كتاب عربي 21

الثورة السورية.. هل كان بالإمكان تجنب ما حدث؟

1300x600
طوال السنوات الست التي مرّت قيل كلام كثير في نقد الثورة السورية ومجرياتها، وهذه العملية النقدية المحايثة لسيرورة الحدث المتصل، ضرورية حتما، حتى بما فيها مما يمكن ردّه، ليس فقط لأجل تصحيح حركة الثورة نفسها والفاعلين فيها وعلاقتنا نحن العرب والمسلمين بها، ولكن لأنها –كما هو حال بقية الثورات العربية- وضعتنا أمام أنفسنا، وعرّت لنا الحقائق كاملة، بما من شأنه أن يصحح حركة الفكر العربي نفسه الذي كان طوال العقود الماضية يبحث عن الخلل، ويتوخى الحلول، ويتورط في مقاربات مؤدلجة تنبع من الانحيازات غير العلمية.

ثمة علاقة جدلية هنا، بين تصحيح الواقع للفكر، وتصحيح الفكر للواقع، ولا يُتوقع في عملية تاريخية طويلة وعميقة ومضنية أن تتحقق سريعا صحة الحركتين، الفكرية والواقعية، ففضلا عن كون الاختلاف حتمية بشرية قائمة ومستمرة، فإن الحقائق كلما ازدادت تعريا بسرعة وكثافة رفعت من حيرة البشر وارتباكهم في تعاملهم معها، ولكن الفرق هنا –عما سبق من اختلاف- في مستويات الانكشاف، سرعة وكثافة، بما يمنح الحدث موقعا مفصليا في حركة التاريخ، وبما يسرّع من نضوج البشر أنفسهم.

وإذا كان في مثل هذه الأوضاع طاقة الحدث هائلة، فإن ثمة تحديا يواجه الفكر البشري، للحاق بالحدث والإحاطة به قدر الإمكان، وفي مثل هذه الحالة سيعاني الفكر من اهتزازات عميقة، غير قادرة على استيعاب الحدث، لاسيما إن كان طويلا ودمويّا، فتبدأ الأفكار تقيم الحدث بأثر رجعي، وفق تحليل مثالي، فوق تاريخي، وغير واقعي، من قبيل ما كان ينبغي أن تكون عليه الأمور، أو ما كان ينبغي تجنبه أو فعله.

بمعنى أن ثمة نزعة وعظية غير مفيدة هنا، إلا بقدر ما يتضمنه التحليل من تفسير مفيد لفهم سيرورة الأحداث، أو بالقدر الذي يساعد على تجنب الخطأ مجددا دون الافتراض بأن هذا يجب أن يكون ميكانيكيا بمجرد أن أخذت العبرة ووُعي الدرس. إذ المشكلة أساسا في هذا التحليل الوعظي، هي تلك التي تمنح عاملا واحدا أو عددا قليلا من العوامل أهمية قصوى، ولا تلحظ تعقيد الحدث وسيولته وبنية الفاعلين فيه وتعددهم، والفرص التي تتيحها سرعة حركة الحدث، وطبائع البشر، وحتميات اجتماعهم..

الحدث السوري تحديدا، لا يمكن مقاربته بهذه المثالية، التي تفترض أنه كان يمكن مثلا تجنب تسليح الثورة، أو منع دخول الغرباء على خطها، إن لصالحها أو لصالح النظام.. إلى آخر كل ما يقال من نقد من هذا القبيل. لأن هذه المقاربة التي ترى الخطأ في فعل أمر معين أو في عدم فعله فحسب، لا تلاحظ مدى القدرة في حينه وسياقه وملابسته على الفعل من عدمه.

إذا نظرنا إلى النظام، ولاحظنا بنيته وصلابته، وارتكازه إلى نموذج مركب من إغراء الفساد وعنف الأمن وولاء الطائفة، فلا يمكن التعويل على إصلاحه من الداخل، لأن النسق الداخلي قوي وصلب إلى درجة قادرة على التهام أي محاولة إصلاح إن من داخله أو بإدخال عناصر جديدة عليه.

هذا لا يعني أن الثورة عليه أمر جيد بالضرورة، إذ إننا هنا لا نقوم بتحليل وعظي مقابل، ولكن هذا يعني أولا؛ أنها حتمية في حال تراكمت أخطاء النظام وخطاياه وتوفرت الشروط الموضوعية لانفجارها، وهي عينها الشروط التي توفرت لهذه الثورة في لحظة عربية جامعة، إذ لا يمكن أن يستمر هذا النمط من الحكم والاجتماع إلى يوم القيامة، لأن البشر ليسوا كائنات برمجية يمكن وضعها في مسارات محددة وتركها فيها بلا أي حركة جديدة غير محسوبة مسبقا.

