كتاب عربي 21

قراءة أولية في قانون الإعلام المصري (2)

1300x600
عندما ينص قانون الإعلام المصري الجديد، على عدم جواز الحبس الاحتياطي أو الإفراج بكفالة في الجرائم التي تقع بواسطة الصحفيين أو الإعلاميين (م38)، فإن ظاهر النص بالنسبة لمن يتمتعون بحسن النية وسلامة الطوية، يعد خطوة للأمام، صحيح أن النص لم يأت بجديد، فقد ألغى الرئيس محمد مرسي تماما الحبس الاحتياطي في قضايا النشر، لكن تأكيده في القانون، لابد أن يكون له دلالته من وجهة نظر أهل الغفلة!

وقد نصت المادة (67) من قانون نقابة الصحفيين (76) لسنة 1970، بأنه لا يجوز القبض على عضو نقابة الصحفيين وحبسه احتياطيا، وذلك في عدد من الاتهامات المنصوص عليها في قانون العقوبات. ثم جرى تعديل على قانون العقوبات واقتصر الحبس الاحتياطي على جريمتين فقط: الأولى إهانة ممثل لدولة أجنبية، والثانية إهانة رئيس الجمهورية، وعندما أصدرت النيابة العامة قرارها بحبس "إسلام عفيفي" رئيس تحرير جريدة "الدستور"، بتهمة "إهانة الرئيس" محمد مرسي، بادر الرئيس وأصدر قراره التاريخي بإلغاء الحبس كلية في الجرائم التي تقع بطرق النشر المختلفة.

صحيح أن هناك تطورا إيجابيا يبدو بالنظرة الأولى لقانون الإعلام الجديد، في النص على عدم الإفراج بكفالة، لكن بعد أن "يأخذ الناظر نفسه" سيكتشف أنه نص لا معنى له، فهو تزيد خاطب به المشرع الرأي العام الصحفي وهو في جملته يفتقد للثقافة القانونية، مما يدفع للنظر إلى ذلك باعتباره إنجازا، يشكر النظام الحاكم عليه، لأنه يؤكد حرصه على حرية الصحافة والصحفيين والإعلام والإعلاميين!

بيد أن "أهل الذكر" يعلمون أنه تحصيل حاصل، فلا يجوز للنيابة العامة أن تصدر قرارا بالإفراج بكفالة إلا مع الجرائم التي يجوز فيها الحبس الاحتياطي، فالكفالة تدور مع عقوبة الحبس الاحتياطي وجودا وعدما!
بيد أن التضليل هنا مرده إلى أن النائب العام الراحل، أصدر قرارات بالإفراج بكفالة في قضايا نشر، كما حدث مع الزميل "إبراهيم عارف" رئيس تحرير جريدة "البيان"، في بداية الانقلاب العسكري، وهي قرارات تمثل عدوانا على القانون، وتجاوزا ضد حرية الصحافة، وإساءة لاستعمال السلطة، وقد نبهت إلى هذا في حينه!

إن القراءة المتأنية للمادة سالفة الذكر، ستجعلنا نقف أمام حفرة، لم يتم الانتباه لها، حتى من قبل الذين عارضوا هذا القانون؛ ولا تحدثني عن المناقشة في البرلمان، فالذي حدث هو عملية "سلق بيض"، جرت بسرعة واستغلالا لانشغال الرأي العام بحادث تفجير الكنيسة وتداعياته، وقد تم إقرار مشروع القانون في جلسة يوم الأربعاء الماضي، في الجلسة ذاتها التي أقر فيها قانون آخر هو قانون نقابة الإعلاميين، ولا أعتقد أنه حدث في تاريخ البرلمان المصري أن تم إقرار قانونين في جلسة واحدة وبهذه السرعة!

المادة (38) تمثل ردة، فعندما يكون النص بأن يقتصر عدم توقيع عقوبة الحبس الاحتياطي والإفراج بكفالة على الصحفيين والإعلاميين، فإنه يذكرنا بأجواء القانون 95 لسنة 1993، الخاص بتنظيم الصحافة الذي أطلق عليه الصحفيون قانون تكميم الأفواه وخنق الصحافة، واجتمعت جمعيتهم العمومية دون دعوة من أحد، واستمرت في انعقاد مستمر لسنة كاملة، وبشكل وصفه "هيكل" بأنه "حشد قتال"، وقد أجبرت الجماعة الصحفية مبارك على إلغاء القانون، وهو الذي قال في حوار مع وكيل أول النقابة الراحل "جلال عيسى" عندما طالبه بإلغائه في بادئ الأمر وقبل ثورة الصحفيين، بأنهم ليسوا "باعة ترمس" يصدرون قانونا في الصباح ويلغونه في المساء، لكن بعد نضال تم إلغاؤه بالقانون 96 لسنة 1996.

