قضايا وآراء

هل السلمية أقوى من الرصاص؟

1300x600
نكتب هذا المقال في ظل الجدل المتصاعد بين أنصار عسكرة الثورة وأنصار سلمية الثورة التي قعد لها محمد بديع بعباراته المشهورة أو يمكن وصفها بعبارة القرن "سلميتنا أقوى من الرصاص".
 
جدل لن ينتهي بين السلمية والعسكرة إلا بنجاح إحدى النموذجين، الشعوب لا تؤمن إلا بما هو محسوس ومادي وتجارب ناجحة بعيدا عن النظريات التي تبقى محل شك لديهم ما لم يوجد ما يؤيدها أو يخالفها على الأرض.

(1) الثورات  السلمية الناجحة 

•الثورة الروسية عام 1905 والتي قادها الكاهن جورج قابون وتقدر الأعداد التي خرجت بمظاهرات إلى قصر الشتاء حيث قصر القيصر الروسي بـ .300.000.00 متظاهر أطلقت قوات الحرس الإمبراطوري  الروسي النار عليهم فقتلت منهم 4000 شخص في ويوم واحد سمي بالأحد الدامي بعدها عمت الاضطرابات فكانت نتيجة لهذه الثورة ميلاد البرلمان الروسي وكانت تمهيدا بعد ذلك للثورة الروسية في شباط/ فبراير عام 1917 ومن ثم ثورة تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه ثورة غيرت وجه روسيا السياسي حتى الآن.

•استطاعت اكينو زوجة أحد زعماء المعارضة الذين تم اغتيالهم في الإطاحة في بالدكتاتور الفلبيني ماركوس الذي تولى الحكم عام 1965 إلى عام 1985 حيث أطاحت به ثورة شعبية امتدت إرهاصاتها بشكل مستمر وخروج مظاهرات مستمرة في الشوارع من عام 1983 إلى سقوط الدكتاتور في عام 1985 حيث تم تزوير الانتخابات التي كانت معطلة بعدها انفجر الشارع وهرب الدكتاتور إلى القاعدة العسكرية الأمريكية ونصبت الرئيسة اكينو زعيمة للبلاد بعد أن تمرد الجيش وقوات مكافحة الشغب على تنفيذ أوامر الدكتاتور.

•في السلفادور استطاع الطلبة إسقاط الدكتاتور مارتينيز بعد سلسلة من الاحتجاجات السلمية تعددت بين الإضرابات وارتداء لباس الحداد الموحد ومقاطعة دفع الضرائب والخدمات الحكومية من كهرباء وماء وإغلاق دور العبادة "الكنائس" للتعبير عن الاحتجاج انضم للإضراب الطلاب وجميع النقابات المهنية والنقابات العمالية فكان عصيانا مدنيا شاملا حتى خرج في14 نيسان/ أبريل 1944 حشد شعبي قدر حينها بـ40.000.00 متظاهر أمام القصر الرئاسي أجبر الدكتاتور على الرحيل وتعيين حاكم مؤقت ثم بعدها جرت انتخابات رئاسية ديمقراطية.

•الثورة الإيرانية التي استطاعت أن تطيح بالشاه شاه محمد رضا بهلوي الذي حكم من عام 1941 إلى عام 1979 وكان امتداد لحكم والده الذي حكم إيران من عام 1925 استطاعت الأمواج الشعبية والصدور العارية التي انفجرت في الشوارع وانطلقت شرارتها على إثر مقتل 70 طالب في قم بنيران قوات الأمن الإيراني أن تسقط النظام القائم وتأتي بنظام ديمقراطي حر قبل أن تختطف من قبل المرجعيات الدينية الشيعية والعمائم السوداء.

•ثورة المهاتما الملهم والأب للدولة الهندية غاندي قد اتخذت صورة مختلفة في الثورة على المستعمر الأجنبي إذ يمكن استلهام هذه التجربة في صراع الاستبداد الداخلي، ثورة أقامها غاندي بالاكتفاء الذاتي والمقاطعة الاقتصادية والاحتجاجات السلمية والعصيان المدني، يوصف غادي بأنه الأب الروحي إلى لفكرة للاعنف حيث قال عبارته المشهورة تعليقا علي سياسة اللاعنف التي يتبعها "إن اللاعنف هو أعظم قوة متوفرة للبشرية، إنها أقوى من أقوى سلاح دمار صنعته براعة الإنسان" فكانت تلك الحركة خطوات واسعة على طريق استقلال الهند من الاستعمار الإنجليزي.

(2) مخاطر الثورات المسلحة 

الثورات المسلحة ضد الأنظمة المستبدة تؤدي إلى مجموعة من السلبيات التي يمكن أن تكون مدمرة في معظم الأحيان وأهمها:

الثورة المسلحة تفضي دائما إلى التدخل الأجنبي بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق زرع المليشيات المسلحة التابعة لدول الأجنبية ذات مصالح وأطماع خارجية في الدولة الوطنية.

الثورة المسلحة أول خطوة على طريق الحرب الأهلية فمعظم البلاد تتشكل من فسيفساء عرقية أو دينية أو طائفية وإن الثورات المسلحة تجعل كل مكون من مكونات المجتمع ديني أو عرقي أو إقليمي ميليشيا تسعى لفرض سيطرتها على البلاد بقوة السلاح.

الثورات المسلحة دائما تكون الخطوة الأكبر على طريق تقسيم البلاد التي تنشب بها الثورات المسلحة إلا إذا كانت البلاد قطعة جغرافية منسجمة دينيا وعرقيا ولغة وجنس وهذا لا يكاد يوجد بأي دولة في العالم.

