قضايا وآراء

العنصرية في مكتب وزارة الداخلية في القدس الشرقية

1300x600
ولدت أنا وزوجتي في القدس الشرقية قبل الاحتلال الإسرائيلي للمدينة في عام 1967. وابنتنا الصغرى، دينا، ولدت أيضاً في القدس. أبقينا لنا منزلاً في القدس، المدينة التي لا تزال مركز حياتنا، على الرغم من أنني مضطر للسفر كثيراً من أجل العمل.

لقد قضينا هذا الأسبوع يوماً كاملاً في مكتب وزارة الداخلية الوحيد الذي يسمح بتقديم وثائق الإقامة الرسمية للفلسطينيين. سكان القدس الشرقية أجمعون والبالغ عددهم 350.000 نسمة لا يمكنهم أن يستخدموا إلا مكتباً واحداً فقط لوزارة الداخلية، الذي يقع في وادي الجوز، بينما يُمنعون من استخدام ثلاثة مكاتب أخرى للوزارة لباقي شؤونهم العملية (بما فيها المكاتب في جيلو وهار حوما، التي تقع ضمن المستوطنات في المناطق المحتلة منذ عام 1967).

بالنسبة للفلسطينيين في القدس فإن الزيارة الإلزامية للوزارة هي مكروهة كالزيارة إلى طبيب الأسنان. عليك أن تنتظر في الطابور لساعات وذلك فقط لدخول المبنى وبعد أن تدخل فإنك ستقضي بضع ساعات أخرى حتى يأتي دورك ثم يقابلك مسؤول لن تكون مسرورا بمقابلته إذ يبحث عن سبل ليوقعك في الفخ بدلاً من أن يساعدك. يجب على كل فلسطيني يرغب في الحصول على وثيقة سفر أو هوية أن يزور هذا المكتب غير المحبب. والحصول على بطاقة الإقامة الزرقاء الدائمة لابنتنا ليس أمراً مختلفاً.

هذه الزيارة هي عملية مضنية بالنسبة للفلسطينيين في القدس. فإنك تحتاج إلى تحضير جميع أنواع الوثائق لإثبات أن القدس هي مركز حياتك، على الرغم من أنك في النهاية تكون تحت رحمة مسؤول إسرائيلي يتخذ القرار النهائي.

عملنا كل ما يلزم لابنتنا دينا، التي أصبحت الآن مؤهلة للحصول على بطاقتها الشخصية، لمساعدتها في إثبات إقامتها في القدس. كنا قد أحضرنا عقد إيجار المنزل وفواتير الخدمات لدينا والأرنونا (ضريبة البلدية) لمنزلنا. كانت ابنتنا، التي تدرس في مدرسة داخلية مرموقة في الأردن، تقضي كل صيف في القدس لتظهر اتصالها بالمدينة وقد أحضرت الوثائق اللازمة لإثبات أنها تدرس في مدرسة داخلية.

بعد أربع ساعات من وصولنا إلى الوزارة، التقينا أخيراً بالمسؤول الذي سيقرر وضعها. في غضون دقائق من النقر على جهاز الكمبيوتر، قرر المسؤول الإسرائيلي اليهودي (تقريباً جميع أولئك الذين يتعاملون مع الفلسطينيين هم يهود إسرائيليون) أن ابنتنا لا يمكنها أن تحصل على بطاقة إقامتها لأنها لا تعيش في القدس بشكل دائم. يبدو أن كونها تذهب إلى مدرسة داخلية في الأردن كان الدليل القاطع الذي أمسك به المسؤول الإسرائيلي ليحرمها الحق في الحصول على البطاقة. وقال دون أن يرمش له جفن: "هذا يعني أنكِ لا تعيشين هنا وليس هناك حاجة لأن يكون لديكِ بطاقة إقامة". "عندما تقررين أن تعيشي هنا بشكل دائم سوف نناقش موضوع منحك الإقامة الدائمة".

