كتاب عربي 21

مفاوضات ما بعد الانقلاب!

1300x600
ظل أحد شباب جماعة الإخوان المستقيلين فترة طويلة يردد أن الإخوان قتلوا أخاه، في دلالة واضحة بأن ثأره عند الجماعة، مما يمنحه رخصة في الجهر بالسوء من القول عند الحديث عنها وعن القيادات، التي دعت للاعتصام في "رابعة"، ولم تكن لديهم خطة للانتصار، على نحو مكن سلطة الانقلاب من قتل كل هذا العدد من المعتصمين، الذين تتراوح أعدادهم بين ألف وثلاثة آلاف شهيد، ومن بينهم شقيقه، الذي قتل بسبب الفشل!

التفكير داخل هذه الدائرة سيعفي الشقيق من مشقة الانتقام لشقيقه بالثأر من القاتل الحقيقي، الذي أطلق النار، وأشعل النيران في الجثث، وإذا كان فقدان الأمل في عودة الجماعة للحكم، دفع الأعضاء السابقين من الجماعة إلى إعلان خلافهم معها، وتأكيد خروجهم منها، وكانت الفرصة الوحيدة للتقارب معها بعد الاستقلال التنظيمي هى في اعتصام "رابعة" وفي الموقف من الانقلاب، فمن هنا صار من الطبيعي أن تجد الآن من يؤكدون على فشل التنظيم، وليس هناك أكثر دلالة على ذلك من رفض القوم الحلول الوسط، سواء بالاستجابة للدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، أو بالخروج الآمن من السلطة، ما دام ليس لدى القوم خططاً بديلة، فكانوا بعد الفض كالمنبت الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى!

كثير مما جرى في الكواليس لم يطلع عليه إلا أصحاب القرار داخل الجماعة، ومع وقوع الفض، كان الخطاب المتشدد هو الطاغي، بشكل جعل هناك من يستسلمون إلى أن الأزمة في تمسك الإخوان بضرورة الاستمرار في السلطة والتمسك بعودة الشرعية كاملة غير منقوصة، مما أعطي الخصم المبرر للقضاء عليها، وكأن السيسي ودوائر الانقلاب دولياً وإقليمياً كانوا في القضاء عليها من الزاهدين.

وهذا الخطاب دفع البعض لتحميل الجماعة مسؤولية هذا الفشل، فكان اتهامها بأنها المسؤولة عن الدماء التي سفكت على يد قوات الانقلاب، فأكدوا بالتشدد أنهم نموذجاً للكفاح الفاشل!

وبعد أن استراح القوم لهذه الفرضية وبأن ثأرهم عند الجماعة، بدأت روايات تتسلل للعلن، فتربك من سكنت الطمأنينة في قلوبهم من جراء التسليم بأن الجماعة تشددت بدون أن تملك أدوات للمواجهة، فأعطت الانقلاب المبرر في أن يقتلهم كافة، وأن يرتكب في "رابعة" وأخواتها جريمة الإبادة الجماعية، وفي المقابل لم تكن هناك رؤية للمواجهة تبرر هذا التصلب في الرأي والموقف!

قال "حمزة زوبع" إن الجماعة حشدت الجماهير لتحسين شروط التفاوض، قبل أن يتراجع عن هذا التصريح، لكنه أربك المعسكر الذي بني موقفه على تشدد الجماعة، وعندما قال الشيخ محمد حسان، أنه كان يملك الحل، بعد مفاوضات مع السيسي، لكن الجماعة رفضت مبادرته لأن أمالها كانت منعقدة في قدرة "كاثرين آشتون" في عودتها للحكم، قال أحد المشاركين في مفاوضات "آشتون" الدكتور "محمد محسوب"، أن العكس تماما هو الذي حدث، فقد كانت الجماعة مرنة حد قبولها بنقل صلاحيات الرئيس إلى رئيس الوزراء، استعداداً لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وهو ما وافق عليه الرئيس مرسي في لقائه مع المذكورة في مقر اختطافه!

