سياسة عربية

هل تطوى الخلافات الإماراتية القطرية بانتهاء ملف المعتقلين؟

سيحاول تميم كبح الأجندة الشخصية لابن زايد في السياسة الخارجية للمساهمة في إصلاح العلاقات- عربي21
عادت مسألة الخلافات القطرية الإماراتية إلى الواجهة بعد إفراج سلطات أبو ظبي عن مواطنين قطريين، بقرار من الشيخ خليفة بن زايد، وهو الأمر الذي أثار تساؤلات عن إمكانية مساهمة هذا القرار في طي صفحة الخلافات بين البلدين.

وكان بيان رسمي أعلن الجمعة الماضية، الإفراج عن كل من حمد الحمادي، ومحمود الجيدة، المعتقلين لدى سلطات أبو ظبي، مشيرا إلى أن القرار يأتي "تأكيدا على حرص الإمارات على توطيد العلاقات الأخوية الوثيقة التي تجمع بين قيادتي وشعبي البلدين الشقيقين".

وبد واضحا في نص البيان أن الإمارات أرادت تصوير الإفراج على أنه "عفو" عن المعتقلين، وليس تبرئة من التهم الموجهة لهم، حيث أشار النص إلى أن المواطنين القطريين مدانان من قبل محكمة أمن الدولة.

والجدير الذكر أن الأحكام صدرت بحق الجيدة وحمادي حضوريا، وبحق قطريين آخرين غيابيا قبل ثلاثة أيام فقط من إصدار قرار الإفراج عن الجيدة وحمادي، وهو ما يؤكد أن أبو ظبي سارعت لإصدار الحكم والإفراج عنهما بصيغة عفو من رئيس الدولة، وليس مجرد استجابة للوساطات السعودية بهذا الشأن، كما كان متوقعا.

وقد حرصت وسائل الإعلام الإماراتية المطبوعة والمرئية على إظهار قرار الإفراج عن القطريين كمنحة ومنة من أبو ظبي، وهو الأمر الذي بدأ واضحا في التغطية الواسعة للموضوع في الإعلام الإماراتي، وفي طبيعة التصريحات التي نقلت على لسان مسؤولين إماراتيين وخليجيين عبر هذا الإعلام، وركزت في مجملها على الإشادة بمكرمة الشيخ خليفة ودورها في تنقية الأجواء بين الدوحة وأبو ظبي.

ويبدو أن هناك حالة من الاستياء القطري على المستويين الشعبي والرسمي من طريقة إخراج المسألة، حيث حرص البيان الرسمي الصادر عن مجلس الوزراء حول القضية على الإشارة إلى أن قرار الإفراج هو عن "موقوفين"، وليس معتقلين محكومين كما جاء في بيان أبو ظبي، كما أكدت الحكومة القطرية أن القرار "أنصف" المواطنين القطريين، ما يعني أن اعتقالهم كان ظلما.
 
ومن المعروف عن تاريخ العلاقات الخليجية أن دول مجلس التعاون لا تترك الخلافات بينها لتتحول إلى حرب مفتوحة، وأنها عادة تترك مساحة للتراجع نظرا لطبيعة الروابط الاجتماعية والسياسية والتاريخية بين هذه الدول، ولذلك فقد كان متوقعا أن تستجيب الإمارات للوساطات السعودية وأن تفرج عن المواطنين القطريين منذ فترة طويلة، ولكن أبو ظبي أصرت على إصدار أحكام ضدهما قبل الإفراج عنهما. ومن المثير أن الأحكام شملت مسؤولين قطريين حوكموا غيابيا بنفس القضايا التي أعلن أنها تتعلق "بالتجسس" قبل أن يتم تغييرها إلى "الإساءة لرموز دولة الإمارات".

ويذكر أن ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد وأخواه منصور وطحنون كانوا قد وجهوا دعوات لأمير قطر إلى زيارة الإمارات خلال زياراتهم المتعددة للدوحة، ولكن الشيخ تميم رفض هذه الدعوات، وربط الموافقة عليها بالإفراج عن المواطنين القطريين المعتقلين في أبو ظبي.
 
وعلى الرغم من استياء الدوحة من طريقة إخراج قرار إطلاق سراح مواطنيها من أبو ظبي، إلى أن طبيعة العلاقات الخليجية وتاريخها يدفع لترجيح قيام أمير قطر بزيارة قريبة للإمارات، قد تساهم في طي صفحة الخلافات بين البلدين.

وبقراءة سياسية لطبيعة الخلافات بين البلدين، فإن من المتوقع أن تستثمر قطر هذه الزيارة في حال حدوثها لدفع الإمارات لمراجعة سياساتها في الملفات الساخنة في المنطقة، حيث بات واضحا أن المقاربة القطرية تتناقض مع مقاربة الإمارات التي تتهم بأنها تناصر الثورات المضادة، وتعمل لإعاقة تطلعات الشعوب العربية في أكثر من ساحة، وتتهم أيضا بأنها تتحرك في هذه السياسة انطلاقا من دوافع شخصية لدى ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد.

وعلى الرغم من الخلافات العميقة بين الدوحة وأبو ظبي في كثير من الساحات مثل مصر وليبيا واليمن والعراق وسوريا، فإن فشل الإمارات في الملفات اليمنية والسورية والعراقية قد يدفعها لمراجعة موقفها في ليبيا تحديدا، بالنظر إلى استحالة الحسم العسكري هناك، وإلى فشل جماعة اللواء خليفة حفتر –المدعومة من أبو ظبي- في تحقيق السيطرة على البلاد بعد أكثر من سنة من إعلان الأخير انقلابه على المؤتمر الوطني الليبي، وهو الأمر الذي بات يشكل محل إجماع بين الدوحة والرياض أيضا.

ويعتبر الملف المصري هو الأكثر إثارة للخلاف بين البلدين والأكثر تعقيدا، ولكنه مع ذلك قد يشهد بعض الانفراج، إذ أن الإمارات قد تفكر بالبحث عن بديل للسيسي، بعد فشله المتراكم في كافة الأصعدة، وبعد أن أصبح يمثل عبئا على أبو ظبي التي تعتبر شريكا أساسيا لنظام الانقلاب في مصر.

 ومن المحتمل أن يطرح أمير قطر في زيارته المتوقعة للإمارات كل هذه الملفات المتشابكة على مضيفيه في أبو ظبي، وأن يحاول كبح الأجندة الشخصية لمحمد بن زايد في السياسة الخارجية للمساهمة في إصلاح العلاقات بين البلدين، ولكن السؤال الذي يبقى مطروحا: ما هي حدود التنازلات التي يمكن أن تقدمها كل من الدوحة وأبو ظبي لإصلاح هذه العلاقة وطي صفحة الخلافات؟ وما هي إمكانية تراجع ابن زايد عن سياسته المثيرة للجدل في المنطقة؟