قضايا وآراء

العالم يستثمر في داعش

1300x600
لا تبدو أمريكا جادةً في محاربة داعش، بل يبدو أن الوظيفة التي يؤديها هذا التنظيم الإرهابي المشبوه تتناغم مع الرؤى الاستراتيجية للإدارة الأمريكية لتدمير الوطن العربي، وإطالة أمد تفككه وتعويق أي عملية نهضة وتنمية حقيقية فيه.

الرئيس الأمريكي طلب من الكونغرس تفويضاً لمحاربة داعش لمدة ثلاث سنوات، فهل حقاً أن داعش من القوة والرسوخ بحيث أن محاربتها تقتضي سنوات طويلةً؟ وكيف يستقيم هذا مع أن هذا التنظيم ظهر فجأةً؟ وأين كانت التقديرات الاستخبارية الأمريكية لتحاربه منذ البداية وتحول دون تمدده؟ وإذا نظرنا إلى طبيعة الضربات الجوية للتحالف الدولي ضد ما يقال إنها معاقل تنظيم داعش لوجدنا أنها استعراضية إعلامية لم تنجح حتى اللحظة في توجيه ضربات نوعية تنال من قدرات التنظيم. 

يرى المفكر الأمريكي ناعوم تشومسكي أن الإدارة الأمريكية هي التي أوجدت البيئة التي أنبتت داعش عبر سحق العراق وتغذية الانقسامات بين الشيعة والسنة الذين كانوا يتعايشون ويتزاوجون بشكل طبيعي في العراق قبل الغزو الأمريكي، وكان من الصعب التفريق بين السني والشيعي إذ لم تكن الخلافات بينهم جوهريةً.. فلما جاء بول بريمر إلى بغداد كانت أولويته الفصل بين السنة والشيعة، أما المملكة العربية السعودية التي ترعى الفكر الوهابي المتطرف فإنها تعد الحليف الأكبر للولايات المتحدة في المنطقة، وهي التي تصدِّر النسخة الأكثر تطرفاً إلى المنطقة من باكستان وحتى شمال أفريقيا.

أنظمة القتل والاستبداد تبدو هي الأخرى مرتاحةً لوجود داعش، فهي الفزاعة الملائمة لتحشيد العالم ضدها وللتهرب من استحقاقات الديمقراطية والإصلاح الداخلي. بروز داعش في سوريا شكَّل طوق النجاة لنظام بشار الأسد الذي ما فتئ يردد منذ اليوم الأول للثورة الشعبية السلمية أنه يحارب الإرهاب وكان يصر على هذه الكذبة الفجة رغم وضوح الطابع السلمي للتظاهرات، فلما اختلط المشهد وبرزت داعش انتصرت رواية النظام السوري بأنه يواجه الإرهاب، ونسي العالم أن هناك ثورةً تعبر عن مطالب شعبية حقيقية بالحرية والكرامة، واختارت أمريكا بشار على داعش، فشعر النظام السوري بارتياح كبير بعد انصراف الضغط الدولي عنه، كذلك تحققت فائدة أخرى للنظام السوري بمحاربة داعش للثوار الحقيقيين مما خفف عنه كثيراً من الأعباء الميدانية بالإضافة لتخفيفه من الأعباء السياسية.

في الأردن ورغم انشغال النظام بمحاربة داعش خاصةً بعد إحراق الطيار معاذ الكساسبة؛ إلا أنه لا يبدي بوادر تهدئة مع التيار الإسلامي المعتدل متمثلاً في جماعة الإخوان المسلمين، ورغم أن مقتضى المنطق يقول إن محاربة الفكر المتطرف تقتضي دعم الفكر المعتدل إلا أن النظام وجه ضربةً لجماعة الإخوان تمثلت في محاكمة نائب المراقب العام للجماعة زكي بن ارشيد، مما يعني أن الأنظمة العربية تغلق الأبواب أمام أي جهود إصلاحية من شأنها أن تمثل السلاح الحقيقي للانتصار على داعش.

