مقابلات

تداخل الإفتاء والسياسة بليبيا: حوار مع الداعية ونيس المبروك

أطلق المبروك مبادرة للحوار مع سلفيي ليبيا
الأزمة في ليبيا ليست سياسية أو عسكرية فقط، بل دخل الخطاب الديني وما يحويه من فتاوي على خط هذه الأزمات، وأصبح لكل فصيل سياسي شيوخه، ما جعل البعض يجعل الفتوى في ليبيا أحد أسباب العنف وسفك الدماء، وأنها تؤجج الوضع المشتعل أصلا.

فهل الدعاة في ليبيا مظلومون؟ وهل هم مؤهلون فعلا لتصدر المشهد الدعوي؟ وما أبعاد تداخل الفتوى في الأزمات السياسة والعسكرية؟ هذه الأسئلة وغيرها تطرحها "عربي21" في حوار خاص مع الداعية الإسلامي الليبي، ونيس المبروك الفسي، عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

* نبدأ معك بما أثر مؤخرا حول حرب طالب بها ربيع مدخلي، شيخ ما يعرف بالتيار "المدخلي"، ضد الإخوان المسلمين في ليبيا.. كيف تابعتم الأمر؟

- هذه حملات ممنهجة تأتي في سياق دولي يستهدف القضاء على التيارات الإسلامية التي تؤمن بشمول الإسلام، وتسعى للمشاركة في الحكم من منطلق المواطنة، وتؤمن بالتدافع السلمي، أو ما يسميه الغرب بالإسلام السياسي. وأنا أتحفظ على تسمية هذا التيار الذي يسترشد بتوجيهات الشيخ ربيع، بالتيار المدخلي، لأن أنصار الشيخ ومريديه يرفضون هذه التسمية.

أما عن حرب الشيخ على جماعة الإخوان، فأنا أتفهم هذا الأمر وإن كنت أرفضه من منطلق تعاليم الإسلام وأخلاقه وآدابه، ذلك أن الشيخ يتأثر في خصومته مع الإخوان من تبنيه لبعض الأفكار التي تبدع وتضلل المخالف، وتحذر منه وتأمر بهجره، وغير ذلك من الآراء، كما أن الشيخ ينطلق من واجب شرعي - بحسب نظره الخاص - وهو وجوب طاعة أجهزة الأمن والتعاون معها على البر والتقوى، باعتبارها تمثل "ولي الأمر" الحاكم، ويعتبر أن جماعة الإخوان خطر على حكم ولي الأمر باعتبارها جماعة تمارس المعارضة، وتسعى لتأسيس حكم مدني يقوم على الانتخاب الحر، وتقوم بواجب الدعوة عن طريق العمل الجماعي المنظم، وغير ذلك مما يراه الشيخ بدعة وضلالة وخطر عظيم.

* وكم يشكل أنصار التيار المدخلي في ليبيا.. وأين يتمركزون؟

- من الصعب تقدير أعداد هذا التيار وأماكن تمركزه، حيث لا توجد إحصاءات لذلك، كما أن ليس كل من يوافق هذا التيار في السمت الظاهر وفي بعض الآراء الفقهية هو منهم، ولكن من الواضح أن له انتشارا كبيرا بين صفوف الشباب في الآونة الأخيرة، نظرا لحصوله على الدعم التام من أطراف سياسية في داخل البلاد، ووقوف بعض الدول العربية خلفه وتقديم التسهيلات كافة له ليزداد انتشارا وتمكينا في المساجد والمؤسسات الدينية.

* أطلقتَ مبادرة دعوت فيها "سلفيي ليبيا" للحوار والاجتماع معا.. ما تفاصيل ذلك؟

- المبادرة ترمي إلى ترسيخ منهج الحوار العلمي الهادئ كوسيلة إسلامية حضارية لفض النزاع وتقريب وجهات النظر بين أبناء الملة الواحدة، بدلا من أسلوب الشتم والسب والطعن الذي لا يليق بمسلم، وأيضا لفحص الدعاوى والاتهامات والآراء على بساط من العلم والموضوعية والمطالبة بالبرهان والدليل، بدلا من الحديث عن بعد والحكم بالظن، وكذلك من أجل إتاحة الفرصة أمام جمهور المسلمين للحكم على دليل كل فريق، ومنطق استدلاله.

* وهل هي مبادرة شخصية أم تلقى دعما من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؟

- هي مبادرة شخصية خالصة، ولكن نظرا لعضويتي في أمناء الاتحاد، فإني وعدت - في حال تلبية النداء - بالإتيان بكبار علماء الأمة في الحديث والتفسير والفقه والأصول، من أجل محاورة مشايخ هذه الفرقة، وبيان بعض الأمور للناس، لكن هذه المبادرة شخصية، طلبتها من دافع الحب والحرص ورغبة في تخفيف البغضاء والعداوة بين أبناء الوطن والدين الواحد.

