ملفات وتقارير

معركة الرقة بسوريا.. بين الإعلان السياسي والتقدم الفعلي

أصابت غارات للتحالف الدولي مناطق مدنية في الرقة - أ ف ب
تسير معركة "غضب الفرات" بخطى بطيئة تعكس حجم الخلافات والمعوقات الماثلة أمام معركة طرد تنظيم الدولة من الرقة على يد قوات سوريا الديمقراطية التي تشكل الوحدات الكردية عمودها الفقري، لما لهذه المعركة من انعكاسات خطيرة على الداخل السوري والإقليمي معا.
 
تقدم طفيف مقارنة بالدعم الكبير
 
فلم تحقق قوات سوريا الديمقراطية، المعروفة اختصارا باسم "قسد"، تقدما كبيرا نحو الرقة، منذ الإعلان عن انطلاقها من قبل الوحدات الكردية في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، رغم الدعم الجوي الكثيف الذي تقدمه قوات التحالف الدولي.
 
ويقول الناشط الإعلامي صهيب الحسكاوي؛ لـ"عربي21": "تقدمت قسد من محور سلّوك، ومحور عين عيسى، حيث بسطت سيطرتها على قرى خالية من وجود التنظيم في محور سلوك"، مضيفا: "أما في محور عين عيسى، فتطلبت السيطرة على قرية الهيشة ستة أيام، علما أنه لا يوجد فيها سوى 35 مقاتلا" من تنظيم الدولة، وفق قوله.

ويؤكد الخبير العسكري العقيد أديب العليوي؛ هذا بقوله لـ"عربي21": "لولا القصف لما استطاعت قوات قسد السيطرة على قرية الهيشة، فقد قتلت قوات التحالف أكثر من 30 مدنياً منهم سبعة أطفال وخمس نساء".

ويضيف: "ما زالت القوات الكردية عاجزة عن دخول بلدة تل السمن رغم الإسناد الجوي لقوات التحالف وشنه عشرات الغارات، ويعتمد تنظيم الدولة على المفخخات والألغام في الدفاع".

ويرى مراقبون أنّ معركة الهيشة تُعبّر بشكل واضح عن الصعوبات التي ستواجه "قسد" في طريقها نحو الرقة. فلم تتم السيطرة على القرية إلا بعد تدميرها.
 
ويؤكد المحامي أنور المحمد الخضر، من الرقة، ذلك الرأي قائلا: "يمكن لقسد التقدم بعد تمهيد طيران التحالف، وحرقه للبشر والشجر والحجر"، وفق تعبيره.
 
إعلان "غضب الفرات" سياسي
 
وتؤكد المعلومات الميدانية أنّ المعركة الحقيقية لا تزال بعيدة، وأنّ إعلان بدء المعركة كان سياسيا وأقرب منه للواقع العسكري.
 
فقوات سوريا الديمقراطية تريد بهذا الإعلان قطع الطريق على الأتراك المصممين على التوجه نحو الرقة بعد طرد التنظيم من مدينة الباب، في ريف حلب الشرقي، كما يرى مراقبون.
 
فقد باتت قوات "درع الفرات" المدعومة من تركيا؛ على مسافة سبعة كيلومترات شمال مدينة الباب. وبمجرد تجاوز "درع الفرات" عقدة الباب، سيتجه الثوار إلى منبج التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، والرقة.

ويوضح العقيد العليوي لـ"عربي21"؛ أن "لمعارك ريف حلب الباب ومنبج تأثيرا على معركة الرقة، وتركيا هي بيضة القبان بالنسبة لمعركة الرقة"، وفق تقديره.

ويقول الناشط الإعلامي محمود الحسن، من ريف حلب: "سيكون هدف الثوار الاستراتيجي اللاحق مدينة الرقة، وبذلك يتم وأد الحلم الكردي بإقامة دويلة كردية قومية"، وفق قوله لـ"عربي21".
 
معوقات معركة الرقة
 
وما يؤكد صعوبة انطلاق المعركة الحقيقية؛ جملة من العوامل الموضوعية المتعلقة بقوات سوريا الديمقراطية والوضع الميداني من جهة، وعوامل متعلقة بالوضع الإقليمي والدولي من جهة ثانية. فقد رشَحت مؤخرا خلافات عميقة داخل صفوف "قسد"، إذ أعلن محمود الهادي، رئيس المكتب السياسي "للواء ثوار الرقة" عدم مشاركة اللواء في معركة "غضب الفرات"؛ لأن الوحدات الكردية لم تلتزم بما اتُفق عليه قبل بدء المعركة، والذي ينص على أن يكون المقاتلون من أبناء المدينة، وأن يرفع علم الثورة و"قسد" فقط، وأن تُدار المدينة من لواء ثوار الرقة وفعاليات مدنية أهلية.
 