ولأن الدكتور "محمد محسوب" لديه خصوم في معسكر الشرعية، يرون أن تشويهه مقدم على تشويه "السيسي"، وقد رأي الخصوم أنها شهادة من "ظاهر الأوراق" منصفة، وليس مقبولا الإنصاف من "محسوب"، فقد ذهبوا يقولون: ولماذا تأخر لمدة ثلاث سنوات إلى أن أدلى بهذه الشهادة؟، واعتبروا إخفائها جريمة مضافة إلى جملة جرائمه، التي بدأت بحديثه في برنامج " شاهد على العصر" على قناة "الجزيرة" عن بعض أخطاء الرئيس محمد مرسي، ومن يومها  فإن من يتبنون نظرية "الرئيس المعصوم" يتربصون به الدوائر!

لم يكن "محسوب" وحده مشاركاً في المفاوضات مع "آشتون" فالجماعة كانت حاضرة بممثلين لها في السلطة، لم يؤاخذوا بالتكتم على ما جرى لكن أُخذ بذلك الدكتور "محسوب"، وكما قيل فإن "حبيبك يبلع لك الزلط وعدوك يتمنى لك الغلط".

الدكتور "محمد محسوب" لم يذكر من هو رئيس الوزراء الذي تم الاتفاق مع "آشتون" على أن الرئيس "محمد مرسي" سيسلم له صلاحياته، وقد قال أحد المشاركين في هذه المفاوضات وهو الوزير السابق الدكتور "عمرو دراج" أن الاتفاق على نقل الصلاحيات لم يكن اتفاقاً مع "كاثرين آشتون" ولكنه جاء بمعزل عن المفاوضات معها، وإذا كانت بعض الروايات قالت بأن نقل الاختصاص في هذه الحالة كان سيتم للدكتور "محمد البرادعي"، فإن "دراج" نفى ذلك وأكد أن النقل كان سيتم لصالح رئيس الوزراء المعين من قبل الرئيس "محمد مرسي" وهو "هشام قنديل"، ووفق ما جاء في دستور 2012 المستفتى عليه!

بعض المؤيدين للرئيس "محمد مرسي" لهم نفس رأيي في الدكتور "محمد البرادعي" من أنه رأس كل خطيئة، الفارق بيننا يتمثل في أنني لم أراه كذلك بأثر رجعي، وكنت أرى وباعتباره أحد المبشرين بالثورة، وبعلاقاته الدولية، كان سيمثل إضافة إذا جرى اختياره رئيسا للوزراء في أول حكومة بعد انتخاب مرسي، وهم يرون أن عدم اختياره هو "عين الصواب"، فهو سييء بالفطرة، وعميل منذ نعومة أظافره.

وفي البدء كان الإخوان يقولون أنهم عرضوا على "البرادعي" منصب رئيس الوزراء ورفض، ولم يكن هذا صحيحاً، لكن الآن وعندما تبين أن الرئيس مرسي رفض طلبا أمريكيا وألمانياً بتعينه رئيسا للحكومة، فإن "مجاذيب الجماعة" يرون في هذا الرفض من الرئيس يمثل دليلاً على استقلال القرار الوطني، وكأنه تم فرضه على أسنة الرماح، وكأننا في هذه المرحلة كنا في عداء مع الأمريكان والألمان أصحاب هذا العرض، في حين أن الرئيس جمال عبد الناصر الذي لا يملك أحد المزايدة عليه في قضية الاستقلال الوطني، كان يعين وزراء لهم علاقة جيدة بالولايات المتحدة الأمريكية كما اختار البعض في الحكومة لعلاقتهم مع الروس، فالقطيعة لم تكن قرار سواء في عهد مرسي أو عهد عبد الناصر!

"المجاذيب" الذين رفضوا قرار التعيين لم يجدوا بأساً في أن يسلم الرئيس مرسي صلاحياته لرئيس الوزراء الدكتور "البرادعي"، كما لم يجدوا بأسا عندهم أن يكون الرئيس قد وافق على انتخابات رئاسية مبكرة، فهم لا يدورون مع الحق أينما دار، ولكن دورانهم مع الجماعة، كما أن غيرهم يدور على خلاف دوران الجماعة، وهذا هو مربط الفرس!

