قضايا وآراء

أيامي في كلية الدعوة الإسلامية

1300x600
بعد انتفاضة يناير عُينت موظفا عاديا في جامعة الأزهر مخيرا بين ثلاث كليات: التجارة والتربية والدعوة، فاخترت بلا تردد كلية الصالحين، وهي الإجابة التي أسعدت مسؤول الجامعة فربَّت على كتفي داعيا لي بالخير.

قوبلت بحفاوة، وأصر المدير أن أكون مديرا لمكتب العميد، لكنني آثرت أن أكون أمينا للمكتبة، لاستدامة النشوة التي أشعر بها مع الكتب، وقد انتهت علاقتي بالكلية بعد الأشهر التجريبية الستة التي تقدمت بعدها مباشرة بإجازة دون مرتب، ولكم كنت فخورا بمعرفتي بأناس هم من أحسن الناس فقها وورعا.

وقد لزمت العزلة إيمانا بها ويقينا بأن الراغب في تحقيق ذاته، والقيام بأي عمل جاد في هذه الدنيا، لا بد أن يجبر نفسه على قدر غير يسير من العزلة، تمتعا بفضيلة التأمل التي لما غابت غابت شمس الإبداع، لكن كرم الإخوة في الكلية كان يجبرني –راضيا ومغتبطا- على الخوض معهم في نقاشات عدة حول الدين والعلم، وما يتصل بهما مُحسنين الظن بي، وقد سرني المستوى الراقي للمعيدين الجدد، وكونهم أنبغ من أساتذتهم، وتوقعي بأن يصلوا بالخطاب الديني إلى مستوى أرقى وأحسن.

وكلية الدعوة هي معقل الإخوان المسلمين أو التيارات الدينية، بمعنى أدق، ولذا كانت مكروهة من شيخ الأزهر الحالي، وقد روى الدكتور عبد الله بركات –فك الله أسره- قصة مشاحنة بينه وبين شيخ الأزهر الحالي بسبب ترشيحه لهذا المنصب.

وقد دارت الكثير من النقاشات معي في المكتبة، وكنت أشعر بالفخر ورابط الأخوة الحقيقي، وأعتز بهذا القدر من التسامح في تقبل بعض آرائي الصادمة حول التراث الإسلامي الذي أعتز به، وأكتب عنه متسكعا وباحثا عن الجوانب المضيئة، وكنت أحرص على تحقيق هدف خفي أنزع إليه في كل مرة وهو: تعويد الداعية التعددية وقبول الآخر، فكنت أمدح مثلا جهود الملالي في الدفاع عن الإسلام، وما لهم من خلفيات نبوغ في العلوم الصلبة والتطبيقية والتجريبية كالرياضيات وغيرها، بل وأسوق كلام الدكتور محمد عمارة، رغم أنه شديد النكير عليهم، ثم لا أندهش من ذيوع أنني شيعي لدرجة أن بعضهم قد جاء يستحلفني ولما أقسمت قالوا: تقيَّة!

ولما جاءت سيرة أمريكا، وقلت إنني أحب أمريكا الحرية والديمقراطية ومراكز البحث العملاقة، قالوا إنني أمريكي، ولما قلت إن قلبي متدين وعقلي علماني، قالوا علماني، ولما مدحت ماركس، قالوا شيوعي، لكن، وخروجا من ذاتيتي الضيقة، أقول إنه في مجال البحث الديني لا مكان للموضوعية والحياد، لكن لا سبيل أيضا لطردهما، وقد صادفت باحثا نابها منهم يكتب عن الفتنة الكبرى، فاستعان برسالة الدكتوراه لمحمد أمحزون المغربي، وبالطبع لم ينس العواصم من القواصم وغيرها. 

فطلب نصيحتي، فقلت: إذا كتبت في هذا البحث أرجوك تجنب "تنقيط الفرح"، وذلك لمصادرة ابن العربي على بحثه بتأكيد أن الصحابة جميعا عدول، وشتمه للمفسرين والمؤرخين والفلاسفة وأهل الآداب، وعلى رأسهم ابن قتيبة والمبرد والمسعودي والجاحظ وغيرهم، وحثه الناس على قراءة الطبري "فقط"، رغم ما لدى الطبري من روايات جعلته مسخرة لدى مؤرخ في وزن حسين مؤنس، ومحل انتقاد شديد من أمحزون نفسه في مقدمة رسالته! 

