قضايا وآراء

متلازمة التل الكبير

1300x600
المتلازمة هي مجموعة من الأعراض المرضية والعلامات المتزامنة ذات المصدر الواحد. وهي حالة يصعب الخروج منها حيث لا يدرك صاحبها مأساته.

في رائعة تشيكوف موت موظف يروي قصة موظف بائس عطس أثناء جلوسه في المسرح، ولحظِّه العاثر كان أمامه الجنرال بريزجالوف الذي امتعض ونظر إليه شظرا، اعتذر تشرفياكوف على العطسة غير المقصودة، ولكن لم يستطع تشرفياكوف أن يهنأ بحياته بعد ذلك، وقرر إعادة الاعتذار مرات ومرات، وفقد قدرته على الحياة مع إحساسه الدائم بالرغبة في الاعتذار.. 

مات تشرفياكوف، لا نعلم من الخوف أم من الإحساس بالإهانة عندما طرده الجنرال أثناء اعتذاره الأخير؟

وكما حكى لنا كارثة الموظف قص علينا حكاية المربية البائسة جوليا التي استدعاها والد الأطفال ليعطيها راتبها، وقام بتحطيم معنوياتها بذكر خصومات من الراتب ما أنزل الله بها من سلطان، وأعطاها جزءا يسيرا منه فأخذته مقهورة باكية.. لم يصدق الرجل ذلك وأعطاها راتبها كاملا الذي كان قد أعده بالفعل قبل هذا المشهد ولكنه طرح سؤالا، لماذا لا يحتج الضعفاء؟ ربما كان تشرفياكوف وجوليا مصابين بدرجة شديدة النقاء من المتلازمة محل نقاشنا. 

في عام 1882 بينما كان توفيق يمارس عادة حكام مصر في بيع شعبها إذا فشل في استعباده، كانت المدفعية الإنجليزية تدك الإسكندرية، فكر عرابي في ردم قناة السويس إلا أنه لم يفعل بعد تأكيد ديليسبس له أن الإنجليز لن يمكنهم ذلك ولسبب مجهول ربما له علاقة بمتلازمتنا صدقه عرابي، "فقد عقد عرابي مجلسا عسكريا في أواخر يوليو للنظر في أمر القناة فأجمع رأي المجلس على وجوب تعطيلها بحيث لا يستطيع الجيش الإنجليزي اجتيازها والوصول إلى الشاطئ الغربي منها... فلما علم بذلك المسيو ديليسبس أرسل إلى عرابي في أن يمتنع غن قطع القناة وأكد له كذبا في تلغرافه أن الإنجليز يستحيل أن يدخلوا القناة، فانخدع عرابي بهذا التلغراف رغم تحذير إخوانه إياه" الرافعي، الاحتلال الإنجليزي والثورة العرابية، ص 374.

دخل الإنجليز من القناة واحتلوا الإسماعيلية وهزموا جيش عرابي هزيمة منكرة في التل الكبير وسط خيانات وسوء تقدير، وحل توفيق والإنجليز الجيش المصري وانتقم من كل الثوار المدنيين والعسكريين.

ما يهمنا في سياق تلك الأحداث هو ذلك الموقف المتردد الذي أصبح سمة المقاومة في مصر منذ موقعة التل الكبير، فلا نجد أبدا أحدا ممن تصدوا للمقاومة في مصر استطاع عبور حاجز هزيمة تلك الموقعة، فدائما ما يتراجعون عند اللحظة الحاسمة ويترددون ويضيعون لحظات فارقة يصعب تكرارها بسهولة، فربما لو قام عرابي بتعطيل الملاحة في قناة السويس أو أكمل المقاومة في القاهرة لتغير الكثير من أحداث التاريخ.

الأحداث الفارقة في مصر منذ معركة التل الكبير تكاد تتطابق في تلك النقطة وما عشناه بعد 28 يناير وبعد 3 يوليو يؤكد أننا أضعنا لحظات فارقة ليست قليلة، ولكنها تلك المتلازمة التي أصابت ربما الجميع ولم ينج منها إلا القليل وعلى رأسهم الإمام حسن البنا وسيد قطب ونبيل الهلالي، وهم إما منسيون من التاريخ أو شوهتهم أقلام "النخب". أو قتلوا على مشانق الاستبداد.

أكمل عرابي المأساة عندما عاد للقاهرة وقرر التسليم وأصبح هدفه الأسمى الهروب من الإعدام كما ذكر الرافعي في كتابه، ثم أتم المتلازمة كاملة عندما وافق على أن يدافع عنه محاميان إنجليزيان أثناء محاكمته بعد الثورة " ولم يكن مما يُشرِّف عرابي أن يعهد بالدفاع عن نفسه أمام المحكمة العسكرية إلى الإنجليز خصومه وخصوم مصر وفي سبيل الدفاع عن نفسه والاستعانة بجاههم، أدلي بتصريحات ليست من الوطنية في شيء ولا تتفق مع مقام زعيم الثورة، فقد كتب تقريرا لمحاميه عن حادث الثورة لكي يتخذاها أساسا لدفاعهما احتوي تملقا شديدا للدولة الإنجليزية" المصدر السابق ص 418.

يجدر القول أن الثورة العرابية كانت أقرب النقاط لتحقيق استقلال مصر مما دعي الإنجليز إلى التدخل المباشر لإنقاذ الموقف ولكن ربما كانت تحتاج إلى زعيم آخر خال من المتلازمة، وهو ما لم نجده حتى الآن.

إن تشرفياكوف وجوليا شخصيات في خيال تشيكوف ولكنهما يعبران عن الاستسلام الكامل للسلطة والثروة بقرار ذاتي مبدئي فهم لا يقاومون الاستبداد حتى لو كان ظنيا وغير حقيقي، أما أصحاب متلازمة التل الكبير فهم يظنون أنهم يقاومون الاستبداد لأنهم عندما امتلكوا قدرا من القوة فكروا بمعاداته ولكنهم فور اختلال موازين القوة أو الإحساس بذلك أو الهزيمة في معركة يفقدوا قدرتهم على الاستمرار ويصبحوا مثل أبطال تشيكوف.

أيهما أسوأ؟ حقيقة لا أمتلك إجابة قاطعة، ولكن ما أعرفه أن عرابي عندما قرر أن يكون مدافعا عن الثورة وضع مصر كلها في طريق ثم تركها ورحل وشرَّد رجاله، وحطم بقرار استسلامه نواة الثورة الصلبة ما بين سجين ومنفي وضاعت مصر سبعين عاما وصُنِع جيش على أعين الانجليز ما زلنا نعاني منه حتي الآن. وتكرر المشهد بإشارة الشهيد عبد القادر عودة لرجاله بالرحيل وربما نشاهد مقدمات هذا المشهد الآن أيضا.

فهل يمكننا أن نأمل في جيل ينزع من جيناته وأفكاره وأحلامه تلك المتلازمة التي أودت بنا على مدى مئتي عام إلى مأساة في بر مصر التي لم تصبح محروسة؟