فالذين بنو موقفهم على تشدد الجماعة، بالشكل الذي مكن السيسي من أن يفض اعتصام "رابعة" بالقوة الغاشمة، أربكتهم هذه الروايات التي تقول أنه تم القبول بأنصاف الحلول، لكن السيسي هو من قطع الطريق على الجميع بجريمة الإبادة، لأنه الطريق الوحيد الذي يمكنه من الحكم، فالمسار السياسي وإن لم يأت بمرشح من الإخوان، فلن يكون البديل هو عبد الفتاح السيسي وإن وقف على رأسه!

هناك من يقولون أنه كان ينبغي على الجماعة أن تعلن الحقائق أمام الرأي العام، ومثلهم في هذا كمثل من يطلبون من الرئيس مرسي أن يصارح الشعب بأن هناك تحديات تواجهه تحول دون تمكنه من السلطة!

تكمن المشكلة في أن الدكتور مرسي لم يكن يعتقد أنه لا يحكم، بعد قيامه بإقالة عدد لا بأس به من "سدنة المعبد القديم" ومن أول وزير الدفاع ورئيس الأركان، ثم أنه من عين السيسي بإرادته الحرة وزيراً للدفاع، وليس صحيحاً أنه إذا كان قد استشعر أنه يده مغلولة وصارح الشعب، أن هذا الشعب سيحتشد حوله ويحنو عليه، فشعوبنا تريد الحاكم القوى الذي يحميها، وأذكر عندما خطب الرئيس وألقى بتبعات بعض الأزمات على شخصيات من الدولة العميقة، أن أحد الناس من بلدتي في صعيد مصر اتصل بي وقال: "هل انتخبناه لكي يحمينا أم من أجل أن نحميه"، وهى مقولة كاشفة عن رؤية المصريين في مواصفات الحاكم!

الجماعة وحلفاؤها في "تحالف دعم الشرعية" لم يكن بإمكانهم أن يعلنوا حقائق مفاوضاتهم والتنازلات ولو في حدها الأدنى؛ ليس في نقل صلاحيات الرئيس ولكن في الموافقة على انتخابات رئاسية مبكرة، لأن هذا من شأنه أن يدفع المعتصمين في "رابعة" و"النهضة" وفي الكثير من الميادين في طول مصر وعرضها لأن ينفضوا من حولهم، ولم يكن للجماعة وحلفائها التوصل إلى هذه المقترحات – التي عصف بها السيسي- إلا في هذا الحضور الجماهيري الحاشد. والناس خرجت لتدافع عن شرعية للرئيس غير منقوصة!

باختصار كانت الجماهير ثورة، وكان القادة يبحثون عن مسار سياسي، ولو أعلن القادة مبكرا عن هذه التنازلات في مفاوضاتها، فلن يغير هذا من طبيعة الاتهام للجماعة أنها المسؤولة عن الدماء التي سفكت، فيومها كان سيقال إنها دمرت الثورة بالتفاوض وكان عليها أن تعلن الحرب على الانقلاب والدعوة لقتال الانقلابيين كافة كما قاتلوا المعتصمين كافة!

عندما تم وصف الذين تفاوضوا مع "آشتون" بـ"الفشل"، هلل لذلك الجناح التنظيمي في الجماعة، لأن من حضر المفاوضات ينتمون للجناح السياسي، وإزاء الخلاف الداخلي في الجماعة تم اعتبار الوصف رمية بغير رام، مع أن التنظيميين كانوا حاضرين هذه المفاوضات وكان المتفاوضون ينقلون لهم كل ما يجري، وكانت "عقدة النكاح" بأيديهم.

وتبدو الآن الأجواء ليس مواتية لإعلان التفاصيل كاملة، ما دام هناك من هم مدفوعون بالغرض، وسوف تضيع – لهذا – الحقيقة، وهذا أكثر ما يقلقني بوصفي صحفيا أرى أن المعلومة ضالتي.

قديماً قالوا: الغرض مرض!