* وما تقييمك للخطاب الديني الآن في ليبيا؟

- الخطاب الديني يتأثر إلى حد بعيد ببيئته التي نشأ فيها، والبيئة الليبية عانت كثيرا من التضييق وشح ينابيع العلم، ومنابر الثقافة وندرة العلماء الحقيقيين، ثم جاءت الثورة وما رشح عنها من حرب ونزاع، فجاء الخطاب الديني - في عمومه - ضعيفا لا يواكب التطورات، ضيقا منحصرا في الجزئيات، وحدّيا لا يقبل المرونة وتعدد الاجتهادات، فبدلا من أن يضع حلولا للأزمات؛ دخل في حالة الاستقطاب بطريقة أو بأخرى، ولم يتمكن من تقديم حلول أو جمع الفرقاء والمختلفين على كلمة سواء حتى الآن.

* وفي ظل حالة الضبابية الكبيرة للمشهد.. أين يقف الدعاة الليبيين اليوم؟

- هناك جهود كريمة وسامية يقوم بها رهط كبير من الدعاة في كل مكان من ليبيا، ولكن الإشكال هو أن صوت العقل والثقافة لا يردع، ولغة العلم والموضوعية في زمن الحروب لا تُسمع، وإذا ما وضعت الحرب أوزارها سيكون للدعاة دور مهم في تضميد الجراح ونشر الخير وتوعية الناس، والتذكير بالقيم الإسلامية التي على أساسها تقوم الدول والمجتمعات.

* هناك أزمة كبيرة في ليبيا مع المفتي العام الصادق الغرياني، بسبب ما يقال عن تدخله في السياسة دون إلمام.. كيف تعلق على الأزمة؟

- ربما نظلم المفتي لو قلنا إن هناك أزمة كبيرة معه، أو أنه يتدخل في السياسة دون إلمام، فهذا الإطلاق في سؤالك يحتاج إلى تفصيل، ولكن في تقديري الخاص أن فضيلة المفتي تتنازعه ثلات صفات أو واجبات: العلم والوطنية والسياسة. فمقتضى العلم يوجب عليه بيان حكم الشرع دون تأخير والتدليل على رأيه دون تقصير، ومقتضى الوطنية يوجب عليه نصرة ثورة شعبه ومناهضة أي محاولة للعودة للاستبداد والاستعباد من جديد، ومقتضى السياسة يجعله ينحاز لفصيل يرى فيه تحقيقا لمقاصد الشرع ومصلحة الوطن وتوحيدا للصفوف. ولكن الإشكال ليس في أن يكون للمفتي موقف سياسي أو وطني، فهذا حق بل واجب، ولكن الإشكال نتج من تداخل هذه المجالات الثلاثة حتى لا يكاد المتابع أن يفرق بينها أحيانا في خطاب فضيلته.

* وهل المفتي يتناول القضايا ببعد فقهي أم سياسي؟

- طبيعة ديننا الإسلام تمنع هذا الفصل عند تناول مجالات الحياة، فالسياسة هي عبارة عن "فعل" إنساني لتدبير الشأن العام، وهذا الفعل يتناوله الحكم الشرعي دون شك، فالحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بـ"أفعال" المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع - كما يقول الأصوليون - ولهذا فالفقه والسياسة لا ينفصلان، والمطلوب من الفقيه أن يبين حكم هذا الفعل السياسي ويربطه بمقاصد الشريعة والقيم السياسية التي جاء بها الإسلام؛ لأن جل أحكام الأداء السياسي تدور في فلك المباح الذي تركه الشارع الحكيم لاختيار الناس وتقديرهم لما يصلحهم، ولكن يجب التنويه هنا إلى أن الفقيه هو إنسان يصيب ويخطئ، وتتناوب عليه المخاوف أو الرغبات، وقد عرف تراثنا القديم تأثر الصحابة الكرام بالأحداث السياسية، وتأثر كلامهم وأحكامهم بالمواقف السياسية التي وقفوها باعتبارهم بشر غير معصومين.

