بحكم الزمن، وتنادى كل العقلاء والحكماء بأن الجميع أصبح في أشد الحاجة حاليا إلى خبراء في إطفاء الحرائق ومقاومة نيران الكراهية والتعصب، والكف عن الاستعلاء والإثارة والاستفزاز.

ويعرف السيد ماكرون أن خبراء إطفاء الحرائق وعمليات الإنقاذ لديهم ما يسمى بمصطلح الأمن الصناعي، وهو مصطلح يتضمن مواصفات شروط السلامة للبنايات التي يتم استعمالها. ولا يمنحون ترخيصا باستعمال المبنى إلا إذا توفرت فيه تلك الشروط.

كما كان على السيد ماكرون أن يعرف أيضا أن السلام الاجتماعي لأي شعب لابد أن يحظى - على الأقل - بمثل هذا الاهتمام الذي تحظي به بناية أو يزيد، وأول شروط السلام الاجتماعي أن تتوفر للناس حقوقهم الطبيعية بسهولة ويسر، وفي مقدمتها وحدة المجتمع وتماسك بنيانه وتحقيق الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، لأن هذه الحقوق لا تحصن المجتمع وتساعده على البقاء فقط، وإنما تحميه وتقويه على مواجهة التحديات الخطيرة والخروج منها بسلام.

وأي تجاوز لهذه الحقوق أو العدوان عليها بأي شكل كان، إذا تفشى وانتشر، وشاعت عملية الاستهانة به من أي جهة مهما كانت، يخل بشروط السلامة العامة ويهدد كيان المجتمع والدولة كلها.

تحقيق هذه الشروط مهمة كل مواطن فضلا عن أكبر مسؤول، وهو السيد ماكرون رأس الدولة الفرنسية.

ولا يشذ عن هذه المسؤولية أو يتخلى عنها إلا الذين يحفرون القبور، فهؤلاء لا تعنيهم كل شروط السلام الاجتماعي، لأنها ضد مكاسبهم، فهم يفرحون بالكوارث وتنتشى نفوسهم بالخراب، ويرون الركام مصدرا لرزقهم ويبحثون فيه عن جثث الضحايا، لا لإنقاذهم وإنما لدفنهم والحصول على الأجر، ومن هنا جاء المثل المعروف "مصائب قوم عند قوم فوائد".

ورغم حجم هذه الإساءة والاستفزاز والاستعلاء الذي مارسه ولا زال يمارسه ماكرون، من ازدواجية المعايير وروح الاستعلاء في صناعة هذه الأزمة، إلا أننا لا نعتبر فخامة الرئيس ماكرون من فريق "حفاري القبور" وحاشاه، كل ما هنالك نزوة أغرته في كسب أصوات اليمين حتى يقطع الطريق على خصومه في الانتخابات القادمة، ويظل في قصر الإليزيه فترة رئاسية أخرى، فكانت التصريحات كبعرة خرجت من غير مخرجها فانكشف قناع الحرية وهبت عواصف المقاطعة، وكان ما كان.
__________
الهوامش:
1- المكتوبات" جزء2 ص 604 ترجمة الأستاذ إحسان قاسم الصالحي الطبعة الأولى.
2- "ماذا يريد العم سام ص 55 " تعريب المهندس عادل المعلم الطبعة الأولى 1998م دار الشروق القاهرة.