قضايا وآراء

حتى إذا استيأس الرسل

1300x600
لا تنكر أنك لست في حيرة من أمرك، فالحليم يصبح فيها حيرانا، لا تنكر أنك تعيش مرحلة يحتار فيها العقل ويشت فيها الذهن، ويطيش فيها الرأي، وتقف عاجزا عن فهم مآلات بعض الأمور، وتشعر بشيء من الريبة، وتساورك الشكوك في كثير من المسلمات والبديهيات والسنن الكونية، التي وطنت نفسك عليها، وتحتاج بين الفينة والأخرى إلى من يؤنس تلك الوحشة، ومن يرشدك إلى طريق واضحة المعالم، ترى نهايتها، وتعرف تفرعاتها، وتحذر أشواكها. 

هي أيامنا، نعيشها بآلامها وقسوتها وغموضها، لا نستطيع أن نمضي في حياتنا اليومية دون تلك المنغصات من مشاهد الدماء مصحوبة بكوميديا سوداء مقيتة جُبلت عليها حياة جيلنا المعذب حتى أضحت جزءا من روتيننا اليومي. 

لا يكاد يخلو جدولك اليومي من فياضانات مناظر المذابح والقتل "18+" التي تعج بها وسائل التواصل الاجتماعي، وكذا تلك المشاهد القاسية والمجازر المؤلمة التي تحدّثُ ذاكرتك بآخر صيحات وحشية الإنسان المعاصر الغربي والعربي على حد سواء. 

هل بعد كل ما أحدثه بشار الأسد في بلاد الشام يحق له بكل هذه العبثية والهمجية واللاإنسانية أن ينادي بانتخابات برلمانية بل ويحدد موعدها؟ هل استخف بدماء الأبرياء إلى هذا الحد؟ أم هل وصل الهوان بنا مداه وهنّا على أنفسنا فرخُصت دماؤنا واستحلت أعراضنا؟ هل لها من دون الله كاشفة؟!! 

 ألم يتعبك تحليل المحللين وتفسير المفسرين واستشراف المستشرفين وقراءة سيناريوهات الاستراتيجيين؟ ألم ترهقك متابعة الأخبار ومشاهدة مشاهد الدمار؟ ألم تكتف من إحصاء الشهداء والجرحى؟ ألم ينفطر قلبك من صور الأطفال؟ ألم تستيئس بعد؟!! 

لا الفصائل موحدة، ولا النخب تمتلك رؤية واضحة، ولا المنظرين والملهمين عادوا يستيطعون بث روح الأمل والحياة وتصوير نهاية لهذا الظلم وتلك العتمة، ناهيك عن ذلك الغرب، الذي بحال من الأحوال، لن يصحو ضميره لينصر الإنسان المعذب في شرقنا المضطهدالمُخرب، لأن الشرق يغلب عليه العيون السوداء والشعر الأسود، بينما الغرب لا يغريه ويوقظ ضمير إنسانيته الفاسدة إلا ذوو العيون الزرقاء والخضراء وأصحاب الشعر الأصفر والبشرة البيضاء. 

أخبرني! أكان ينقصك لتستيئس أن تستمع إلى خطاب المشير، هل قصم ظهر البعير؟ أم ليس بعد؟ هل رأيت وضوح الرؤية، وسمو الأهداف، وعلو الهمة، وبلاغة البيان، ورونق الأداء؟! هل هذا هو الرويبضة؟ هل هو الرجل التافه يتكلم في أمر العامة؟ هل كان ذلك الشيء رويبضة؟!! هل وصلنا إلى القاع الذي بشرنا به الرئيس المختطف "محمد مرسي" فك الله أسره؟ هل هو ذاك الشيء الذي جبرا وقهرا يرأس قاطرة العرب ورأسها، يعرض نفسه عبدا للبيع في سوق نخاسة القرن الواحد والعشرين؟! ولكن من يشتري تلك البضاعة البخسة الفاسدة؟! هذا الذي أهان أرض الكنانة واستغفل فئة من أهلها، منهم من يدافعون عنه حتى اللحظة مدّعين أنه يعرض نفسه للبيع فداء لبلده!!! تلك البلد التي دمر وقتل زهرة شبابها، وأطفأ نور نهضتها بخيانته القميئة، وعقله العقيم الفاسد.

