ملفات وتقارير

أرسله النظام لقمع المتظاهرين.. فصار منهم واعتُقل

مظاهرة في دمشق 17-7-2011

قصة "منذر" تشبه قصة الغلام المؤمن الذي أرسله أهله إلى الساحر ليتعلم السحر، فذهب إلى الراهب ليتعلم عن الإيمان، حتى اكتشف أمره كما في القصة الشهيرة لـ"أصحاب الأخدود"، إذ أن "منذر" مهندس البترول يعرّف عن نفسه بأنه لا يعرف شيئا عن البترول، ولم يصادف أن رآه مرة واحدة في حياته.

"منذر"، الشاب العشريني من مدينة دير الزور، لا تفارق الابتسامة الواثقة محياه، رغم شهور الاعتقال الطويلة التي عايش فيها الويلات في ثمانية فروع أمنية في مدن سورية مختلفة، حيث تم نقله وهو مقيد بالطائرة في إحدى المرات ليستقر شهورا طويلة في المعتقل المرعب في الصحراء "سجن تدمر" ليمر على كافة الفروع الأمنية، من عسكرية و سياسية وجوية وأمن دولة و48 والبالونة والقابون والبادية.. الخ.

يقول "منذر" في حديث لـ"عربي1": "كنت مشهورا بين السجناء بابتسامتي العريضة وتخفيفي عن غيري عن طريق رواية قصص من التراث الإسلامي، فاستطعت أن أكتسب ثقة من حولي، وذلك قبل أن أبرأ بأعجوبة من التهم التي كانت أدلتها بحوزة النظام، ولكن أعينهم أعميت عنها، لأخرج من المعتقل بعد ثمانية أشهر بساق مثقوبة بالمثقب الكهربائي".

يضيف: "وأنا في هذه الحال، وفي الساعة الأولى بعد خروجي من المعتقل، التقيت صدفة بابن عمي، وهو الشخص الوحيد الذي أعرفه في مدينة كبيرة كدمشق، ليساعدني في العودة إلى مدينتي دير الزور. وفي اليوم الثاني لعودتي، ذهبت إلى كليتي بقدمي المصابة، لأجد أنني قد ترفعت بقرار إداري غير متوقع، ولكنه صدر بشكل استثنائي للمرة الثانية في نفس العام الدراسي، ومن ثم تخرجت بأعجوبة من هندسة البترول، ثم عملت على إخراج جواز سفر لي، لأصبح حرا في النهاية بالرغم من أنف النظام".

الاعتقال الأول

"منذر" كان رئيس الهيئة الإدارية في جامعة دير الزور، وكان مسؤول اتحاد الطلبة يرسله إلى الجوامع ليرصد المظاهرات التي تخرج منها، ويراقب من يخرج من الشباب في بدايات الثورة، ليسلمهم للأجهزة الأمنية أو يقمعهم. ولكن ما فعله منذر لم يخطر على بال، فقد كان يذهب للجوامع ليكون أول المتظاهرين، وحين كان يتصل به اتحاد الطلبة للاستفسار عما جرى في الجامع، كان يقول: "لم يحدث شيء، في حين أنه كان يكون على رأس المظاهرة".

يقول لـ"عربي21": "بعد فترة من الزمن بدأت أصابع الاتهام تتجه لي، فالمتظاهرون كانوا يظنونني جاسوسا عليهم لأنني رئيس الهيئة الإدارية، في حين كان مسؤول اتحاد الطلبة بدأ يشك بالأمر، حيث اتصل بي ذات يوم ليسألني إن كنت أخرج في المظاهرات لكنني نفيت بالطبع، واستمريت بالخروج في المظاهرات حتى أمسكت بالمايكروفون في إحدى المظاهرات، فتم اعتقالي في فرع الأمن السياسي، ثم خرجت بعد حوالي أسبوعين، وكان هذا الاعتقال الأول لي".

نشاط إعلامي

بعد خروج "منذر من الاعتقال، واصل نشاطه في "إذاعة دير الزور الحرة"، وعلى خلفية نشاطه طلبه هذه المرة أمن الدولة، وفي نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2012، تم اعتقاله من منزله فجرا بتهمة رفع علم الثورة على الكلية، ليتم إطلاق سراحه بعد ذلك.

يقول "منذر" لـ"عربي21": "لم تدم حريتي طويلا، حيث أنه بعد قصف منزلي من قبل دبابات جيش النظام، ذهبت لأتفقده (..) فتم اعتقالي مجددا، وفي هذه المرة طلبوا مني أن أتعرف على أفراد الجيش الحر والناشطين الثوريين، فوقعت في مأزق، فأغلبهم من أهل حيي، لذا قمت بحيلة لتضليلهم من خلال تغيير الأسماء من خلال تحويل اسم محمد إلى خالد وهكذا".

