قضايا وآراء

المعارضة السورية.. فرصة أخيرة للبقاء

1300x600
أكثر ما يميز هذه المرحلة من عمر الثورة السورية؛ هو بروز النظام كقوة عظمى قادرة على إحداث تغييرات على الأرض وقلب الموازين لصالحه، ربما نتيجة للدعم الإيراني الروسي الذي استفحل في قتل السوريين لإخضاعهم ولاستعادة السيطرة على المناطق المحررة، وربما نتيجة لتهاون المعارضة السورية واقتناعها بتغيير طرق المسار لإسقاط الأسد وتحقيق مطالب الشعب في الحرية، فبدت جدية المعارضة مساوية لرغبة الجميع في جعل إسقاط الأسد أمراً ثانوياً يبدأ بالقضاء على التنظيمات الجهادية المصطنعة.

منذ انطلاق شرارة الأحداث في سوريا؛ يحاول النظام جاهداً عبر وسائل إعلامه تغيير مفهوم الثورة في عقول السوريين، وتشكيل وجهات نظر دولية تجاه الأحداث الجارية على الأرض السورية، فرسم سيناريوهات مستقبلية وشارك بتمثيلها من خلال إفراغ سجونه من "المتأسلمين" الجهاديين لفرضهم على الفصائل المسلحة بهدف تغيير نهجها الفكري ودعم رواياته لكسب الرأي العام العالمي، كما عمل على زرع أعضاء جديدة في جسم المعارضة السياسية لخلق انتكاسات في مسارها السياسي، من خلال تناقض وجهات النظر حول تحقيق الأهداف أو تطويل فترة تحقيقها على الأقل.

اليوم يجني نظام الأسد ثمار جهوده لسنوات وثمار الفيتو الروسي المنقذ وثمار السياسة الأمريكية الهوجاء، لا بل ويجني ثمار المخاوف السعودية من فقدان الهيمنة على الإشراف على التبدلات السياسية في المنطقة، وثمار ضعف مواقف المعارضة السورية داخلياً وخارجياً.

المعارضة السورية، بجناحيها العسكري والسياسي، تقف هذه الأيام أمام التزام أخلاقي بحق الشعب السوري الذي منحها ثقته على مدى خمس سنوات، والذي ما بخل في تقديم الغالي والنفيس لتحقيق مطالبه في الحرية والعدالة، فما أحوج الثورة السورية هذه الأيام لردات فعل ممنهجة تنصف السوريين حقوقهم، وهنا تبرز أهمية توحيد لجهود والعمل باستراتيجيات جديدة لإعادة التموضع المأمول وإثبات الوجود على الأرض السورية وطاولات الحوار. فالمعركة الفكرية اليوم أشد فتكاً وتأثيراً، خصوصاً بعد تمادي السياسة الروسية وحصولها على شرعية التدخل في الشأن السوري، ولو ضمنياً.

أمام المعارضة السورية فرصة جديدة لحفظ ماء وجهها أمام السوريين وأمام مجموعة أصدقاء الشعب السوري، بل ولديها الفرصة لاستعادة هيبتها المفقودة في مواجهة وضاعة وخسة سياسة النظام وحلفائه. فاليوم تبدو الضرورة ملحة لإعلان النفير العام على كافة الأراضي السورية وخارجها، ومخاطبة السوريين بشفافية لتحريك الشارع السوري سلمياً ومسلحاً، والتوجه أكثر للإعلام، وخصوصاً الغربي، لفضح ممارسات وجرائم الروس بحق السوريين، وتفعيل مبدأ المشاركة السياسية مع الأطياف الثورية المنبثقة من الداخل لا العكس، وتغيير لهجة الحوار والتعاطي معها باعتبارها جزءا من المشكلة لا جزءا من الحل، ومحاولة استفزاز الدول الداعمة للمعارضة السورية لإجبارها على منح الثوار مضادات طيران وأسلحة فتاكة لمعادلة موازين القوى على الأقل.

من المفترض أن تصلح هذه الاستراتيجية في المرحلة الحالية والمراحل السابقة، لكن إن استمرت التغيرات الجارية اليوم، فمن الصعب الاستفادة منها مستقبلاً، في ظل ازدياد تعقيد المشهد وتشرذم صفوف المعارضة، إضافة لتشعب الدور الروسي.

ربما لن تجد المعارضة السورية في هذه الفترة أذنا صاغية لسماعها ولتلبية مطالبها، لكن على الأقل ستكون قد وقفت لو قليلاً أمام واجباتها تجاه تمثيل أعظم ثورة وشعب، وبطبيعة الحال لن تفقد أكثر مما تفقده اليوم خلال استراتيجيتها الحالية.

لا شك ان هذه الاستراتيجية تتطلب شجاعة فدائيين لا يعرفون الخوف ولا يهابون الموت، أو حنكة رواد وممتهني سياسة، وهذا ما افتقدته المعارضة السورية خلال سنوات الثورة الخمس، ما ينبئ بصعوبة إحداث تغييرات لو طفيفة في المنهج الحالي على الأقل، وربما تستسلم المعارضة السورية لعجزها وشللها معلنة فقدانها شرعيتها، إلا أن الأمل يبقى معقوداً على ثلة جديدة أنجبها شعب يرتشف مرارة المعاناة ويقدم معاني جديدة للبطولة.