كتاب عربي 21

مؤهلات وألقاب مملكة في غير موضعها

1300x600
خسر علي كوردان، منصبه وزيراً للداخلية في إيران، في عهد محمود أحمدي نجاد، بعد أن سحب البرلمان منه الثقة، وكان كوردان قد رفض الاستقالة عندما شاع أمر الدكتوراه المزورة التي يحملها، وليتها كانت دكتوراه من النوع الذي تعود على حاملها بالترقيات والزيادة في الراتب.

لا، كانت فخرية، ولو نسبها إلى جامعة أي كلام لما انفضح أمره، ولكنه جعلها من سيدة الجامعات "أوكسفورد"، وسأل المتشككون في أمر الدكتوراه جامعة أوكسفورد عنها فقالوا: ليس في سجلاتنا اسم علي كوردان حتى زائراً عابراً، عندها قال معالي الوزير إنه كان ضحية مقلب دبره شخص غشاش أوهمه أن الدكتوراه حقيقة!!

نقطة نظام: أنت يا سيدي الوزير (سابقاً) مكلف بمحارية الجريمة ومن بينها التزوير، والإشراف على الانتخابات الرئاسية والنيابية، فكيف انطلى عليك أن الشهادة مزورة، وكيف تتهم شخصاً آخر بالتزوير؟ هل سبق لك الذهاب إلى أوكسفورد؟ هل لديك صور حفل تسليم الدكتوراه الفخرية وهي درجة ذات قيمة أدبية ومعنوية عالية، تقدم لمستحقيها وسط هيلمان وطيلسان؟ المشكلة الأكبر هي أن البرلمان اكتشف أن الدبلوم فوق الجامعي المقيد في السيرة الذاتية لكوردان، الذي يفترض أنه حصل عليه من الجامعة الإسلامية الحرة في إيران نفسها، أيضاً مزور، ثم اتضح أن البكالريوس الذي يحمله من نفس الجامعة... نعم مزور.

عندما تعرض لزنقة في البرلمان كان دفاع كوردان من الصنف العالم ثالثي: إنها مؤامرة على النظام الإسلامي في إيران! كشف التزوير ومعاقبة المزور مؤامرة على الحكومة؟ ودي تيجي إزاي يا بيه؟ ثم نطق السيد علي كوردان بكلام كله حكمة: لدي خبرة إدارية تفوق 30 سنة ولست بحاجة إلى شهادات! يسلم لسانك يا سيدي.

بالضبط: الشهادات ليست ضرورية للنجاح في أي عمل أو مهمة، وقد تكون عنصراً مساعداً، ولكن الخبرة والاستعداد الفطري يعطيان ثمرات لا تعطيها الشهادات المطبوعة بماء الذهب، وعبر البشر آلاف السنين، أقاموا الإمبراطوريات في غياب – حتى – المدارس الابتدائية، ولم يكن بين بناة الأهرامات واحد يحمل دبلوماً متوسطاً في الهندسة المعمارية، سيدك وسيدي محمد صلى الله عليه وسلم كان لا يقرأ ولا يكتب، ونتباهى أنا وأنت بما أنجزه هذا النبي الأمي، ويشهد له حملة الدكتوراهات الحقيقية من كل الملل والنحل بالعبقرية.

في عام 2010 اتضح أن جامعات افتراضية في الولايات المتحدة أصدرت ما يربو على مائة ألف شهادة جامعية وفوق الجامعية، وفي أوروبا فقد وزير العمل السويدي سفين أوتو، والنائب البرلماني اليوناني كوستاس مارغايتس، ونائب رئيس حزب المحافظين البريطاني جيفري آرتشر، مناصبهم بعد انكشاف أن شهاداتهم الجامعية "مضروبة"، وبعد فضيحة علي كوردان تواصلت مع جامعة على الإنترنت وحصلت على دكتوراه في القانون من جامعة هارفارد بعد أن دفعت 119 دولاراً (يا بلاش)، وطلبت من نفس الموقع زمالة بريطانية في طب المسالك البولية. وبوصفي زبوناً "قديماً" فقد فاصلت حتى وافقوا على منحي إياها نظير 99 دولاراً، ولكنني كنت أذكى من أن أخسر ذلك المبلغ، ولم يكن شرائي للدكتوراه غباءً، لأن غايتي كانت اكتشاف كيفية الحصول على مؤهلات أكاديمية بسعر التكلفة، ثم تواصلت مع موقع "دبلوما كمباني" على الإنترنت، وحصلت منهم على عروض طيبة للحصول على دبلومات فوق الجامعية في هندسة الطيران، والتمريض، والرسم الهندسي المعماري، وظلوا يمطرونني بالرسائل كي أقوم بتحويل الرسوم إليهم كي يرسلوا إلي تلك الشهادات بنظام "هوم. ديليفاري": خليك بالبيت والشهادة تأتيك من الفرن.

يا جماعة، أندرو جاكسون أحد أشهر الرؤساء الأمريكان لم ير أباه قط، لأنه مات وعمره دون السنة، وماتت أمه وعمره 14 سنة، وعاش مشرداً، ولكنه كان صاحب ذكاء فطري، ولم يحظ بأي تعليم نظامي، ولكنه صار محامياً ووزيراً للعدل، وعضواً في مجلس النواب ثم الشيوخ، وخلال الحرب مع الولايات المتمردة في الجنوب الأمريكي، أبدى مهارات قتالية واستراتيجية فذة ونال رتبة جنرال، ثم صار رئيساً للولايات المتحدة ما بين 1829 و 1837، ورغم أنه لم يكن "متعلماً" بأي درجة إلا أنه ترك لشعبه وثائق مكتوبة، صارت مصدر فخر واعتزاز كل الأمريكان على مر الأزمان، وكان بإمكانه أن يمنح نفسه كل أنواع الشهادات الأكاديمية، ولكنه كان يدرك أن الشهادات لا قيمة لها إذا كانت فقط للتباهي والوجاهة.