في مصر لم يجد قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي أفضل من فزاعة داعش لتبرير انقلابه أولاً ولتثبيت أركانه والتهرب من الضغط الثوري الحقيقي ثانياً، ففي خطابه الشهير عقب الانقلاب طلب السيسي من الشعب المصري تفويضه بمواجهة "الإرهاب المحتمل"، ومصطلح "الإرهاب المحتمل" يستحق التوقف ملياً عنده، فالطاغية يقول ضمنياً إن لم يوجد الإرهاب فعلينا أن نخلقه من العدم، وهذا ما نجح فيه فعلاً، فقد حرص على استحضار كل العناصر السياسية والأمنية والاستخبارية لخلق العنف في الساحة المصرية، بدءا من عملية الانقلاب ذاتها التي أجهضت أحلام المصريين في إمكانية تحقيق أحلامهم بالوسائل السلمية، ثم بعد ذلك وصم جماعة الإخوان المسلمين بأنها جماعة إرهابية رغم شعارها "سلميتنا أقوى من الرصاص"، ثم زيادة وتيرة التهجير والظلم الواقع على أهالي سيناء والتضخيم الإعلامي المتعمد لعمليات استهداف الجنود الفردية التي ينفذها أهالي سيناء رداً على الظلم الواقع عليهم، وهو بكل هذا يدفع دفعاً في اتجاه إيجاد حاضنة لاستجلاب داعش إلى مصر وتسويق نفسه إلى العالم بأنه جزء من معركة دولية ضد الحرب على الإرهاب.  

لم يكتف السيسي في صراعه لتوطيد أركان حكمه المهتز بمعركته الداخلية، بل سعى لتسويق نفسه إقليمياً بأنه الذراع الضاربة ضد الإرهاب خارج حدود مصر عبر دعمه للواء خليفة حفتر في ليبيا ومشاركته الفعلية في استهداف الثوار الليبيين منذ انقلابه، وعبر التحريض الدائم على غزة وتصويرها بأنها تهدد الأمن القومي المصري في تناغم مكشوف مع الأهداف الإسرائيلية ضد كل من غزة وسيناء.

في ضوء هذه الخلفية، تثار علامات استفهام حول توقيت وتبعات عملية إعدام الرهائن المصريين في ليبيا، خاصةً حين نرى مسارعة أطراف دولية عدة لاستثمارها، فكل من نظام الانقلاب في مصر ودولة فرنسا دعوا إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن وضرورة اتخاذ تدابير جديدة لمواجهة الموقف، كما دعا نظام الانقلاب التحالف الذي تقوده أمريكا إلى مواجهة داعش في ليبيا، أما إيطاليا فقد أبدت عبر وزيرة دفاعها استعداد بلادها للمساهمة بآلاف الجنود ضمن قوة من دول المنطقة للتدخل في ليبيا، ومن داخل ليبيا كان هناك تناغم مع هذه المواقف الخارجية تمثل في دعوة خليفة حفتر بالتدخل العسكري المصري في ليبيا.

بالنظر إلى طبيعة استهداف الطيران المصري الذي طال مواقع في درنة شرق ليبيا التي نجح مقاتلوها مؤخراً في قطع خطوط إمدادات قوات حفتر وصدهم لهجماته، عوضاً عن مهاجمة سرت التي تتمركز فيها معاقل داعش، فإن هذا يؤكد الطابع السياسي للتدخل المصري، وأن الأمر يتجاوز كونه مجرد رد انتقامي على إعدام الرهائن.

هل تكون هذه الأحداث مقدمةً لتدخل أجنبي يهدف إلى فصل شرق ليبيا الغني بالنفط وتولية خليفة حفتر عليها؟؟

أياً كانت ملابسات ظهور داعش وتداخل العوامل الذاتية والخارجية فيها، فإن ما يتضح بجلاء هو أن العالم يستثمر وجودها إلى الحد الأقصى، وإن دورها في الحسابات الدولية والإقليمية لا يزيد عن تمرير السياسات والأطماع التي ترسمها القوى المهيمنة منذ زمن، لكنها كانت تنتظر التوقيت والذريعة المناسبين لتنفيذها.