ونصحته بتأمل مقدمة الدكتور محمد جميل غازي الأصيلة في تحقيقه كتاب ابن العربي، وكون الإسلام قد أنشأ بالوحي دائرة معارف كاملة ضمت علوما ومدارس واتجاهات عدة كانت سمة ثقافتها الحرية والاجتهاد والاختيار.

وإلا فقد أثبت محقق الكتاب الثاني (محب الدين الخطيب) أن فاطمة قد وجدت (حنقت) على أبي بكر، وظلت ستة أشهر معتزلة في بيتها مع علي لما أصر أبو بكر بعد وفاة النبي على تطبيق حديث "لا نورَّث، ما تركنا صدقة"، رغم أن المحقق نفسه كتب مقدمة كلها تقريع للشيعة، وأقصد هنا أنهم بشر يعتريهم ما يعترينا من الفرح والغضب والحنق والغيرة، وقد جاء كلام المحقق تفسيرا لما في متن الكتاب: "فأما علي فاستخفى في بيته مع فاطمة".

إن الاكتفاء باشتراط  معايير الراوي ذاتها في الحديث على المؤرخ ليس بكاف، لأن مفهوم العدالة نسبي، ولأن الجرح والتعديل قائم في جزء منه على المسموع والمظنون من أحوال الناس ونفسياتهم المتقلبة، وإلا فهو نفسه -أمحزون- قد أورد كلمة ابن حجر في طبقات المدلسين عن سيف بن عمر التميمي "أحد موارد الطبري" أنه "ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ". 
ولذا، نصيحتي هي البحث بموضوعية لا انتقائية كما فعل أمحزون، مع الاستناد إلى حقيقة أنه في التاريخ لا توجد حقائق! أو بالأحرى اعتبار كل هذا من المسكوت عنه، وهو موجود في كل أمة وثقافة وحضارة مهما كان مبلغها من الإنجاز عاليا.

المسكوت عنه ببساطة هو تمظهرات الطبيعة البشرية المحرجة مثل نفي الهولوكوست أو تأكيد اعتماد الذكاء على الوراثة أو الحديث عن تاريخ العبودية أو عن الشذوذ الجنسي بالجيش لدى الولايات المتحدة أو وحشية اليابانيين في الحرب العالمية الثانية لدى اليابان أو الإبادة الجماعية للأرمينيين لدى تركيا أو التخلي عن كشمير لدى كل من الهند وباكستان.

وعلة إطنابي هو حزني الشديد من الضعف المزري في الأبحاث المقدمة في الكلية وموضوعاتها الركيكة، مثل رسالة دكتوراه بعنوان "زهد عمر بن عبد العزيز وأثره في الدعوة إلى الله" أو أي شيء مضافا إليه عبارة "وأثره في الدعوة إلى الله"، أو رسالة ماجستير أكثر من 750 صفحة عن الإعجاز الطبي في آيات القرآن من داعية بالطبع لم يقرأ سطرا واحدا في البيولوجي!

وبالطبع، لم أتعجب لمَّا راقبت الطلبة في الامتحانات، ووجدت أكثرهم لا يحسنون الإملاء، بل ولا حتى يحفظون القرآن، ولعل اليتم قد أورثني رحمة مفرطة، فلم أتعجب مرة أخرى لما كنت أدور بينهم أسقيهم وأقدم لهم من طعامي وأحن عليهم و"أغششهم" في الإنجليزية، لكون الأزهرية مظلومين في اللغات، هؤلاء الطلاب الذين اعتبرتهم أبنائي، ولست أكبرهم حتى بعشر سنوات كان الله في عونهم، أثقلهم موروث ثقافي هائل وبيئة منحطة يحكم فيها الآن بصمجيّ بعد انقلاب عسكري دموي.

لكن الأمل معقود على المعيدين الجدد، وقد عرفتهم عن قرب، وأتمنى ألا يخيب ظني، وأن يتواصلوا مع كل ما هو جديد، وأن يحققوا المصالحة بين موروثنا وقيم العصر النبيلة، لا أن يكتفوا بحمل أحدث الهواتف وأجهزة الكمبيوتر، فدراسة الفلسفة وتأسيس ورش عمل نقاشية حرة وترك المجال واسعا أمام اختلاف الآراء وقبول الآخر هي الحل، وغير ذلك هو "الموت الأحمر والداء الأكبر" كما قال ابن العربي.