سقط قانون تكميم الأفواه، ولم نعد نتذكر من نصوصه، إلا النص الذي جمع الصحفيين ضده من كل الصحف وكل التيارات، وهو النص الخاص بالحبس الاحتياطي، وأمام ضغوط الجماعة الصحفية، فكرت السلطة في الالتفاف بأن تجعل من الإعفاء من الحبس الاحتياطي، للصحفيين أعضاء النقابة فقط، وهو ما تم رفضه، لأنه يمثل إخلالا بالمراكز القانونية المتساوية، فهناك كتاب غير مقيدين في النقابة، وهناك صحفيون غير نقابيين، يكتبون ويحررون الصحف، وهناك قراء يرسلون الشكاوى الخاصة بهم للصحف لنشرها، وفي هذه الأجواء كانت إحدى المحاكم قد أصدرت حكما بعقاب قارئة بالسجن على شكوى منشورة في إحدى الصحف، فعزز هذا من موقف الرفض لهذا التمييز لمن هم في مركز قانوني واحد!
لقد فشلت خطة السلطة في الالتفاف، وكان النص القانوني بإلغاء الحبس الاحتياطي في قضايا النشر أو الجرائم التي تقع بواسطة الصحف، وصرنا بذلك أمام وضع قانوني مستقر، فجاء قانون الإعلام الجديد ليقر ما كانت تريد السلطة إقراره في سنة 1995!

فالمعنى من نص المادة (38) من قانون الإعلام الجديد، أنه يمكن لصحفي أو إعلامي أن يجري مقابلة مع أحد الأشخاص، سواء نشرت في صحيفة أو أذيعت في برنامج فيكون هذا مبررا لحبس الضيف احتياطيا، وهو ما يفتح الباب للانتقام بالقانون من الأشخاص الذين تتم استضافتهم في برامج التوك شو، بل قد تتحول هذه البرامج إلى "أكمنة" لاصطياد المعارضين، لتمكين سلطة الحكم العسكري من الانتقام السريع منهم، وفي أمور قد لا تمثل جرائم، فإذا كان الحكم القضائي بإدانته بالغرامة، أو صدر بالبراءة، تكون السلطة قد أخذت بحقها من الضيف بعملية حبسه احتياطيا، وبالمدة التي "تشفي غليلها"!

وفي أزمة القانون 93 لسنة 1995، كان يقال إن النيابة جهة قضائية مستقلة، وبالتالي فلا يجوز الخوف من أن تستخدم أداة في يد السلطة للانتقام، فما الذي يخيف الصحفيين إذن؟ إلا أنهم يريدون أن تكون على رؤوسهم ريشة. مبارك هو من قال حينئذ إن الصحفي ليس على رأسه ريشة ليُعفى من الحبس الاحتياطي في قضايا السب والقذف!

كان الحديث عن عدم استقلال النيابة والقضاء حساسا، ومع ذلك رفضت جماعة الصحفيين إقرار الحبس الاحتياطي في قضايا النشر، ولو كانت الجهة التي بيدها عقدة الأمر مستقلة تماما، هذا فضلا عن افتقاد المبرر القانوني للحبس الاحتياطي في قضية منشورة، فلا يخشى من ضياع الأدلة، ومن متهم معروف لا يخشى من هروبه، لاسيما أن الدعاوى القضائية تختصم المؤسسة الصحفية ورئيس التحرير!

لقد صار اللعب الآن على المكشوف، ورأينا كيف جرى توظيف بعض الدوائر القضائية لصالح السلطة، فتصدر أحكاما بالسجن على موتى، قبل وقوع الجريمة، وعلى مساجين، وتوجه الاتهام لأعمى بقنص ضباط شرطة، كما رأينا كيف أن النائب العام خالف القانون وأفرج عن صحفيين بكفالة، والنيابة في النهاية تتبع وزير العدل، وإن كان لها اختصاص قضائي!

واللافت أن المادة (38) بها عوار دستوري، فالمادة (71) من الدستور في الفقرة الثانية جاء نصها "لا توقع عقوبة سالبة للحريات في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر والعلانية..."، فالامتياز الدستوري للجريمة وليس لمرتكبها، وهذا التمييز يلزمه الدفع أمام محكمة الموضوع بإحالته للمحكمة الدستورية، وبعد أن يكون قد نكل بالمتهم بقرارات الحبس الاحتياطي، وقد ترتأي النيابة بعد قراراتها أنه لا وجه لإقامة الدعوى أو تحفظ البلاغ أو تتركه مفتوحا، فلا تحيله للمحكمة المختصة التي بيدها وحدها سلطة إحالة الدعوى للمحكمة الدستورية، التي لا تقبل الطعون من آحاد الناس وإنما بطريق الإحالة. 

الخلاصة، أننا أمام نص كارثي، إذا قام بإعفاء الصحفيين والإعلاميين، فإنه سيكون مصيدة، للضيوف، وللكتاب من غير الصحفيين، وللقراء على باب الله، ليزيد من قبضة القمع على وسائل الإعلام، وهي ردة تليق بهذا الحكم المستبد الذي يحكم مصر، وقانونه يؤسس لفكرة أن الصحافة جريمة!

وما خبث لا يخرج إلا نكدا!