قضايا وآراء

هل يمنع السيسي الهجرة المحتملة؟

1300x600
في تعليقه على صورة الطفل السوري الغريق على الشواطئ التركية؛ قال الجنرال عبد الفتاح السيسي قائد انقلاب الثالث من يوليو 2013، إنه سيجنب المصريين هذا المصير وهو الغرق أو الموت في بحار وقوارب الهجرة إلى أوربا، في رسالة مزدوجة للداخل والخارج، فهو يحرص على تذكير المصريين - على الأقل الذين دعموا حكمه - بأنه مبعوث العناية الإلهية القادر على تجنيبهم مصير سوريا والعراق، وهو الأمر الذي قامت عليه بالأساس خطته لإخضاع المصريين لحكمه، وقد ساعده في ترويج هذه الكذبة الكبرى أذرع إعلامية مدعومة بمليارات الدولارات الخليجية، وأجهزة أمنية قادرة على صناعة الكذب وتسويق الشائعات وبث المخاوف. أما على المستوى الخارجي فإن السيسي يقدم نفسه للمجتمع الدولي باعتباره "رامبو" محارب الإرهاب نيابة عن المجتمع الدولي، والحائل دون وصول قوافل الهجرة إلى الشواطئ الأوروبية، فهل يمكن تصديق رسائل السيسي الداخلية والخارجية؟

لا ننكر أن قطاعا من المصريين صدقوا مزاعم السيسي عن الإرهاب المحتمل حين طالبهم بتفويضه في 26 يونيو/ حزيران 2013 بمحاربة هذا الإرهاب المحتمل، ولكن الكثيرين من هؤلاء المفوضين اكتشفوا لاحقا وخصوصا بعد مجزرتي رابعة والنهضة وما تلاهما من مجازر، أنهم شاركوا بتفويضهم في قتل إخوانهم المصريين المعتصمين والمتظاهرين السلميين، بينما لم يستخدم هذا التفويض لوقف الهجمات على الجيش في سيناء، وهي الهجمات التي لم تتوقف بل تصاعدت عقب انقلاب السيسي حتى أصبحت سيناء إلى حد كبير خارج السيطرة، ولكن رغم تراجع نسبة كبيرة من المفوضين عن موقفهم واعتذار بعضهم ، لايزال هناك البعض ممن يصدقون السيسي، والمؤكد أن هذه الفئة الأخيرة  هي مع السيسي في كل الحالات لأنها ببساطة معادية للإخوان بل للثورة في كل الحالات أيضا، والأغلب أنها المقصودة بتعبير "المصريين" في عقل السيسي.

على الصعيد الخارجي لا أظن أن السيسي نجح في إقناع العواصم الغربية بأنه يكافح الإرهاب نيابة عنهم، بل الصحيح أن حكومات تلك الدول استغلت حالة الهلع التي يعيشها السيسي وزمرته وافتقاده للشرعية، لتغريه بمزيد من صفقات السلاح والأجهزة الإلكترونية بدعوى محاربة الإرهاب، بل إن بعض الدول استثمرت تلك المخاوف في عقد صفقات تجارية أخرى مع مصر هي ليست بحاجة إليها، بل تمثل أثمانها دينا يطوق رقاب أجيال قادمة، وأغلب الظن أن الحكومات الغربية ستظل تنفخ في مخاوف السيسي من الإرهاب؛ لتحصل منه على المزيد من التنازلات والتعهدات والصفقات.

لنعد إلى رسالة السيسي ولنتساءل: هل هو فعلا سيجنب المصريين مصير اللاجئين السوريين؟ الإجابة بالنفي، فهو الذي وضع البلاد عمليا على مشارف الحرب الأهلية، وهو الذي قسم الشعب المصري إلى قسمين، أخيار وهم الذين انصاعوا له وأشرار وهم الذين لايزالون يقاومون حكمه، وهو الذي أطلق أذرعه الإعلامية والفنية والثقافية لتكرس هذا التقسيم للمجتمع ليشدو أحدهم "إنتو شعب وإحنا شعب.. ليكو رب ولينا رب"، وليصف إعلامه كل من يقاوم حكم العسكر، أو يخرج متظاهرا من أجل لقمة عيشه، أو طلبا لحريته بأنه إرهابي يستحق الإعدام، ولايتوانى قضاته الذين نصبهم في غير موضعهم في إصدار أحكام الإعدام والمؤبد والأشغال الشاقة ضد مصريين مسالمين، كل جريمتهم أنهم يريدون الحرية والعدالة والكرامة لأنفسهم ولوطنهم.