ورغم التقليل لاحقا من شأن الخلاف، إذ قالت جيهان شيخ أحمد، المتحدثة باسم قوات حماية الشعب الكردية، إن "ثوار الرقة متواجدون في الريف الشمالي للرقة، ولهم دور في المراحل القادمة، وهو فصيل في قوات سورية الديمقراطية"، إلا أن هذا الخلاف يؤشر بوضوح لحجم الأزمة، ولا سيما أنّ الولايات المتحدة تؤيد فكرة دخول العنصر العربي دون سواه للرقة، وهذا ما رشح أيضا اللقاء بين رئيسي الأركان التركي والأمريكي في أنقرة الأسبوع الماضي، وترفضه قوات الحماية الكردية.
 
وتلعب الجغرافيا عاملا مساعدا لصالح تنظيم الدولة كما يرى ناشطون. فالقرى الواقعة بعد قرية الهيشة باتجاه الرقة تتميز بكثافة سكانية عالية، فضلا عن كثرة البساتين والمزارع، ما يتطلب أعدادا أكبر من المقاتلين لا تستطيع قوات سوريا الديمقراطية تأمينهم، كما أن الفاتورة البشرية لهذه المعارك ذات كلفة عالية يصعب على الكرد دفعها، ولا سيما أن المعركة خارج مناطقهم.

ويقول القيادي في لواء "أحفاد الرسول" في الرقة سابقا، إبراهيم الظاهر، إن "الدواعش جهزوا خطوط دفاع وأنفاقا تحد نوعاً ما من قصف الطيران إلا إذا دمر الطيران الرقة، كما تعد المناطق قبل الرقة منطقة كمائن"، وفق قوله لـ"عربي21".

 العائق الخارجي
 
ولا تغيب هنا الضغوط التركية الرافضة لأي مشاركة كردية في معركة الرقة، ما اضطر الولايات المتحدة إلى إرسال رئيس الأركان جوزيف دانفورد للاجتماع مع نظيره التركي خلوصي أكار في أنقرة، على مدى من أربع ساعات، ليعلن الطرفان اتفاقهما على جملة أمور، لعل أبرزها التأكيد أن تكون القوة الموكلة بتحرير الرقة من العرب السنة لا الكرد.
 
وحتى الآن، تمكن تنظيم الدولة من منع تقدم القوات الكردية. ويقول صهيب الحسكاوي: "ما زالت القوات الكردية عاجزة عن دخول بلدة تل السمن رغم الإسناد الجوي لقوات التحالف وشنه عشرات الغارات", فالتنظيم يشن هجماته الخاطفة أو الانتحارية من القرى القريبة التي يسيطر عليها، حيث "يتحصن التنظيم داخل قرية خنيز جنوبي وخنيز سلمان مستخدما أسلوب الكر والفر"، وفق الحسكاوي.
 
"نتائج مأساوية"

وبدأت تظهر نتائج عملية "غضب الفرات" على الأهالي في المنطقة، رغم أن المعركة في بداياتها. ويمثل مقتل 24 مدنيا في الهيشة نموذجا للأخطاء التي يرتكبها طيران التحالف، إلى جانب تدمير القرى وتسويتها بالأرض.
 
ويذهب الناشطون بعيدا؛ عندما يؤكدون أن عملية "غضب الفرات" تستهدف المدنيين وتغيير الخارطة الديمغرافية للمنطقة.
 
ويقول أنور الخضر: "استهداف المدنيين هو الهدف الأساسي لغضب الفرات وليس داعش"، حيث تشهد المنطقة موجة نزوح غير مسبوقة، وهو ما أشار إليه الخضر عبر القول إن "إفراغ المنطقة عبر القصف سياسة ممنهجة، وتجربة تل أبيض وسلوك حاضرة أمامنا"، وفق تعبيره.

ويرى العقيد العليوي أن "معركتي الرقة والموصل متشابهتان، حيث تهدفان لتغيير ديمغرافية المنطقة"، فيما تشهد المنطقتان موجة نزوح غير مسبوقة.

ويبدو أن عملية "غضب الفرات" ستبقى عند حدود الرقة، ريثما ينضج الاتفاق الأمريكي التركي في نسخته النهائية. فالمراقبون يؤكدون حتمية سيطرة النظام على الرقة لاحقا في حال سيطرة قوات الحماية الكردية عليها، وهذا ما لا ترغب به الولايات المتحدة وتركيا. كما أن سيطرة الكرد على الرقة ستشعل حربا عرقية بين المكونين العربي والكردي يكون المستفيد منها نظام الأسد وتنظيم الدولة، وفق ما يراه متابعون للشأن السوري.

ويرى العقيد العليوي أن "أمريكا توزع المهام في معركتي الموصل والرقة، ومهمة قسد عزل الرقة، ويبدو أن قسد عاجزة عن هذه المهمة"، وفق تقديره.

وهنا يؤكد العليوي أن "أهل الرقة لا يقبلون الانتقال من إرهابي لإرهابي آخر فضلاً عن تدمير المدينة"، كما قال.