قضايا وآراء

عادل إمام والبطولة بأثر رجعي!

1300x600
يراهن كثير من أهل الفن فيما يبدو على أن الشعوب العربية تتمتع بذاكرة الأسماك، لذلك فإنها تبلغ بهم الجرأة حدود صفعنا، وبسرعة البرق، وقبل أن نتمكن من هضم مواقفهم المعلنة، بمواقف تتناقض كليا مع تلك التي كانوا يتبنونها قبلا. والمستفز أن المواقف الأحدث التي يقفزون إليها برشاقة الجنادب لا تأتي كما هو واضح نتاج ندم صادق أو حصيلة مراجعات فكرية أو سياسية أو أخلاقية أو خلاصة تطور محمود في الوعي، بل تأتي تعبيرا عن استعداد حربائي أصيل للارتماء من خندق إلى آخر، بحسب ما تمليه مصالحهم الشخصية في المقام الأول والأخير.

"الزعيم" عادل إمام، يعبر أبلغ تعبير عن ذلك التوجه الزئبقي بين أهل الفن في مصر، فلطالما كان الرجل من المدافعين الأوفياء عن نظام مبارك الفاسد، وكل أعماله الفنية صبت في تيار دعم ذلك النظام بشكل أو بآخر، في مقابل محاربة خصومه وتشويههم، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين. مع أن إمام، وفي مفارقة لافتة لا يجدر إغفالها في مثل هذا السياق، قد قام بتزويج ابنته الوحيدة من نجل أحد كبار قيادات الجماعة، التي كرس معظم أعماله خلال العقدين الأخيرين لاتهامها بالنفاق والإرهاب والمتاجرة بالدين! وساذج حقا من يمكن أن يصدق أن النظام كان سيتركه ليصبح "زعيم" أهل الفن على مدار سنوات طوال، فيما لو كانت أعماله لا تخدم ذلك النظام، عبر عملها على الأقل كصمام أمان تنفيسي يسهم في الحيلولة دون انفجار الشعب في وجهه عن طريق إظهار شيء من السخرية المائعة منه، التي كانت لا تصل في كل الأحوال إلى قلبه. 

من المثير حقا أن نشاهد عادل إمام اليوم يلعب في مسلسله الجديد "أستاذ ورئيس قسم" دور مناضل صلب وشرس ضد نظام مبارك، مدعيا بطولة لا تليق به ولا يستحقها، وبأثر رجعي. فحتى لا ننسى، ما زلنا نتذكر مداخلته الشهيرة مع الإعلامي عمرو الليثي، التي دافع فيها عن مبارك وأسرته، وعاب على الذين يشتمونهم بقوله: "مبارك عمل إيه علشان يتشتم"! وكأن كل الجرائم التي اقترفها الديكتاتور المخلوع بحق مصر وأهلها، لا تشكل سببا كافيا كي يدفع الناس إلى أن يشفوا غليلهم منه بالشتائم على الأقل، وكأن المساكين كانوا يحدسون بأن القضاء المصري، إحدى صنائعه، لن يقتص لهم منه وسيجعله يفلت من العقاب على جرائمه بحجة حاجته للتداوي في مشفى النجوم الخمس التي أودعوه فيها معززا مكرما.

المفارقة أن مسلسل عادل إمام لا يخلو من الشتائم التي تنهمر كل حلقة على لسانه. والمفارقة الأهم أنه لم يحرك ساكنا أو يظهر امتعاضه إزاء الشتائم البذيئة التي كانت ولا تزال تنهال على رأس الرئيس الشرعي الأسير مرسي، حتى بعد سجنه وإلباسه البدلة الحمراء بتهم سفيهة ساقطة ملفقة، ستجعل القضاء المصري الانقلابي يدخل التاريخ من أوسخ أبوابه بسبب الدرك المخجل الذي انحدر إليه. 

في ما أزعم، يهدف عادل إمام في عمله الجديد، بالإضافة طبعا إلى ممارسة هوايته القديمة المفضلة في تشويه التيار الإسلامي، وإلى رفد حسابه البنكي بمبلغ الـ 35 مليون جنيه الذي قبضه لقاء العمل، إلى الإسهام في ترويج تلك الأكذوبة الكبرى التي يراد ترويجها وجعل الناس يتقبلونها كمسلمة لا تحتمل النقاش، وهي أن نظام مبارك قد سقط. والواقع أن ذلك النظام المتجذر الذي يتمركز قلبه في المؤسسة العسكرية لم يسقط بكل تأكيد، فالعصبة الانقلابية الجاثمة على صدر مصر الآن هي مجرد حلقة من حلقاته وامتداد عضوي له، والشواهد القاطعة على ذلك أكثر من أن تعد أو تحصى.