وإلى جانب تلك الأحكام ينشط جلاوزة النظام في مطاردة واعتقال الآلاف من هؤلاء المصريين المسالمين، وترويع أسرهم، وأطفالهم، وتحطيم بيوتهم ومصادرة ممتلكاتهم، يحدث كل ذلك بينما تزداد الأوضاع الاقتصادية تأزما، فترتفع الأسعار لتجعل الحصول على السلع الضرورية ضربا من الخيال، وتتعطل المصانع، وتتوقف الرحلات السياحية فيزيد طابور العاطلين عن العمل، يجتمع القمع السياسي مع الضنك الاقتصادي، مع تزايد البطالة وتصاعد الفساد وغياب الأمل، فيدفع ذلك شباب مصر دفعا للهرب من هذا الواقع المرير بحثا عن حياة آدمية، تمكن الآلاف حتى الآن من الهرب من جحيم السيسي وعصابته، وهناك الآن مئات الآلاف بل ربما الملايين الذين يخططون للهجرة، ويتحينون الفرصة لذلك، لن تستطيع أدوات السيسي القمعية والأمنية والإدارية منع هؤلاء أو بعضهم من الهجرة، صحيح انه يكثف الحراسة على الشواطئ وفي المطارات، وصحيح أنه فرض إجراءات أمنية جديدة مثل الحصول على موافقات أمنية للسفر لحوالي 20 دولة، إلا أن كل ذلك لم ولن يمنع الهجرة، فالضغط يولد الانفجار الذي لن يكون بإمكان أجهزة السيسي السيطرة عليه، كما أن رحلات الهجرة غير الشرعية أصبحت تجارة رائجة، لها سماسرتها الذين يتقنون فنون الهرب من الإجراءات الأمنية والإدارية، والذين يمتلكون مئات القوارب المتلهفة لنقل الآلاف من شواطئ مصرية إلى شواطئ أوروبية، نظير مبالغ مالية في مكنة الراغبين في الهجرة.

إن الدول الأوروبية باستمرار دعمها لنظام السيسي وممارساته القمعية، تسهم ولا شك في دفع الشباب وحتى الشيوخ للهجرة من مصر بحثا عن مكان آمن، وعن فرصة عمل مناسبة، وسيكون الاتجاه الغالب للهجرة إلى أوروبا نفسها، التي لا تبعد كثيرا عن الشواطئ المصرية، وإذا كان الأفارقة يقطعون مئات الالاف من الأميال عبر العديد من الحدود الدولية وصولا إلى الشواطئ المصرية ومنها إلى الشواطئ الأوروبية، فإن المصريين سيجدون أنفسهم مباشرة على تلك الشواطئ دون قطع أي مسافات أخرى، وإذا كان  الحكام الأوروبيون قد قبلوا أن يدعموا حكما عسكريا قمعيا فعليهم أن يقبلوا في الوقت نفسه نتائج هذا الدعم، ومن ذلك طوابير الهجرة إلى بلادهم هربا من القمع وبحثا عن الأمن والحياة.

لا نتمنى للمصريين مصيرا مشابها للاجئين السوريين أو غيرهم، كما لم نكن نتمنى للإخوة السوريين هذا المصير، لكن الجحيم الذي وضعهم فيه بشار الأسد هو الذي دفعهم دفعا  لركوب الموج والمخاطر التي أغرقت العشرات منهم، بينما كانوا يبحثون عن مجرد حياة،  وكأن لسان حالهم يقول للأوروبيين: أنتم لم تكترثوا بنا في بلادنا وتركتمونا للموت، فها نحن نأتي إليكم طلبا للحياة، ولا ننسى أن بشار نفسه كان يستخدم لغة السيسي ذاتها، ويعتبر نفسه مبعوث العناية الإلهية لحماية السوريين وتأمين حياة حرة كريمة لهم، لكنه في الواقع مزق شعبه، وحرمه من أدنى حقوقه وحرياته وصب عليهم براميله المتفجرة، وأجبرهم عمليا على الهجرة من بلدهم ليهنأ هو وعصابته بحكم سوريا، وهذا ما سيفعله السيسي حتى وإن قال غير ذلك.