يتابع: "لمحت من بين الصور التي عرضوها عليّ كي أخبر عنها صورة شهيد، وقلت داخلي جاء الفرج"، حيث اعترف باسم "الشهيد" الحقيقي الذي كان منشورا أساسا على الانترنت بأنه "شهيد"، وهذا الاعتراف الصحيح أعطى بقية اعترافاته مصداقية، فتم إطلاق سراحه من اعتقاله للمرة الثالثة.

مطلوب للمرة الرابعة

بعد دخول الجيش الحر لبعض مناطق دير الزور، نزح أهل "منذر" إلى القامشلي، وهناك عند مروره على أحد الحواجز، تم اعتقاله حيث ظهر اسمه في قائمة المطلوبين، وبقي معتقلا في القامشلي لشهرين، ثم تم نقله بواسطة الطائرة مقيدا إلى فرع الأمن الجوي في دمشق ثم إلى القابون، ثم إلى سجن تدمر، على أن تكون هذه آخر مرحلة من اعتقاله، حيث سمع أنه من المقرر أن تصطحبه سيارة إلى دير الزور بعد أسبوعين.

لكن حدث ما لم يكن "منذر" يتوقعه، حيث تناهت إلى سمعه أخبار تفيد أن سيارة نقل السجناء قد تم استهدافها من قبل الجيش الحر، وهكذا استمر اعتقاله في سجن تدمر لمدة أربع أشهر، وهو سجن يقوم بإدراته السجناء أنفسهم، حيث يتولون مسؤوليات مختلفة بحسب ما يحسنون من أعمال، ويحيط به حرس يتمركزون على أسواره.

يتابع منذر لـ"عربي21": "تم نقلي بعدها إلى سجن البادية، حيث بقيت مقيدا بالأصفاد لمدة ثلاثة أيام متتالية، وكان فرع البادية من أسوأ الفروع الأمنية الكثيرة التي تم اعتقالي فيها".

يتحدث منذر عن أصعب ما مر به خلال اعتقاله في "الفرع 48"، قائلا: "كان عدد السجناء في الغرفة حوالي 150 سجينا، وفي أحد الأيام كان لا بد من تنظيف المهجع، فتجمع الـ150 شخصا في زاوية الغرفة الضيقة والمكتظة أساسا، حتى تم تنظيف الزوايا الأخرى، وكان هناك رجل كبير لم يحتمل هذا الاكتظاظ، فأخذ يستغيث في الزاوية وطلب مني بعض الماء، حيث شققت طريقي بين الحشد لأذهب إلى زاوية الغرفة، وأعود إليه بالماء، فلما عدت إليه كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة".

أما الطعام في "الفرع 48" فقد كان قليلا جدا، على حد قوله، "ثلاثة أشخاص يتقاسمون تفاحة صغيرة، أو نصف بيضة كفطور، وكانت هناك ظاهرة غريبة، فكلما جاءت وجبة فطور أو غداء أو عشاء ينادى بأسماء بعض الأشخاص فيخرجون وقت الوجبة، وهذا كان يثير استغرابي، ثم عرفت لاحقا أن هؤلاء المعتقلين كان يطلب منهم الاعتراف بما تمليه عليهم الجهات الأمنية المختصة، ليتم عرض اعترافاتهم على الفضائية السورية، وثمن هذا الاعتراف بيضة أو بعض من الطعام، وكان كثير منهم يوافقون، فالجوع كافر".

الحرية

يتابع منذر: "دخلت السجن بـاثنتي عشرة تهمة، منها عشر تهم فيها دليل إدانتي، حيث ساعدت جنودا على الانشقاق، من خلال تزوير تأجيل خدمتهم، والإثبات كان موجودا على "هارد" كمبيوتر كان معي وقت اعتقالي، ولكنهم تحفظوا عليه داخل المعتقل، ولم يتم اكتشاف كم المعلومات الهائل الذي فيه. وأثناء وجودي في "الفرع 48" الذي يفترض أن أحاكم (فيه)، سقطت كل التهم سهوا من خلال تداخلها مع أوراق غيري من المتهمين، فلم ينتبه المسؤلون إليها أبدا".

ويقول "منذر": "خرجت من المعتقل في مدينة دمشق وكل ما أملك (هو) ما أرتديه، وبعد ساعة من خروجي من التقيت صدفة بابن عمي الذي ساعدني في العودة إلى الدير، وبالرغم من أنني خرجت بثقب في قدمي، إلا أنني في اليوم التالي ذهبت إلى كليتي، لأفاجأ بترفعي إداريا بقرار عام صدر وقتها على غير العادة، لأتخرج بعدها بفترة قصيرة".

ويختم بالقول: "واصلت نشاطي الثوري في الريف المحرر لدير الزور وكلي أمل ويقين بالله، فالذي أعادني حرا من بعد سجني، ونجحني وأنقذني، قادر على أن ينقذ سوريا رغم كل الصعاب، وسنبقى نسعى لسورية حرية وعدالة لكل السوريين"، وفق تعبيره.