إن النظام هو في جوهره عبارة عن منظومة من المؤسسات والعلاقات والمصالح والسياسات، التي تتجاوز الأشخاص. والمدقق في طبيعة نظام السيسي الانقلابي، يكتشف بسهولة أنه لا يختلف في شيء من ناحية تلك العناصر عن نظام مبارك، بل إنه يمثل إعادة إنتاج لأسوأ ما فيه. فالتحالف بين السلطة الفاسدة ورجال الأعمال الفاسدين أنفسهم لا يزال قائما، وأجهزة الدولة، من جيش وشرطة ومخابرات ووزارات وهيئات، لا تزال تعبر عن السياسات الاستبدادية والانتهازية نفسها، وكذلك يفعل سدنة الإعلام والفن. والتبعية لأمريكا والكيان الصهيوني والأنظمة الرجعية التي تدور في فلكهما آخذة في التعاظم. فلا جديد تحت شمس القاهرة التي كسفت إلا بعض الوجوه الكالحة التي تتصدر الواجهة اليوم، دون الإطاحة الجدية بالوجوه القديمة، التي لا يزال معظم أصحابها يسرحون ويمرحون ويتصدرون الشاشات دون أن يخضعوا لأي مساءلة تذكر، ناهيك عمن نال ممن تم اتهامه منهم أحكاما مسرحية بالبراءة على الجرائم النكراء التي واظبوا على ارتكابها لعقود، ليستمروا في التنعم بالمليارات التي سرقوها من دماء الشعب المضلل التائه، الذي عميت بصائر شرائح واسعة فيه، فباتت تتآمر ضد وطنها، بل ضد نفسها، بدعمها للتجليات المختلفة المتعاقبة لذات النظام الفاسد، الذي احترف قهرها واستعبادها، ربما منذ أيام محمد علي باشا.

نعود إلى "الزعيم"، الذي يظهر في العمل كزعيم يساري ملتزم سياسيا، دون أن يكون على نفس الدرجة من الالتزام الخلقي، حيث نراه يتردد على الحانات ويعاقر الخمر ويتورط في علاقات مشبوهة مع بنات الليل. والحق أنني لا أجد أن في تصويره بتلك الصورة الماجنة، بالرغم من وظيفته الأكاديمية التي يفترض فيها السمو الأخلاقي، ما يجافي حقيقة الواقع. فالواقع الذي نخبره جميعا ويصعب إنكاره يقول إن الكثيرين ممن يعملون في الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الإعلامية يعاقرون الخمر، ولا يمانعون كثيرا، باسم الحرية المزعومة، في إقامة علاقات جنسية خارج إطار الزواج. لكن المشكلة في حالة المسلسل قيد النقاش ليست في التهتك الأخلاقي لبطله وحسب، وإنما أيضا في إظهار المناضل اليساري بمظهر الصلابة والنقاء والتشبث بالمبدأ، على حساب نظيره الإسلامي، الذي يتم وسمه في العمل بميسم الانتهازية والتلون والخنوع والنفاق. وفي هذا ما يتعارض بوضوح مع ما تثبته الأحداث في مصر، منذ الانقلاب بوجه خاص، فزعماء اليسار في البلد ارتموا تحت أقدام زعيم الانقلاب يرجون عطفه ويخشون غضبه، فيما ينتظر أندادهم من الإسلاميين المعارضين الإعدام ببسالة في السجون والزنازين. 

ليس هذا المقال هو المقام المناسب للدفاع عن الإخوان المسلمين، الذين تورطوا فعلا بارتكاب الكثير من الأخطاء السياسية القاتلة التي أسهمت في إيصالهم إلى ما وصلوا إليه، التي تختلف تماما بالمناسبة عن الأخطاء والتهم الملفقة التي يرميهم الإعلام الانقلابي بها. لكن حس الإنصاف يقتضي انتهاز الفرصة للتذكير بأن إصرارهم على المقاومة ورفض الخنوع للنظام الانقلابي الذي أطاح بالنظام الشرعي، بالرغم من كل ما لحق بهم من أشكال الإبادة والتنكيل غير المسبوقة، يشكل دليلا يصعب دحضه على تمتعهم بدرجة تثير الاحترام من الثبات والتمسك بالمبادئ، على الأقل مقارنة بخصومهم اليساريين، الذين أطاحوا بكل المبادئ التي اعتادوا على التشدق بها بجرة قلم عندما ساروا في ركاب الانقلاب الدموي.
 
في مشهد من المشاهد الدالة في المسلسل، يقوم عادل إمام بخلع حذائه لضرب زميل له، هو الممثل أحمد بدير، الذي يلعب في العمل دور أكاديمي انتهازي منافق لنظام مبارك، وهو للطرافة دور لا يختلف كثيرا عن الدور الذي أبدع بدير في لعبه في الحياة الفعلية، إذ رأيناه يبكي أو يتباكى في أكثر من لقاء إعلامي حسرة وتفجعا على مصير مبارك، الذي تواترت الأنباء مفيدة بأنه كان يدعوه إلى جلسات خاصة ويصحبه في بعض رحلاته كي يقوم بتسليته وإضحاكه وإسماعه أحدث النكات. ذلك المشهد الساخر يجعلني أتساءل: ألا يدرك إمام وبدير أن مثل ذلك المشهد يعبر بأمانة صارخة عما يرغب كثير من الناس بفعله مع أمثالهما، قصاصا من مواقفهم المنافقة المتحولة المنحازة دوما إلى جانب الطغاة الفاسدين؟!