هل تكالبت علينا الأمم، كما تتكالب الأكلة على قصعتها؟ هل جاءنا الأمريكان والروس بقضهم وقضيضهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة؟ هل خذلنا القريب والبعيد؟ هل أضحينا غرباء كما بدأنا غرباء؟ هل انقطعت الأسباب؟ هل تشعر بهذا كله؟ هل بلغت القلوب الحناجر؟ هل تظن بالله الظنونا؟

إذا أبشر فقد أصابك بعض ما يصيب الرسل، فاستيئاسك مبرر ومشروع، فتلك صبغة الله للفطرة الإنسانية، ولكن عليك أن تعرف أن لله طرائق وتدابير، لا يعجزه أن يغير الحال من حال إلى حال بأسرع مما قد يخطر على البال أو يدور في الخيال. نعم قد تستيئس من آراء ورؤى وأفكار الأحزاب والنخب والمفكرين والمنظرين، ولكن لا يجوز لك أن تيأس من روح الله (ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) وشتان ما بين اليأس والاستيئاس. 

هي سنة لا تتغير ولا تتبدل، نعيشها اليوم واقعا مشهودا، نعيش تلك الساعات الحرجة حيث الباطل يبطش ويتجبر، ويعلو ويتبختر، وتساورنا الهواجس وتغزو أفئدتنا الشكوك، هل أعددنا الخطط؟ هل نحن أهل للتمكين؟ هل نحن رسل لينصرنا الله؟ نعم لقد كان من سبقونا رسلا يأتيهم الوحي من السماء، كانوا يُبتلون وينتظرون وعد الله ونصره، ويصل فيهم الضيق والكرب مداه، حتى يظن النبي منهم أن الله لن ينصره وأن الأسباب قد تقطعت به وانتهى أمره. 

ويأتي النصر بأهون الأسباب، قد يأتي بثورة للأطباء، أو تعاطف مع طفلة كـ"أسماء"، قد يأتي بـ "أبو عزيزي"، كن على يقين بأن النصر كما كان حليفا لمن سبقك حتما سيكون حليفك. 

عجبت عندما استمعت للقاء الدكتور عبد الفتاح مورو حين قال في لقائه مع قنوات الثورة المصرية في اسطنبول قبل بضعة أيام، فيما معناه إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان على الحق وقتل، وكان عثمان على الحق وقتل، وكان علي على الحق وقتل، ثم آلت لمعاوية فكان أهلا لها وأخذ الكتاب بقوة فأرسى قواعد الملك وقوانين السياسة. 

كان سياق استشهاده بهذا الكلام أنه يجب على أئمة السياسة في مصر أن تبادر بمبادرات وأن تطرح بدائل للخروج من الأزمة، وكان يعني من بين ثنايا كلامه أن كون المرء على الحق لا يعني أنه أهل للنصر والتمكين، فقد يقتل أو يُعدم، وسيخلفه غيره ممن يحسن فن السياسة والقيادة. ولهذا المقام مقال للحديث عن شيزوفرينيا الإسلاميين ما بين المنهج والثمرة. 

نهاية أقول، إن مصر هي رمانة الميزان التي نحتاجها اليوم، كما احتجناها في كل زمان وأوان، هي مصر التي لن يُصلح الحال إلا بصلاحها، فتركيا بحاجتها الآن أكثر من أي وقت مضى، والعرب في الشام والجزيرة بحاجتها أكثر من أي وقت مضى، ولن تقوم لها قائمة إلا بثورة قادمة محققة لا محالة، ولكن الصبر على سلميتها خير ألف مرة من الندم على عسكرتها وتضييع بوصلتها بدماء يتعطش لها الشرق والغرب. وما صمود رئيسها وقادتها إلا درس سيتعلم التاريخ منه، وسيصفق الجميع لهم يوما وإن اشتدت عليهم اليوم سيوف الناقدين، وشماتة المتخاذلين، وتسرع بعض العارفين.