قضايا وآراء

احذر أمامك صورة !!

1300x600
استمتعت جدا بكتاب المفكر السعودي عبد الله الغذامي المعنون "ثقافة الصورة.. سقوط النخبة وبروز الشعبي" ويتحدث فيه المؤلف عن الزمن الثقافي الحالي الذي نعيش فيه ويلفت إلى أن من أبرز مميزاته أن الصورة تحولت فيه إلى أداة تعبير بلاغية حيث حلت فيه العين محل الحواس الأخرى في مشهد جعل الصورة أصلا معرفيا والواقع مجرد انعكاس لها مع أن العكس هو المفترض.

وفي عصر بلغ فيه التطور التكنولوجي تقدما غير مسبوق أضحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي تمثل لاعبا رئيسيا في حياة الكثيرين يشير الكاتب إلى سقوط النخبة الموجهة للجماهير سابقا حيث يمكن اليوم لأي فرد يمتلك تأويله الخاص للواقع وأن يستقبل ما يشاء من أخبار ويلغي ما يشاء بضغطة زر في زمن أصبحت فيه الصورة ديمقراطية ومتاحة للجميع في تجسيد صريح لمقولة المؤلف المسرحي ارستوفانيس "الأدب برجوازي والصورة ديمقراطية".
 
ويلفت المؤلف إلى أننا نعيش اليوم كعالم ثالث صدمة ثقافية بدت بسيطة وتعقدت بمرور الزمن فما رواه ماركيز عن جدته التي كانت تعتقد بأن الشيطان يختبئ في جهاز الراديو ويتحدث معها وما حصل حين عرض الأخوين لوميير في مطلع القرن التاسع عشر في فيلم الخروج من المحطة في أحد مقاهي باريس حيث فر الجالسون في المقهى حين عرض راس الممثلين فقط فيما يعرف باللقطة القريبة"close up" حيث لم يألف المشاهدون حينها وجود راس يتكلم دون باقي الجسد...المشهد يتكرر اليوم بطريقة أخرى في العالم الثالث حيث يتم الأخذ بقشور الحداثة ومنها الصورة وما يحمله ذلك من تمرير للرسائل واستلاب أمام الإبهار البصري القادم من وراء الحدود.
 
ومع انتشار التلفزيون واليوم في عصر اليويتوب تغيرت الذائقة البصرية للمشاهدين حيث جرى إدخال تحولات خطيرة في فرض حاجات الناس وفقا لما يرونه في الصورة وباتت الكماليات بمرتبة الحاجات في ظل الضح الكبير للصور في مجالات "الموضة والإعلان وتصفيفات الشعر" وبالأخص لدى الشباب الذي ساهمت الصور البراقة في تنميطه وصنع نماذج بصرية لديه وكل ذلك بفعل الصورة.

ويعزز ذلك المقولة المشهورة لعالم الاتصال الشهير مارشال مكلوهان حول أن الوسيلة أهم من الرسالة حيث أصبحت الصورة "الوسيلة " تستفز أحاسيس المشاهدين وتولد لديه ردود انفعالية بفعل الوسيلة وليس بفعل الرسالة بالمقارنة بالوسائل السابقة كالجريدة والكتاب التي كانت تستدعي استجابة عقلانية.

وفي زمن الصورة يعد المثال الأبرز لخطورتها وأثرها الواقعي في الشق السياسي الاستغلال الذي جرى للحادثة الشهيرة المتمثلة بضرب أهم برجين اقتصاديين في العالم في 11-9- 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية حيث تم استغلال المشهد من قبل المحافظين الأمريكيين لتبرير الصورة التي سيظهر بها بوش مبررا ما وصفها بالحرب الصليبية وهي الصورة التي سعى المخرج الأمريكي مايكل مور لفضحها في فيلمه الوثائقي الشهير فهرنهايت 9-11 ولم يكتفي حينها مور بذلك بل إنه صرخ بأعلى صوته عند استلامه جائزة الأوسكار "عار عليك " يقصد بوش حيث أراد مور أن يكشف زيف الصورة التي حاول بها بوش أن يخرجها للعلن أمام الوجه القبيح لإدارته التي عاثت خرابا في الشرق الأوسط واستعملت الصور لتبرير ذلك كيف لا وهي سليلة إدارات انتبهت باكرا إلى أهمية الصورة في حروبها بعد الدرس القاسي الذي نتج عن حرب فيتنام حيث أجبرت إدارة كندي على إيقافها بفعل ضغط الجماهير التي استجابت للصور البشعة القادمة من هناك فسعت إلى حرف الأنظار عن فظائع غزوها للعراق في ما سمي "بعاصفة الصحراء" عام 1990 حين اختارت أن تضع المراسل الأمريكي بيتر ارنت على ظهر الدبابة لينقل الصورة التي أراد بوش الأب أن يوصلها وهو الأمر الذي اخفق فيه بوش الابن.

احذر أمامك صورة عزيزي القارئ تخضع للمونتاج وتأثيرات الفوتوشوب وتحمل في ثناياها آلاف الرسائل دون مبالغة إن لم تحسن قراءتها بوعي كامل فمن يدفع آلاف الدنانير بل والملايين لإنشاء الفضائيات والإنتاج الدرامي "هوليوود مثلا" لا ينظر فقط للربح بل إن عقلك هو المستهدف بالدرجة الأولى والرهان اليوم على بقائك متيقظا في عصر الغفلة.