كتاب عربي 21

الوضع الكافوني

1300x600
كنتُ أعتقد أن الإنسانية قد انحطت إلى الوضع الطرمباوي حتى رأيتها تنزلق إلى الوضع الكافوني فصار حمد الله على المكاره واجبا يقتضيه الإيمان بالمَعَاد. وحتى لا يعسر الأمر على قارئ لا يعرف كافون أقول إن كافون هذا فنان تونسي إمي وجاهل يغني غناء على ايقاع واحد بمعان لا تتغير ويفتقد فوق ذلك روح الدعابة التي ينشرها شعبولا المصري فضلا على أن الطبيعة قد حبته بوجه يخوف به الأطفال قبل النوم وجسما أقرب إلى خشبة دب فيها السوس ولكننا وجدناه فجأة مستشارا لوزير التعليم التونسي يعلمه كيف يدير وزارته في مواجهة غضب رجال التعليم فقلنا الحمد لله على ما أصاب به قوما صابرين وقمنا إلى الرزق في الوضع الكافوني. وتعزّينا بالقول عسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا.

المغني المسطول في المستشارية

هو من افرازات الثورة فلم يكن نسمع به قبلها حتى صار نجم الشاشات وفتح له ركح قرطاج فقلنا للحرية عيوبها ورددنا من أجل زيت الحرية  سنأكل فيتورتها.(الفيتورة هي فضلات الزيتون بعد عصره وهي تعطى علفا للدواب) ثم أدخله الإعلام إلى بيوتنا فهربنا إلى قنوات الطبخ للحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات العائلية السليمة. ولكن أن يصير مستشارا في التربية فهذا ما لم يرد في كتب الأولين ولا الأخرين. ثم أخذت الصورة في التجلي. فكافون عنوان ثقافة يراد لها أن تسود. تقوم على الترويج لليأس والإحباط و تبرر المخدرات كحل للشباب ليعيش نشوته ويغيب عن وعيه بمحيطه وثورته. مع جرعة من النقمة الغريزية على كل فعل السياسة مهما كانت مراميه.

لقد عملت جهات نعرفها الأن بوضوح على أن يحقد الشباب على السياسيين وأن يمعنوا في التردّي واليأس وينخرطوا في ما هو غريزي حيواني وهي نفس الجهات التي منحت إدارة مهرجان السينما لشخص يفتخر بعدائه للغة قومه فلا يتكلم بها ثم نكتشف أنه من طينة كافون وقد حوكم بترويج الخمور خلسة.

الكافونية هي قتل الثقافة بشكل منهجي لصالح ثقافة أخرى تتمول من الفرانكفونية وتفتح للغة فرنسا الأبواب. بواسطة وزارة الثقافة  التي يعرف الجميع أنها مقاطعة يسراوية فرنسية إنها عنوان ماكينة نشطة تعمل بلا كلل على فصل البلد عن ثورته وعن هويته وعن جذوره العربية المسلمة وليس وزير الثقافة ووزير التربية إلا موظفين عند  هذا التوجه. وقد تجلى ذلك من عمل وزير التربية على برنامج الإصلاح التربوي الذي أقسي منه جميع الفاعلين السياسيين والتربويين ومنح خصيصا لمنظمة عهد الفرنكوفونية ولمعهد حقوق الإنسان الذي لم يدّخر جهدا في تدعيم الثقافة الفرنسية على حساب العربية. بما جعل الثقافة والتربية منطقة نفوذ فرنسي بامتياز.

رداءة كافون سلاح في معركة هوية وإن تخفت بأسماء مستعارة وهي في تقديري إحدى معارك الثورة التونسية التي أوجلت حتى لم تعد قابلة للتأجيل. وها قد اتخذت فيها فرنسا وأعوانها المحليين أكثر الاسلحة بؤسا وانحطاطا ولذلك فلا عجب أن يحول النقاش من الاصلاح المطلوب إلى هجوم قذر على رجال التعليم وفي التلفزة العمومية لأن رجال التعليم تحركوا بهدف واضح إسقاط الوزير. الذي يعتبر آخر ضمانة لإنجاح إصلاح مفروض من نفس الدوائر التي فرضت إصلاح الشرفي القائم على تجفيف منابع العروبة والاسلام في تونس. يصبح كافون هنا حجرة ترمي على المربين لوضعهم بين الرد عليه بلغته أو الترفع عن الإسفاف وخسران معركتهم أمام جمهور التلفزة الذي لا يزال يعيش بوعي أن ما يقال في التلفزة علم منزل. ولكن خلف معركة الهوية الواضحة تختفي معركة تموقعات سياسية غير معزولة عن معركة الهوية 

