مقالات مختارة

في رثاء الثورة البيضاء

1300x600
يوم أمس (السبت 11 فبراير)، حلت الذكرى السادسة لأغرب ثورات التغيير المجهضة في العالم العربي. لم يكن غريبا أنها انطلقت في عام 2011، الذي كان عام انتشار إرهاصات الربيع العربي، ولا غرابة في أنها أجهضت وفشلت في تحقيق مرادها، وهو ما كان نصيب أغلب الثورات التي تفجرت آنذاك. 

لكن وجه الغرابة يكمن في أمور عدة، أهمها أن الثوار ظلوا مرابطين في قلب العاصمة، في ساحة التغيير وشارع الستين، طوال أحد عشر شهرا. منها أيضا أنها كانت ثورة شباب بالأساس، لكن دور اليمنيات منها كان مبهرا؛ إذ خرجن إلى المسيرات يرددن الهتافات ويرفعن اللافتات وقد ارتدين ثيابهن التقليدية التي تغطي الجسم كله باستثناء العينين، منها كذلك أن اليمنيين اعتبروها ثورة بيضاء؛ إذ ظلوا طول الوقت متمسكين بسلمية انتفاضتهم، فلم يشهر سلاح ولم تطلق رصاصة، رغم أن السلاح جزء من المستلزمات الشخصية لكل مواطن، ورغم أن الثوار تعرضوا لغارات الأجهزة الأمنية وحملات جنود الأمن المركزي الذين استخدموا معهم مختلف أساليب الترهيب والقمع، الأمر الذي أسفر عن سقوط نحو 700 قتيل وأضعافهم من الجرحى.

خلال الأحد عشر شهرا، ظلت جماهير الثورة البيضاء معتصمة بميدان التغيير، وقد توزعت على خيام نصبت لعناصر القوى السياسية والشبابية، فضلا عن أبناء المحافظات والقبائل المختلفة. وهؤلاء أقاموا حياة كاملة في الميدان، تم خلالها ترتيب إعاشتهم وتوفير بقية الخدمات لهم من الطعام إلى «القات»، وكان لأهل صنعاء دورهم البارز في ذلك. وخلال إقامتهم فإنهم لم يكفوا عن الهتاف ضد حكم العسكر وحكم مشايخ القبائل، والدعوة إلى إقامة الدولة المدنية الديمقراطية. كما أنهم لم يتوقفوا عن ترديد الأغاني الوطنية وممارسة مختلف الأنشطة التعبوية والثقافية والترفيهية.

كان حكم الرئيس -آنذاك- علي عبدالله صالح جاوز ثلاثين عاما، ساد خلالها الظلم والنهب والفساد بكل صوره. وما إن انطلقت شرارة الثورة من تونس في الرابع من شهر يناير عام 20111، بعد انتحار الشاب محمد بوعزيزي قبل ذلك بأسبوعين، حتى انطلقت مجموعة من طلاب جامعة صنعاء صوب السفارة التونسية، معبرة عن التضامن والتبريك، ثم ما إن انفجرت الثورة في مصر يوم 25 يناير حتى اتسعت دائرة التضامن الشبابي، وذهبت مجموعة أكبر منهم إلى السفارة المصرية في صنعاء معبرة عن المشاعر ذاتها. 

وبدا أن الحدثين الكبيرين لمسا وترا حساسا لدى الشعب اليمني الذي كان شبابه يعانون من وطأة الظلم والفساد ويتوقون إلى استعادة وطنهم المنهوب، الذي قامت فيه ثورتان، إحداهما نجحت في الإطاحة بالحكم الإمامي في عام 1962، والثانية فشلت في بلوغ ذلك الهدف في عام 1948.

أصداء الثورة المصرية كانت قوية في صنعاء، لذلك سرعان ما جرى استنساخ ميدان التحرير في ميدان التغيير هناك، ومع استمرار التفاعلات في مصر، فإن شرارات الثورة انتشرت في أنحاء اليمن، حتى شملت 17 من 20 محافظة، ومن المصادفات أنه حين بلغ الاحتشاد الشعبي ذروته في صنعاء يوم 11 فبراير، خصوصا بعدما وصلت مسيرة «الحياة» الحاشدة من تعز، أعلن الرئيس مبارك تخليه عن السلطة مساء اليوم ذاته، وهو ما شكل عاملا ألهب مشاعر الجماهير اليمنية، ودفعها إلى الاستمرار في الاحتشاد والإصرار على تغيير النظام.