الثورة المسلحة تؤدي إلى تدمير كامل لمقدرات الدولة وتعيدها عشرات السنوات للخلف إذ أن الحروب تستنزف كل المقدرات الاقتصادية وتهدم جميع القوى الأمنية والجيش وتدمر البنية التحتية وتلحق الأذى بكل قطاعات الدولة الاقتصادية وتتفشى الأمراض والمجاعات وتتبدد ثروات وخيرات البلاد ومقدرات الشعوب والأجيال القادمة.

الثورات المسلحة تجعل الخسائر البشرية كبيرة وتطال كل الأطراف مما يعقد الصراع ويجعله يمتد لسنوات أطول ويجعله عصي على الحل.

الثورات المسلحة حاضنة رئيسية لنشوء التطرف الديني إذ أن جميع الديانات تسرب إليها تراث يخدم أصحاب كل التيارات الفكرية داخل الديانة الواحدة وبما فيها التيارات المتطرفة مما يجعل التيارات المتطرفة تتمدد وتنشط في أوساط القتل والخراب وتقدم الصراع الواقع كبرهان على صدق رؤيتها وإطروحاتها المتطرفة.
 
بالثورات المسلحة يكون الاختلال السكاني في المجتمع بين نسبة الذكور والإناث نتيجة للقتل الذي  يتعرض له الذكور وهذا بدوره يحدث هزات اجتماعية واقتصادية كبيرة تحتاج الدول نصف قرن على أقل تقدير حتى تتعافى منها تلك الدول بعد انتهاء الثورات أو الحروب الأهلية.

بعد نجاح الثورات المسلحة تستمر اضطرابات الدول لأزمنة قد تمتد عدة عقود مما يفقد الدولة الأمن العنصر الرئيسي والاهم في بناء الدولة وإعادة ترميمها.

بالثورات المسلحة تفقد الدولة أهم عناصر نهضتها وقوتها وهي القدرات والعقول البشرية التي عادة ما تكون النزاعات المسلحة بيئة طاردة لها فتتلقفها الدول المتطورة والمستقرة وتحتضنها مما يجعل من عودتها إلى بلدها أمرا بالغ الصعوبة مما يضاعف من مشاكل الدول التي تشهد الثورات ويزيد من عوامل تأخرها أو فشلها.

(3) متى تكون السلمية أقوى من الرصاص 

دائما تكون السلمية أقوى من الرصاص في مواجهة الاستبداد الداخلي أما الاحتلال الخارجي فيكون الرصاص أكثر جدوة وواقعية في رحيل المحتل الغازي.

الثورات المسلحة هي قبلة الحياة  التي تهبها الشعوب الثائرة إلى الأنظمة المستبدة  قبلة تطيل بها عمر المستبد وتخدش بها شرف نبل الثورة وقدسية مطالبها.

الواقع يقول أن المستبد والدكتاتور الداخلي أكثر ما يكون حريص على تجريد الشعوب الثائرة من سلاح السلمية الذي يفتك باستبداده وأمله في الاستمرار.

الثورات المسلحة  تكون بمثابة أدوات  تجميل لوجه المستبد وبها يعيد إنتاج نفسه ومنتجتها وتسويقها و التعمية على الجميع وخلط الأوراق والأمور أمام الداخل والخارج حتى أنه يقدم نفسه كشريك للمجتمع الدولي في محاربة العنف والتطرف كما حصل في سوريا فمربع الاستبداد هو الشيء الذي يريد أن يسحب المستبد خصومه إليه حتى يستطيع الخلاص منهم وبأقل الأثمان فإن انجر خصومه للمربع الذي يريد خسروا من رصيدهم وحاضنتهم الشعبية قبل الميدان.

السلمية مرحلة مهمة في نجاح الثورة والحفاظ عليها لكنها بعد أن تنجح تكون نصف السلمية في التعامل مع النظام القديم وجذوره وأتباعه هي الأكثر حفاظا على نجاح الثورة و مكتسباتها كما حصل في الثورة الفرنسية الثانية والثورة الإيرانية إذ استخدمت سياسة الكشط لكل ما يتعلق بالنظام القديم.

جميع الثورات التي حصلت في العالم كانت تواجه بأعمال ارتدادية من الثورات المضادة والأنظمة المستبدة والتي نجحت تلك الثورات المضادة في كثير من  الأحيان في تجريد الثورة من مكتسباتها التي حققتها في مدها الأول مما دفع الثورة وأنصارها إلى القيام بموجة ثانية من الثورات تكون قاسية وحازمة مع أنصار وأتباع الأنظمة المستبدة حتى أن الثورة الفرنسية استمرت أكثر من سبعين عام بين مد الثورة والثورات المضادة أسقطت بنهاية هذا الصراع الاستبداد وقامت الجمهورية والحرية والديمقراطية.

الثورة حاجة فطرية كامنة في نفوس الشعوب المقهورة ولا تكون تلك القوة الكامنة ذات أثر إلا إذا تم صرفها إلى احتجاجات سلمية منظمة تجبر الطغاة والمستبدين على الرحيل في الوقت الذي تنفلت به تلك القوة من عقالها وتنزلق للعنف ردا على عنف المستبد تكون قد منحت قبلة الحياة ووهبت عمرا أطول للاستبداد وأعوانه مما يساهم في مضاعفة آلام الناس والشعوب.
 
السلمية في الصراعات الداخلية أقوى من الرصاص وفي النزاع مع المحتل الأجنبي لا صوت يعلو فوق صوت زغاريد الرصاص.