كتاب عربي 21

عن فشل توقعناه ولم نكن نتمناه

1300x600
لم أتمنى يوما فشل الحاكم مهما اختلفت معه، فالحاكم هو من يدير الوطن، وفشله فشل للوطن، وفشل الوطن يعني أن الجميع سيعيش أياما صعبة، وهو موقف لا يرضي أحدا، لا مستقل يهدف فقط لتحسين أوضاع بني وطنه وتحسين أوضاعه هو بالتبعية، ولا ساع إلى السلطة لأنه سيتسلم وطنا غارقا في المعاناة.

لكن عدم تمني الفشل لا يعني ألا تقول للحاكم حين يفشل أنه فاشل، وأن سياساته ستقودنا لمزيد من الفشل والسقوط، وأنه صار عبئا على وطن أقسم على صونه، وأنه أمام خيارين لا ثالث لهما، إما مراجعة سياساته خلال الفترة الماضية وتبني عكسها، أو الرحيل، نعم كنا نتوقع فشل عبد الفتاح السيسي كما توقعنا من قبل فشل مرسي والمجلس العسكري، لكننا فعلا لم نكن نتمناه.

تجربة الشهور الأخيرة تؤكد أن النظام الحالي يقود البلاد لمرحلة ما بعد الهاوية، فشل يتلوه فشل وسقوط من وراء آخر، تراجع مروع في ملف الاقتصاد، إخفاق رهيب في كل الرهانات الداخلية والإقليمية، اغتصاب كامل للسياسة ظهرت آثاره في تركيبة البرلمان الجديد، وسحق تام لملف الحريات يبدو في آلاف المعتقلين من كل التيارات السياسية تقريبا.

ها هو الرجل الذي وعدنا بأن تكون مصر على يديه "قد الدنيا"، يطلب منا الآن أن نجوع، وبينما تُكتب هذه السطور كانت مدينة شرم الشيخ وبقية المدن السياحية تحولت إلى مدن أشباح، وكانت وحدة الأبحاث التابعة لصحيفة "الإيكونوميست" البريطانية تضع مصر في المركز الأخير في مستوى المعيشة من بين 140 دولة لنحتل هذا المركز لأول مرة، وكانت إيرادات قناة السويس تواصل تراجعها بعد أكثر من 60 مليار جنيه تم إنفاقها على التفريعة الجديد، وكانت مدينة الأقصر تشهد اشتباكات دامية بين الشرطة ومواطنين بعد وفاة مواطن تحت التعذيب في القسم.

لا أفق للحل ولا بادرة أمل ولا نجاح يذكر في أي قطاع، ورغم ذلك يطالبنا دراويش الدولة ومنتفعي الإعلام بمواصلة الصبر ومنح النظام فرصته حتى يصل بمصر إلى أعمق نقطة في القاع، ولا أحد يريد أن يتوقف ليعلن إسدال الستار على هذه التجربة البائسة، وبدء تجربة جديدة قوامها إدارة رشيدة وحكم ديمقراطي لا يمنع علماء مصر ورموزها وموهوبيها من المشاركة في بناء بلدهم لأن النظام لا يحبهم، والتوقف عن زرع الكراهية بين أبناء الوطن الواحد لأن التاريخ لم يذكر بلدا واحدا نهض وكل فصائله في خصومة مع بعضها.

هذا أيضا نتمناه ولا نتوقعه، فالعناد صفة يسلمها كل حاكم مصري لمن بعده، ويتمسك به الحاكم التالي رغم أن من تمسك به قبله انتهى به الأمر مقتولا أو معزولا أو محبوسا، كذلك نظام الحكم الحالي يسعى بجد لتكرار تجارب سابقيه بسيناريو أسوأ بالنظر إلى التصاقه بالمؤسسة العسكرية، ومحاولة دراويشه إزالة كل الحواجز الممكن بينه وبين والوطن، بحيث يصبح انتقاده شماتة في الوطن، والمطالبة بإسقاطه خيانة للوطن.

هكذا يخططون، لكن هكذا أيضا كان يخطط سابقوه ولم يغن عنهم تخطيطهم شيئا حين قرر الشعب إزاحتهم، فهناك حقائق هي أقرب لسنن كونية من بينها أن سقوط الفشلة مسألة وقت، قد يطول بقاؤهم أو يقصر، لكن سقوطهم يبقى مؤكدا، دعك من حديث الإعلام عن تأييد الناس المطلق للنظام، فقديما قال نابليون إن "الديكتاتور هو الحاكم الذي يبدو أنه حائز لثقة الأُمّة وتأييد الرّأي العام حتّى قبل سقوطه بدقائق".

الأهم من فكرة سقوط نظام أو إزاحة رئيس هي وجود تصور لإدارة مرحلة ما بعد السقوط، وهي غائبة تمام بدرجة غياب تصور لدى النظام نفسه لكيفية إدارة البلد.
فأعدوا للحظة الفراغ تلك، بدلا من أن تصلوا للنقطة التي نحياها الآن مجددا بعد عدة سنوات.