كتاب عربي 21

السيسي والسقوط الحر

1300x600
لا أدعي علما بالغيب ولست من هؤلاء المنجمين الذين يعشقون إضرام النار بالمستقبل من أجل تخويف الناس بأن أيامهم في الحياة أصبحت معدودة، لكن بما لا يدع مجالا للشك فإن أيام السيسي في الحكم باتت معدودة في ظل الظروف السيئة التي تعيشها مصر الآن، وباستقراء علمي يعتمد على أدلة علمية.

وحينما أذكر أن أيامه باتت معدودة لا لشيء إلا لأسباب جوهرية في أغلبها تعود بالمقام الأول للمقام الاقتصادي الذي أصبح يلف الحبل حول رقبة السيسي، وقد يقول قائل إن المصريين لأعوام طويلة يعانون من الظروف القاسية نفسها، ولم يحركوا ساكنا إلا بثورة يناير التي خرج فيها هذا الشباب الواعي لتحريك المياه الراكدة. 

والحقيقة أن هذه الحجة مردود عليها لأن السيسي لم يستطع أن يواري عورات حسني مبارك الاقتصادية، التي كانت المحرك الرئيسي للثورة، بل إن السيسي لم يتمهل في السير على خطى مبارك، بل ازدادت سرعته برعونة يملؤها الغباء منقطع النظير؛ فقد أعاد السيسي كل أركان مبارك الفاسد كما هم في العودة إلى استغلال وسرقة الشعب، ابتداء من أقطاب الحزب الوطني؛ فقد عادوا جميعا وما حدث مع وزير الزراعة المسجون ليس ببعيد، وما يحدث من انهيار الأمن في مصر وعودة الشرطة لأساليبها المجرمة في القتل والتعذيب والاعتقال، فلسنا في حاجة إلى التدليل على ذلك.
لكن مما يثير الدهشة والصدمة؛ أن السيسي يمشي على خطط مبارك الاقتصادية التي حتما ستدفع به إلى الهلاك هو وأقطاب الحكم كافة هذه المرة، والحقيقة أن هناك عوامل عديدة تدفع إلى هذا السيناريو. 

أول هذه العوامل يعود إلى أزمة الدولار، وقد يبدو للناظر أنها أزمة عابرة لكن هذه الأزمة خفف منها الخليج بإعطاء نظام السيسي ما لا يقل عن 40 مليار دولار، والآن الخليج يبدو أنه لا يريد ولا يستطيع أن يدفع لمصر حتى تغطي وارداتها واحتياجاتها، مما دفع السيسي إلى الاقتراض من الصين كما صرح بذلك محافظ البنك المركزي مؤخرا، والأكثر دلالة ما قامت به شركة عملاقة مثل شركة جنرال موتورز و"إل جي" بالتوقف عن الإنتاج، وهو ما يعكس القلق لدى قطاع الأعمال في مصر في ظل أزمة الدولار، والحقيقة أنه قد يكون ذلك سيناريو من أجل إفراغ السوق من كل منافس للجيش في حلبة الإنتاج.

العامل الثاني، وهو الذى ينغص على الحكومة عيشتها؛ العجز المزمن في ميزان المدفوعات، فقد زادت الواردات إلى 60 مليار دولار، وبما أن الواردات تتكون من مدخلات الإنتاج والموادّ الأولية مثل الوقود والمعادن والآلات، والأجهزة الطبية وغيرها، وإن كانت قدرة الحكومة في التقليل من الواردات الكمالية، ورغم أن الحكومة رفعت التعرفة الجمركية ل600 سلعة، ورغم هذا ارتفع الدولار في السوق الموازية إلى 880 قرشا بالأمس، وهو ما يرفع الأسعار ارتفاعا جنونيا في الأسواق، كل ذلك سيفقد السيسي شعبيته ويفقده أقوى حلفائه من رجال الأعمال، الذين أصيبوا بخيبة أمل بعد تأثرهم بالعجز عن توفير الدولار، وهو ما دفع شعبة المستوردين إلى الغضب الشديد لأن مصالحهم تنهار انهيارا مريعا.

الأمر الثالث، وهو مرتبط بالعجز في الموازنة العامة للدولة وعجز السيسي ومن معه في إدارة الملف الاقتصادي برمته، لدرجة دفعت أقطاب 30 يونيو إلى المطالبة بانتخابات مبكرة لفشله، ويكأنهم صدقوا أن السيسي نبي مرسل والخير قادم على يديه، فرغم ما حظي به السيسي من دعم اقتصادي من دول الخليج، وهذا المبلغ لم يؤت لأحد من الرؤساء من قبله، فشل في استغلال هذه الأموال الضخمة، فلم يستطع السيسي سداد الديون الخارجية؛ بل زادت الديون الخارجية لتبلغ 48 مليار دولار، ولم يستطع السيسي سداد ديون قطاع البترول التي تبلغ 8 مليار دولار.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل ارتفعت الديون الداخلية إلى ما يجاوز 2,3 تريليون جنية، وهو أمر سيفاقم أزمة الموازنة العامة للدولة لفترات طويلة مقبلة، وإذا استمر الحال على ما هو عليه فإنه مما لاشك فيه أن الدولة ستعجز حتى عن دفع فوائد الديون وليس أقساط القرض، وهو ما سيدفع السيسي إلى رفع الدعم شاء أم أبى؛ لأنه لن يستطيع سداد المديونية ولا حتى أقساطها.

والواقع أن هناك تفسيرات لما يحدث في مصر من أن السيسي يعمل على إسقاط مصر عن عمد، حتى تنهار وتصبح لقمة للطامعين فيها.

إن السيسي ونظامه ومعهم الدولة مقبلون على السقوط الحر لامحالة، المهم أن يدرك التيار الإسلامي أن النظام سيقبل على المصالحة قريبا حتى يحشد له أرضية شعبية، ولو كنت في محل التيار الإسلامي لأخذت هدنة استراحة 10 سنوات، حتى سقوط النظام وحججه، وسيخرج الشعب زاحفا على أمعائه حتى يطالب بحقه في الحياة؛ ساعتها سيعي الناس ثمن النصر.