كتاب عربي 21

عندما يرفع رؤساء الجامعات التونسية الورقة الحمراء

1300x600
قرر رؤساء الجامعات التونسية التعجيل خلال الأيام الأخيرة توجيه رسالة قوية إلى رئيس الحكومة الجديد قبل أن ينهي مشاوراته حول تشكيل فريقه ويعرض نفسه وحكومته على البرلمان لكسب الثقة. وتضمنت رسالتهم التعبير عن قلقلهم الشديد لما آلت إليه أوضاع قطاع التعليم العالي والبحث العلمي في تونس.

تحدث رؤساء الجامعات وكلهم منتخبون من قبل زملائهم في رسالتهم عن وجود "عجز عن تطوير منظومتي التكوين والبحث. وهو ما أدّى إلى تفكّك المنظومة بشكل ينذر بمزيد التدهور ّإذا لم يقع تدارك الأمر والخروج من المركزيّة المقيتة وإيجاد مشروع إصلاحي حقيقي يلتزم بالمعايير الدوليّة في هذا القطاع ويناسب ما في الواقع الاقتصادي والاجتماعي التونسيّ من تحدّيات ومخاطر". 

ودعا رؤساء الجامعات رئيس الحكومة المكلّف يوسف الشاهد "بالإصغاء إلى مقترحاتهم في شأن من سيتولّى حقيبة التعليم العالي والبحث العلميّ، فأيّ وزير سيكلّف بهذه الحقيبة مضطرّ بحكم واقع الأشياء وهيكلة التعليم العالي في تونس إلى التفاعل مع رؤساء الجامعات في صياغة أيّ مشروع إصلاحيّ وفي تنفيذه".

تعود بنا هذه المبادرة التي جاءت في صيغة صيحة فزع إلى بدايات بناء دولة الاستقلال. لم يكن بورقيبة ومن معه من أعضاء الحزب الدستوري يملكون أي تجربة في إدارة مختلف مجالات الحكم، لكنه مع ذلك كان يملك ملامح مشروع بناء مجتمع تونسي جديد. ولتحقيق ذلك راهن على عدد من الأفكار والوسائل الرئيسية، وفي مقدمتها إيمانه بأن التعليم سلاح استراتيجي قادر على تغيير المجتمعات وإقامة دولة عصرية. ولإنجاز ذلك هجم بقوة على المدن والقرى فأسس فيها آلاف المدارس والمعاهد، حتى لم تبق قرية في تونس ليس بها مدرسة.ولم يكتف ببناء المدارس وإنما جعل التعليم إلزاميا ومجانيا، وفرض على الأولياء ضرورة تسجيل أبنائهم في تلك المدارس، وخاصة بناتهم استكمالا للثورة الاجتماعية التي أحدثها بفضل مجلة الأحوال الشخصية الجريئة التي أصدرها بعد اسابيع قليلة من حصول تونس على استقلالها. كما تحول التعليم إلى مصعد للارتقاء الاجتماعي عند الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى، إذ بمجرد حصول الطالب على شهادة ما حتى يتوفر له شغل قار ولائق ينقله وينقل معه أسرته إلى حالة اجتماعية أرقى.

هذه المنظومة بمضامينها الحداثية أخذت تتآكل منذ العشرية الأخيرة لحكم بورقيبة، ثم بدت عليها علامات التفكك والانهيار خلال مرحلة حكم الرئيس بن علي. إذ في عهده أصيب النظام التعليمي بأزمة قيمية حادة بعد أن سيطرت النزعة النفعية، واهتزت صورة المربي، وتفشت عديد الظواهر الخطيرة في الوسط المدرسي، ثم جاءت أجواء الانفلات التي حدثت بعد الثورة لتحدث أزمة ثقة حادة بين التلاميذ والطلبة من جهة وبين عموم الأساتذة من جهة أخرى. 

اليوم، بلغت درجات القلق أقصاها بعد أن أصبحت تونس في أشد الحاجة لإنقاذ المنظومة التربوية برمتها وبجميع حلقاتها بدء من التعليم الأساسي ووصولا لى التعليم الجامعي، إذ بدون ذلك لن يتمكن التونسيون من تحقيق أهداف الثورة التي غيرت المناخ السياسي دون أن تنجح في تثوير القيم وتجديد المفاهيم وبناء ثقافة جديدة وفعالة. 

إن ثورة سياسية بدون ثورة ثقافية وتربوية ستكون أنفاسها قصيرة جدا، مما يجعل النظام السياسي الجديد عرضة للتعفن والتفكك، وبدل أن يتم القطع مع الماضي السيئ يحصل عكس ذلك حيث تنجح شبكات الفساد في اختراق النظام الجديد وتعطيله وهو ما قد يؤدي إلى إعادة إنتاج النظام القديم بمختلف آلياته الهدامة.

للأسف، وبعد حوالي ست سنوات من الثورة، لا يزال السياسيون مشغولين بصراعاتهم التي تكاد لا تنتهي، غير عابئين بأهمية القضايا الجوهرية ومن بينها إصلاح المنظومة التعليمية بمختلف مراحلها. فالضربة القاسية التي تلقاها مؤخرا القطاع الطبي بعد اكتشاف إجراء أكثر من 100 عملية جراحية على القلب المفتوح في كبرى المصحات التونسية استعملت خلالها لوالب قلبية منتهية الصلاحية. إذ تعتبر جراحة القلب في تونس من أهم المكاسب التي تحققت خلال الخمسين عاما من الجهد والبناء، ومع ذلك لم يتوقف السياسيون ليتساءلوا عن ضرورة تغيير أولوياتهم، والاستماع بجدية لأهل الخبرة حتى يتخذوا الإجراءات الضرورية لإنقاذ البلاد من انهيار كامل.

لا شك في أن رئيس الحكومة المكلف قد بدأ يدرك أن المسؤولية التي سيتحملها لن تكون تشريفية، وهي أبعد عن البهرج الخارجي الذي يحيط عادة بالمسؤولين الكبار. هناك مسؤوليات تحرق أصحابها، خاصة عندما يتحملونها في ظروف صعبة وانتقالية. تونس اليوم في حاجة إلى شخصيات من الحجم الثقيل، تكون مستعدة للغوص في أعماق الفرن الساخن من خلال اتخاذ إجراءات استثنائية وموجعة ستكون وفق كل التحاليل الموضوعية أشبه بالعملية الانتحارية. لقد أظهرت السنوات الأخيرة أن معظم المجالات الحيوية في تونس مصابة بأمراض مزمنة، وهي في حاجة لسلسلة من الإصلاحات السريعة والمؤلمة أحيانا. 

بمعنى آخر، عندما يقدم مجتمع ما على القيام بثورة، فإن عليه أن يستعد لما بعد إزاحة المستبد الفاسد، لأنه في الحقيقة ليس سوى الشجرة التي تخفي وراءها الغابة المخيفة.