كان لاحتجاجي بأنها ستجد صعوبة في التنقل وحتى في عبور الجسر إلى الأردن وقع يذكر لتغيير رأيه. عادة، إثبات الإقامة الدائمة يعني أن تقضي ما لا يقل عن ستة أشهر في السنة في القدس، وبالتالي، فإن ابنتنا وعلى مدى السنوات الأربع المقبلة من دراستها في الخارج لن تكون لها بطاقة إقامة تثبت أنها مقيمة دائمة في القدس.

في نواح كثيرة، حقوق حوالي 350.000 فلسطيني في القدس هي هشة مثل حق ابنتنا. فهم أيضاً بين أيدي المسؤولين الإسرائيليين الذين يبدو أن هدفهم الرئيسي هو إيجاد سبل لحجب منح الإقامة لأكبر عدد ممكن من الفلسطينيين. حتى بعد الحصول على بطاقة الإقامة المنشودة، يمكن أن يفقد الفلسطينيون إقامتهم الدائمة في مختلف الطرق، بما في ذلك إمكانية أن لا تكون القدس مركز حياتهم (يتم تحديدها من قبل نفس المسؤولين الإسرائيليين)، أو إذا حصلوا على إقامة أخرى أو جنسية أخرى.

من الناحية الفنية، يمكن للمقيمين الدائمين أن يتقدموا بطلب للحصول على الجنسية الإسرائيلية، ولكن ليس هناك ما يضمن أن يحصل الفرد على الجنسية تلقائياً. يقضي معظم الفلسطينيين حياتهم كلها وهم لا يملكون جنسية غير بطاقة الهوية الإسرائيلية الزرقاء التي تؤكد أنهم مقيمون دائمون.

الإقامة لفترات طويلة بعيداً عن البلد بهدف العمل أو لأي سبب آخر يمكن بسهولة أن يكون سبباً لفقدان هذا الحق وبالتالي القدرة على العودة إلى مسقط رأسك إلا كسائح بإذن إقامة محدود.

الفلسطينيون في القدس الشرقية لا يحملون جوازات سفر من الحكومة الفلسطينية، التي حُرمت من أي حق لتمثيلهم أو التحدث نيابة عنهم. تم إلغاء مهرجان الدمى للأطفال من قبل السلطات الإسرائيلية منذ بضع سنوات لأن المسرح الوطني الفلسطيني ومقره القدس قد حصل على منحة من النروج عن طريق وزارة الثقافة الفلسطينية.

لا زال وضع مئات الآلاف من الفلسطينيين في القدس يقرره المسؤولون الإسرائيليون الذين يقررون ما إذا كان يحق منحهم أو حرمانهم امتلاك الوثيقة التي تسمح لهم بالإقامة في مدينتهم التي ولدوا فيها. يبدو أن بعض المسؤولين يحتفلون بهدوء في كل مرة يرفضون حق المقدسيين في حين تصطك أسنانهم كلما يضطرون إلى منح هذا الحق.

نجد هنا عنصرية وتمييزاً حقيقيين يمارسان يومياً وفي كثير من الأحيان في مكتب وزارة الداخلية في وادي الجوز. بالتأكيد، فإن البيروقراطيين الذين يعملون هناك يصرون على أنهم ينفذون القانون - الذي وضع إقامة شعب بأكمله تحت التساؤل - ولكن هذا لا يجعل عملهم يكون أي شيء أقل من تمييز ضد العرب الفلسطينيين.

هؤلاء المقدسيون هم أيتام سياسياً ولا يسمح لأحد الدفاع عنهم، أو انتخاب أولئك الذين يقرون الأحكام التي تؤثر عليهم.

بعد أن حُرمت ابنتنا دينا من الحصول على الإقامة الدائمة، انزعجت ولكنها قالت بعزم في عشاء العائلة في القدس في تلك الليلة: "لو كنت قد حصلت على البطاقة لما كنت سأعود لسنوات عديدة بسبب الجامعة، ولكن الآن بعد أن رفضوا منحي حقي فسأفعل كل ما بوسعي للعودة وقضاء الفترة اللازمة في القدس من أجل الحصول على الإقامة الدائمة في بلدي".