المعركة على مؤتمر النقابة
النقابة تعقد مؤتمرها في جانفي (يناير) وهذه أيام الاستعداد لنيل موقع متقدم. والتصعيد النقابي هو أفضل السبل لذلك. وقد تجلّت معركة تمثيل قطاع التعليم الثانوي في المكتب التنفيذي (قانون النقابة يعطي مقعدا واحدا للقطاع) يحتله الآن نقابي من تيار الوطد بينما يقود النقابة استاذ عروبي الهوى واحد منهما فقط يجب أن يبقى في المكتب التنفيذي. يقف النقابي من الوطد مع جلول بينما يسعى العروبي إلى اسقاط جلول. وقد كان التياران منسجمان حتى مفتتح السنة الدراسية في شهر أيلول ويستعملان النقابة ضد الحكومات المتتابعة بعد الثورة لكن ساعة الحقيقة حلّت فاختلفا. وليس في اختلافها رحمة بل كسر عظم. 

وعلى جانب المعركة على المكتب التنفيذي انكشفت مرة أخرى القوى السياسية المستحوذة على الماكينة الإعلامية.  ذلك أن الإعلام العمومي والخاص انحاز إلى جانب الوزير بما كشف عن مواقع سيطرة الوطد على الإعلام هذا الأمر تجلّى سابقا في انحياز نفس الإعلام الى جانب حزب المشروع الذي انفصل عن حزب النداء وهاجم الباجي المؤسس. وغفل عنه المراقبون حتى تجلى في المعركة الأخيرة مما زاد في جلاء صورة القيادة الإعلامية في البلد. والتي كانت منذ البداية ضد الثورة وقد خالها الناس ضد التيار الإسلامي فقط ولكن كلما ضاقت المعركة تبين هوية الإعلاميين المهيمنين على المشهد. وعند الربط بإعلام ما قبل الثورة نكتشف ما كنا نرى ولا نعقل. الإعلام العمومي مملوك لتيار الوطد الذي اشتغل فعلا كآلة دعاية لبن علي والذي بذل كل جهده منذ الثورة في تحطيم حكومات ما بعد الثورة وبواسطة كافون وأمثاله. بما يجعلهم الآن يجسدون لسان الدفاع عن منظومة بن علي منظومة التعذيب. والتي عاشت طويلا من خدمة الفرانكفونية.

ماكينة منسجمة في اداورها ولها خط تحرير  موحد ضد كل تغيير . والدفاع عن وزير التربية الذي كان من نشطاء الوطد  وتخفى في أحزاب أخرى. لا يختلف عن وقوف هذا الإعلام ضد هيئة الحقيقة والكرامة وقد حوّل جلسات الاستماع العلني إلى جريمة. أنه اعلام واع بأن فضح  منظومة التعذيب  سيؤدي به وإن تقطعت الجلسات وتباعدت.

أسئلة برسم المستقبل 
يطرح المشهد الآن أسئلة قد نجد لها إجابات في المستقبل القريب لكن مهما كانت التوقعات متفائلة فإننا اللحظة نعيش الوضع الكافوني بكل "امتيازاته" الموجعة فالمنظومة القديمة التي طالما زعمت الافتخار بالمدرسة تسلّط على المدرسة الآن أمثال كافون ليحطّ من صورة المربي عند الناس ولينزل بالحوار حول التربية إلى حالة من الإسفاف المرزي بكل القيم والتوافقات الاخلاقية التي يقوم عليها البلد .هذه الأسئلة تطرح نفسها بقوة.

أولا إلى متى تصمت المجموعة الوطنية على إعلام مقرصن من تيار سياسي يشتغل لفائدة جهة حزبية برهنت على وقوفها ضد الثورة في كل المعارك ووقفت ضد كل نفس تغييري من شأنه أن يحقّق مطالبها.

وثانيا إلى متى تظل المدرسة مجالا للخصومة السياسية بين الأحزاب والتيارات الفكرية فالإصلاح يقتضي تحييد المدرسة بصفتها مرفقا عموميا (وهو أمر منصوص عليه بالدستور) فلا الوزير واصلاحاته الكافونية ولا النقابة وانتباهها الفجائي إلى أخطاء الوزير وسوء تدبيره بريئان من العبث بالمدرسة، في فترة حساسة جدا من تاريخ التعليم تردت فيه النتائج وانهارت سمعة التعليم التونسي بعد أن كان مشهودا لخرّيجه في أسواق التشغيل المحلية والعربية.

وثالثا وإجمالا في الوضع الذي تهيمن فيه ثقافة كافون لا يختلف كافون عن وزير التربية عن زعيم النقابة فكلهم يتخذ المدرسة مطية لغير ما وضعت له والضحايا هم أطفال تونس الذين فتحوا أعينهم على ثورة ويأملون منها خيرا لكنهم يجدون الوضع "كافونيا" تقوده أفكار وقوى لم تؤمن بالثورة وإن زعمت فهي تزري بمستقبلهم ولا تترك لهم سوى الاستماع إلى كافون.