كتاب عربي 21

هل يفيض السلام مع سلام فياض؟

1300x600
البعض تفائل باسمه وأنه سيفيض على الليبيين بالسلام، والبعض اعتبر تعيينه دفعا للبلاد نحو مزيد من التأزيم، وآخرون تندروا بطرق مختلفة على قرار تعيينه وكيف أن سياسي فسلطيني أخفق في تجربة تنفيذية في الأراضي المحتلة يختار ليحل مشاكل ليبيا، "لو كان بوزيد عمار عمر سواني بلاده".

تندر البعض بلغ منتهاه بالقول أن خصوم فياض دبروا له هذا المقلب لينال من الهم والغم والبلاء ما ينال باعتبار أن ليبيا مشكلة حقيقية يصعب التعاطي معها.

من عبروا عن موقفهم من قرار تعيين سلام فياض مبعوثا أمميا لليبيا خلفا لمارتن كوبلر من السياسيين كانوا متصادمين كالعادة، فقد جاهر من يرفض تعيينه بالقول أن فياض يمثل "محمد دحلان" المعادي لثورات الربيع العربي، وهؤلاء محسبون على جبهة طرابلس من أعضاء المجلس الأعلى للدولة. فيما اتهم بعض ساسة المنطقة الشرقية من أعضاء البرلمان جماعة الإخوان المسلمين بالتورط في الزج به في الشأن الليبي، والمكتوب يتجلى من عنوانه.

الحقيقة أن مبعوث السلام الجديد يأتي في وقت الملف الليبي بالغ التعقيد للدرجة التي يعتقد جمهرة من الليبيين المحبطين أن الوضع لا يمكن أن يتأزم أكثر، فقد بلغت الأزمة أشدها.

والحقيقة أيضا أن المبعوث الأممي ليس مسؤولا عما آل إليه الوضع، حتى لو خطط أن يأزم الوضع آخذا بنظرية المؤامرة، فمن يمرر الأجندات المطروحة ليبيون، ومن يستجيب للمسودات ويلين للضغوطات ليبيون يمثلون شرائح واسعة ومكونات سياسية واجتماعية وعسكرية كبيرة.

وقبل ذلك كله، فمن برر دخول الأمم المتحدة على خط الأزمة الليبية وتعيينها مبعوثين خاصين - يبدو أن سلام فياض لن يكون آخرهم- إنما هم ليبيون ممثلون في ساستهم ونشطائهم والفاعلين فيهم وذلك بتناحرهم أولا، وفشلهم في تسوية خلافاتهم ليبياً ثانيا.

ما لم يفهمه الساسة الليبيون، وخلفهم دوائر واسعة من الفواعل السياسية والاجتماعية والعسكرية، أن الداء فيهم قبل أن يكون في المبعوث الأممي وغيره من المتدخلين الأجانب في الشأن الليبي اليوم. فهل يمكن أن يصبح المبعوث الأممي وبعض السفراء الغربيين رقما مهما في توجيه الأحداث السياسية، أو وضع الوصفات العلاجية لاحتواء الأزمة الليبية لولا أنهم وجدوا فرصة لذلك. فلقد ظهر أن الحريق نشب بأيدي الليبيين، والدمار هنا وهناك كان على أيديهم، والجمود بل والقطيعة السياسية التي أخذت مظهر الانقسام المتجه إلى تقسيم إنما تورط فيه ليبيون وكانوا بارعين فيه بامتياز.

أزعم أن المبعوث الأممي تخطى في تجربتين سابقتين دور الوساطة والتسهيل، إلى الموجه بل والمتحكم في اتجاه التسوية السياسية، لكني أعود وأكرر بأن المساحات التي يتحرك فيها المبعوث الأممي ليظهر أنه المتحكم في التسوية إنما فسحها له ساسة ليبيون، من الطرفين المتنازعين، بعنادهم وتصلب مواقفهم، وبقابليتهم للميل ضد المصلحة العامة لأجل تحقيق كسب سياسي للطرف الذي يمثلونه.

لهذا أقول للمتفائلين بالسلام "الفائض" الذي قد يأتي مع المبعوث الأممي الجديد، السلام يفيض إذا طهرت القلوب وخلصت النوايا وكانت ليبيا واستقرارها ووحدتها وأمنها وانتعاش اقتصادها هي الغاية وليس شيئا آخر، وأننا سنستغني عن دور الوساطة الخارجية إذا توقفت العنتريات الجهوية والقبلية والمناطقية والحزبية و الولاءات الشخصية والمصالح الخاصة.

أقول لمن يعتقدون أن سلام فياض جزء من مؤامرة يحكيها بعض الأطراف الغربية ومن أدواتها محمد دحلان، ما نجحت موأمرة ولا وقع ضرر إلا لأن الجبهة الداخلية مهلهلة ويوجد داخلها، من الطرفين، من يتعاطى مع المخططات الهدامة.

أكرر القول أنه من أخطر أسباب الإخفاق والفشل أن يرمي المعنيون بالأزمة البلاء على الغير دون أن ينظروا حولهم وفي أنفسهم ومواقفهم واختياراتهم وحتى نواياهم ودوافعهم، مستنيرين بتجارب مشابهة، مستشرفين خطورة الوضع إذا استمر العبث السياسي الراهن، فلا سلام يفيض إن لم تبحثوا عنه صادقين وتهيئوا له الأسباب مختارين، وما طال أمد الأزمة وانعطفت البلاد أكثر في منزلق التأزيم إلا لأنكم أردتكم ذلك فهل أنتم منتهون.