ومن جهة ثانية، يعني هذا التحليل لبنية النظام، أن الثورة في حال وقعت وتمددت ولم يتمكن النظام من إجهاضها سريعا، سوف تؤدي إلى انفجار متشظ وعنيف، أول ما يقع في النظام نفسه، الذي لا يقبل الإصلاح من ناحية، ولا يحتمل الضغط من ناحية ثانية، فتنفجر بنيته الصلبة والمغلقة إلى ممارسات بالغة العنف، هي في الحقيقة امتداد لطبيعته العنيفة نفسها، ولكن على شكل انفجارات متشظية، يجري تنويعها بالجيش والأمن والشبيحة والحلفاء.. الخ.

أصل الإشكال هنا في بنية النظام التي تستدعي رد فعل عنيف مقابل في حال وفّرت الفرص الإمكانية له، ولأن الثورة مجموعة فاعلين ضخمة، غير متجانسة، وقد تكون متصارعة في الوقت نفسه، فإنه لا يمكن وعظها وكأنها إرادة واحدة، ومن ثم فإنه لا يمكن الحديث عن إمكانية تجنب العنف.

نعم يمكن القول إن النظام كان بإمكانه تجنب العنف لأنه بطبيعته أقرب للعقل الواحد والإرادة الواحدة، لكن الأمور لا تسير بهذا الشكل الميكانيكي، فبالإضافة لبنية النظام التي لا تحتمل هذا النوع من الضغط، فإن التجربة التاريخية، وموازين القوى، والفرص المتاحة، كل ذلك كان يغري النظام بانتهاج العنف سبيلا مفضلا، هذا فضلا عن تدافع الآراء ومراكز النفوذ داخل النظام نفسه، وربما في علاقته بحلفائه الإقليميين أيضا.

الفرص المتاحة، كلمة سرّ في هذا النوع من الأحداث، لاسيما الذي يكثُر فاعلوه، إذ لا يمكنك أن تتوقع من أحد في محاولة تغيير كبيرة، إلا أن يسعى لاغتنام الفرص، ولأن الثورات عادة شعبية، وليست متخرجة من مراكز الأبحاث، ولا هي تطبيق عملي لدورة أكاديمية، ولا يقوم بها الأكاديميون وهم يشربون القهوة، فإن الفرص بدت متاحة للناس العاديين وهم يلاحظون السقوط السريع لبن علي ومبارك.

هنا يمكنك أن تقول، من زمنك بأثر رجعي، ومن موقعك إن كنت مثقفا، أو عاديّا محبطا، إنه كان عليهم، على الناس العاديين، أن يفهموا كل شيء، طبيعة النظام، وموقع سوريا، والعامل الإسرائيلي، وطبائع الصراع الإقليمي، ومخاوف القوى العظمى، والاحتمالات القائمة للدخول على الخط، والمخاطر المترتبة على ذلك، ثم يقرروا عدم الهتاف ضد النظام، على الأقل في اللحظة التي خرجوا فيها.. لكنك هنا تنسى أنك تتحدث عن فاعلين عفويين التقطوا بحس فطري فرصة بدت لهم متاحة، ولا تتحدث عن عقلي تنظيمي جامع، ولا عن مركز دراسات استراتيجية!

كانت الثورة فرصة بدت متاحة، وكان القضاء عليها في المقابل فرصة متاحة للنظام، وهكذا خلق عنف النظام نقيضه، وبقدر ما تمظهر عنف النظام شظايا قاسية، تشظى الثوار إلى فرقاء، وكانت الفرص بعددهم، وبقدر ما تتيحه السيولة الكبيرة وتحولاتها الكثيرة، وهنا لا يمكن الحديث عن إرادة محددة جامعة، أو عقل محدد جامع لكل فاعلي الثورة، طالما أن فاعلا واحدا، ولو كان فردا يمكنه التأثير على مجرى الأحداث التي يكثر الفاعلون فيها وتتباين مصالحهم وطموحاتهم وأفكارهم، والذين وجدوا أنفسهم في قلب حدث هائل من بعد الكبت المحكم الذي فرضه من قبل نظامهم!

إن الخطأ الأصلي في هذه الحالة هو النظام وبنيته وفساده وعنفه، وطالما أن الثورة قد وقعت عليه، مهما كانت أمانينا بخصوصها، وقد تعسكرت وتحولت إلى ما تحولت إليه، مهما كان رضانا عن ذلك، فإن طبائع الصراع سوف تفرض نفسها، وتأخذ مداها الذي تحتاجه، إلى أن تحدث تسوية تاريخية، أو نصر واضح.

سوف تظل الثورة، وهذا الصراع بمعناه الأشمل، محتاجة إلى النقد وعمليات تصحيح المسار، إذ إن المشكلة لم تكن في مبدأ النقد ومحاولات التصحيح، وإنما في النقد المثالي، الذي لا يلحظ تعدد العوامل، ويعتقد أن تدافعا من هذا النوع كان يمكنه أن يسير بشكل مثالي لو استمع لنصيحة ما، أو طبق دليلا إرشاديا ما!