قضايا وآراء

الصراع العربي الإسرائيلي إلى أين؟

1300x600
وإن مرَّ الصراع العربي الإسرائيلي بمراحل شديدة التباين طوال الـ67 عاما المنصرمة، إلا أنّ الفصل الأخير لا يبدو بأن أيا مما سبقه قد أفلح بإبعاده عن أضواء الصدارة، وإن بدا -في حينها- بأن عجلة التاريخ قد توقفت عند عدة فصول سابقة.

مع انفراط عقد دول الطوق لأسباب مختلفة، وتنامي التحالفات فيما بين العديد من الدول العربية وإسرائيل وذلك لغايات مختلفة، سواء كانت التقاء مصالح سياسية أو تجارية، وصولاً إلى ولادة "سلام" مشوه بعد مخاضٍ متعسر، وفقط كنتيجة عملية لأمرٍ واقعٍ تم فرضه كانعكاسٍ لانعدام وجود حالة الحرب بالأساس.  أدخلت المنطقة إلى حالةٍ من الجمود الغارق في مستنقعات استُحدِثَت لتشتيت الانتباه عن جذور ذلك الاختلاف الوجودي التاريخي.

ترافق كل ذلك مع تشويش البوصلة لدى عديد القوى في المنطقة، وصعود التنظيمات المتطرفة بدلا من الدول بشكل لا يخلو من الريبة، مما أدى إلى انحسار الصراع شيئاً فشيئا ليتمثل فقط بالحالة ما بين قطاع غزة وإسرائيل ذاتها، بعيد وصول المفاوضات بشكل واضح -نتيجة لتخطيط محكم- إلى المراوحة في المكان منذ أكثر من أربعة عشر عاماً، لتبتعد سلطة رام الله عن دائرة الأحداث وتنغمس بالعمل الإداري بعيداً عن أي قرارٍ ذي طبيعة سيادية مما زاد في تعميق عزلتها.

في وقتٍ أضحت فيه مهمة التأريخ منوطة بجملة من المتناقضات المتناثرة هنا وهناك في الفضاء الافتراضي، يجدر الانتباه إلى أن العرب لطالما قرأوا ما يحيط بهم من أنواء على طريقة تسطيح الأمور بما يتناسب وقدراتهم  المحدودة على التحليل الاستراتيجي، والتي كانت -بالأصل-  قد صُدِرت لهم بهدف مواءمة نظرتهم القاصرة المتسقة وأهداف من صدرها لهم .

كل ما سبق قد أهلهم -بتفوق- إلى تقمص دور الحجر على رقعة شطرنج، بل وحتى يزعم البعض بأن تلك الأحجار باتت تتلقى الأحداث مرة تلو الأخرى بذات الاندهاش لحد ينافي المنطق.

ففي عصرٍ تراكمت فيه الخبرات، ومن المفترض بأن تكون قد تأطرت فيه الرؤى لتحليل الواقع، بل وحتى رسم دورٍ مستقبليٍ والذي يفترض بأن يكون فاعلا، لا نزال كالمعتاد نقف مواجهيين للجهة الغربية –بلا منطقيتنا المعهودة- بانتظار بزوغ أشعة الشمس!

التاريخ غني بدلائل تشي بأن الفهم المتعمق للأحداث، يرتبط بعلاقة طردية مع مدى القدرة على التعامل معها!  يحضرني هنا مثال من التاريخ، عندما حذر وزير خارجية الكيان الصهيوني السابق "وبري سوليمون مائير إيبان" المعروف بـ(أبا إيبان) في خريف عام 1986: "إن الفلسطينيين يعيشون محرومين من حق التصويت أو من حق اختيار من يمثلهم، ليس لديهم أي سلطة على الحكومة التي تتحكم في أوضاعهم المعيشية. إنهم يتعرضون لضغوط وعقوبات ما كان لهم أن يتعرضوا لها لو كانوا يهودا، إن هذه الحالة لن تستمر دون أن يؤدي ذلك إلى انفجار". بعد مرور أقل من عام اندلعت الانتفاضة الأولى!

إن لم يكن (الإسرائيليون) قادرين على رسم المستقبل كما يكره البعض الإقرار به، فعلينا أن نقر بأنهم قادرون على الأقل على قراءته. فبينما تذوب الفواصل بين الأجنحة اليسارية في بعض الدول العربية، و تأخذ اليمينية خطواتٍ واسعةٍ على طريق النبذ والإقصاء، سواء أكانت بسبب إسقاطات براغماتية أو غير ذلك، فإن الأيديولوجيا ستبقى على الدوام ذاك الثقب الأسود، والذي ما أن ندخله حتى نتوه في ثناياه. نخسر أم نربح، لا يهم طالما أننا وفي معظم الأوقات لا نقدر حتى أن نضع أيدينا على الأسباب، أو حتى بكل بساطة تحليل ومن ثم التعامل مع المعطيات.

مهما كان ما يدور رحاه في المنطقة برمتها -حسب قراءتنا القاصرة كالعادة-، فإن الوضع الحالي على أرض الواقع هو مجرد " سلام" هش ومواصلة حرمان الفلسطينيين من أسباب الحياة، وبدلاً من استمرار العرب بتقمص دور المتفرج السلبي والضياع عند كل مفترق ل"قرارات التعامل" مع الأحداث الجسام والتي هي أصلاً نابعه من تقييم خاطئ، فمن الأجدر لنا الخروج من العباءة المهترئة ومقاربة الأحداث من منظورنا بدلاً من مما يختاره الآخرون لنا. 

حتى لا ننجرف وراء تلك الفوضى في الأولويات، فعند قراءة التاريخ بعمق وبالتالي استقراء المستقبل، نجد أنفسنا أمام حقيقة لا تحتمل الإهمال، فمواصلة التصعيد بالقدس والتضييق على الفلسطينيين بجميع مناحي الحياة، لابد وأن يدفع باتجاه مواصلة خلخلة الخريطة الأيديولوجية، وبالتالي سحب البساط من تحت أرجلنا والعبث ببحاتنا الخلفية.

باختصار، فإن كتابة مشوهة لتاريخ المرحلة لن يغير بشكل فعلي ما يحدث، ولن يغير من الميزان الحقيقي المجرد للخطأ والصواب، إلا في حالة إصرارنا على إبقاء رؤوسنا مدفونة بالرمل، عوضاً عن التعامل مع المتغيرات بمنهج سياسي مجدي واستثمارها للمصلحة الفضلى لنا وتغليب كل ذلك على المصالح الضيقة!