* تحدث كثيرون عن وجود أزمة حقيقية في ليبيا بسبب تداخل الفتوى مع السياسة.. ما تعليقك؟

- هذه الأزمة أبعد زمانا وأوسع مكانا من ليبيا، فالإفتاء السياسي هو صناعة معقدة وعرة، والأزمة فيه تمتد تاريخيا لتشمل قرونا كثيرة، وتتسع جغرافيا لتشمل أوطانا عديدة، ولكني هنا أنصح بالتأني مرتين عند التصدر للفتوى في الشأن السياسي، لما يترتب على ذلك من مساس بأعظم المقدسات والمقاصد التي جاءت الشريعة لحفظها، وهي النفس والمال والعرض والنسل، بل والدين كذلك، كما أنه يدور في فلك المصالح والمفاسد التي لا تستقيم على حال، ويحتاج من الفقيه تقديرات علمية دقيقة وإحصاءات، كما لا يحسن بطالب العلم أنْ يتحدث في هذا الشأن وهو لا يفرق بين الحكم الشرعي والوضعي، وبين السبب الشرعي والسبب القدري، وبين فقه التنزيل وفقه التنجيز، وبين فقه الواقع والتوقع، وبين الذريعة والمآل، وغير ذلك مما يحتاجه من يتسور هذا الصرح الكبير، ويتصدر لهذا المقام الخطير.

* أفتيت مؤخرا بضرورة هجرة العلماء من بنغازي خوفا من حفتر وما يفعله.. ما تفاصيل ذلك؟ وعلى أي شيء استندت في فتواك؟

- نعم، طالبت بذلك، وسندي في ذلك أن تكاليف الشرع تقوم على ركني الطاعة والاستطاعة، وقد قضى الله بحكمته ورحمته ألا يكلف نفسا إلا وسعها وما آتاها، وليس كل من خفض السلاح جبانا، ولا كل متحيز إلى فئة خائنا، ولا كل متحرف لقتال غادرا، ولا كل مهاجر بدينه وماله وعرضه متوليا يوم الزحف. فقد تكون الشجاعة والحكمة في إنقاذ الأنفس وصيانة الأعراض، وتحمل الضرر الأقل، ودفع المفسدة الأكبر، وتقليل الضرر. وما يحدث من قتل جماعي للقراء والدعاة المعارضين هو ظاهرة خطيرة جدا، في ظل عجز قبائلهم عن حمايتهم أو فعل أي شيء، وكذلك غياب الدولة والأمن، وسكوت المجتمع الدولي، ومن غير المعقول أن نأمر هؤلاء بانتظار الموت أو السجن تحت مبرر الصبر والثبات، كما أن هذا النصح هو نصح مؤقت إلى حين تتعافى البلاد ويعود الأمن، أو تهب القبائل لوضع ميثاق اجتماعي يحمي أبناءها من القتل والتعذيب والسجن تحت مبررات سياسية بعيد عن القضاء.

* كتبت كثيرا عن فشل انقلاب تركيا وسعدت بفشله... ما علاقة ذلك بالدعوة أولا؟ وبالشأن الليبي ثانيا؟

- ليس الغريب ألا يسعد الإنسان بفشل الانقلاب في تركيا، بل الأغرب هو ضيق صدر البعض ومنهم مسلمون، بل ضيق بعض العلمانيين والليبراليين بذلك، فمقتضى الإيمان والإسلام يحتم على الإنسان الفرح بانتصار إرادة شعب مسلم مثل الشعب التركي، ومقتضى الليبرالية هو الفرح بانتصار التجربة الديمقراطية وإرادة الشعب في تركيا.

أما علاقة الدعوة والشأن الليبي بذلك، فأنا أقول بأني مؤمن مسلم قبل أن أكون ليبيّا، وقد تعلمت من ديني أن أهتم بشأن كل المسلمين وأفرح لفرحهم وأحزن بحزنهم، والفرح هنا ليس فرحا لحزب أو حكومة، فهذه الأمور تأتي وتذهب إنما الفرح لهذه الأمة التركية العظيمة التي ضربت أعظم الأمثال للناس، وعلمت الشرق والغرب دروسا حضارية يصعب نسيانها، ولك أن تتخيل ما كان سيحدث لو – لا قدر الله- نجح هذا الانقلاب.

* كلمة أخيرة توجها للدعاة في ليبيا من التيارات كافة..

- واجب الوقت الآن هو فعل كل ما من شأنه جمع القلوب والعزائم على الأولويات التي تخرج الناس من أزمتهم، ونبذ العصبية المذهبية، وتأجيل مسائل الخلاف والاختلاف، ورص الصفوف وضم الكفوف على المشترك، والتعاون على الخير، والأخذ بكل أسباب القوة، وعلى رأسها حسن الاتصال بالله، والتسلح بالمعرفة وتطوير المناهج وأساليب الخطاب، والاقتراب من الناس وحمل همومهم والصبر على حاجاتهم وبث الأمل الفسيح أمامهم وتحذيرهم من القنوط واليأس، وتبشيرهم بالفرج فإنه - كما أراه - قريب بعون الله.